ضمن محاولة كتّاب عبريّين لتحليل الفشل الذريع لكل من طرح نفسه بديلاً أمام اليمين الاستيطاني والرأسمالي ضمن "الإجماع الصهيوني"، إيّاه، يشير البعض الى قيام اليمين بعملية سطو على مفاهيم أنشِئت ونشأت في العملية التاريخية التراكمية لتطوّر ونضالات اليسار في العالم.
هذا الادّعاء هام بكونه يشير الى أزمة عميقة – هي واحدة من كثيرات - في السياسة الإسرائيلية من حيث المفاهيم وتعريفها. أو لنقُل على الأقل من ناحية المعنى الذي يتم إسقاطه عليها، مقارنة بتاريخ المفاهيم وسياقاتها الفكرية والاقتصادية والاجتماعية في العالم.
الادعاء هناك بشأن قيام اليمين السياسي والعقائدي في إسرائيل، مثلما في مواقع أخرى، بما يشبه السطو على مفاهيم ما انفكت تشكل جزءا من الحمولة السياسية لليساريين، هو ادعاء يتخذ هنا لوناً أكثر سطوعاً.
السبب هو أن اليمين في إسرائيل حين احتلّ مواقع مفهوميّة معرفيّة يساريّة المضمون والحمولة، واستخدمها لغاياته النفعيّة، مثل التنكّر الزائف خلف زيّ الصوت الناطق باسم الفقراء اليهودي الشرقيّين، أي اليهود العرب، الطوائف اليهودية الخارجة من مجتمعات عربيّة، إنما احتلّ تلالا جرداء خاوية، وصحارى غير مأهولة، لأنه لم يكن في إسرائيل يسارٌ حمل هذه الرايات وناضل على هذه الأجندات. وحين نقول هذا نتحدث عما يقع في نطاق وإسار ما يُعرف بـ"الإجماع القومي" الصهيوني. لا نتحدث عن شيوعيين وسائر غير الصهيونيين أو مناهضي الصهيونية أو راديكاليين يرفضون أيديولوجيا الاستعمار هذه أصلا.
فحين خطب مناحيم بيغن، زعيم الليكود التاريخي، في السبعينيات متقمصاً دور المتماثل مع الفقراء اليهود؛ وحين أعلن نجم الديماغوغية بنيامين نتنياهو أنه يتحدّر من أصول "سفارادية"، أي من المستضعفين المضطهدين داخل الغيتو الصهيوني نفسه، لم يستوليا على غنائم من أحد. بل اقتحما بوّابات مشرّعة على فراغ. فلم يكن في هذا الغيتو الصهيوني يسار فعلا، ولن يجده أحدٌ اليوم.
إن قيماً مثل العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة تتحول الى رميم حين لا تكون مشحونة قيمياً بفكرة الأمميّة والكونيّة، المتحررة من التقسيمات العرقية والقومية والدينية، والتي لا تدخل معارك لغرض الهيمنة باسم أي منها. فهل كان حزب "مباي" التاريخي الذي ورثه العمل يسارياً في أية فاصلة ونقطة، حين أقام مشروعاً سياسياً شرطه الأول إلغاء العربي الفلسطيني بالتهجير والنفي والإخضاع والاحتلال والتمييز والتفتيت الطائفي؟ هذه استحالة.
لذلك، فإن كل صوت ومنهج تحليلي يخوض غمار النقاشات عن يسار ويمين في إسرائيل، دون أن يتحرر من الغيتو الصهيوني، ومن غير أن يكسر جدران الحصار العقائدي التي تسجنه وهو واهمٌ بأنها تحميه، لا يمكن أخذ تحليله على محمل الجد. يُقال هذا حُكماً عن خطاب مكرّس في إسرائيل يرغي بمفردات اليسار دون أن يهتم بالحفاظ على شرطها الأساس.
في جميع المحطات لم يحارب هذا "اليسار الصهيوني" على ما يزعمه من هويّة فكرية يسارية لأنه ببساطة ما انفكّ يفتقر إليها. وهو ما أتاح لخصومه المحافظين المتشددين فرصاً انتهزوها بكامل النهم والإتقان لتسديد الضربات الفتّاكة له، الى أن بات مجرّد استمرار وجوده سؤالاً مطروحاً بجدية وعلى نحو حثيث.
الصورة: تمثال لبن غوريون في صورته الشهيرة واقفًا على رأسه. استعارة لـ"اليسار الصهيوني"
.png)


.png)

.png)






.png)

