بين العنف والاستيطان والمصادرة في المدن "المختلطة" | غادي الغازي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

كان وما زال الهدف الاستراتيجي للمستوطنين هو تهويد المدن "المختلطة" والسيطرة عليها - احتلال أحياء وإقصاء الفلسطينيين. هذا هو ما نناضل ضده،  ويعي الفلسطينيون في هذه المدن تمامًا أنه ممنوع الانصياع لهذه المخططات، ممنوع ترك البيوت، ولا السماح بالتالي للسلطة باستغلال عنف المستوطنين لتمرير عمليات الاستيطان

في أوائل ديسمبر 2002، أتيحت لي فرصة نادرة للتجول في شوارع مدينة أحمد آباد في ولاية غوجارات غربي الهند. كان هذا بعد أشهر قليلة من اندلاع الاشتباكات بين القومجيين المتعصبين الهندوس والمسلمين في فبراير ومارس 2002. وتشير التقديرات إلى أنه قتل حوالي 800 مسلم ونحو 250 هندوسيًا وتم تهجير أحياء كاملة من السكان المسلمين في أعقاب الهجمات. أراني صديقي "أتشيوت ياجنيك" مدينته المحبوبة. في كل زاوية شارع، اقترب منا الناس على الفور - بعد عقود من نشاطه الاجتماعي، عرف الجميع، الهندوس والمسلمون، "أتشيوت ياجنيك". أراني منازل سكان مسلمين كانت لا تزال قائمة لكن محترقة وخاوية. كما قادني إلى المعابد الهندوسية حتى أتمكن من قراءة النقوش العربية التي تركها الفنانون المسلمون الذين بنوها.
قال لي "أتشيوت": هنا، كان "تعايش" حقيقي، ليس فقط ذلك الـ"تعايش" الذي كان بين القوى العظمى في الحرب الباردة. بل كيف تصر على القول، غادي، ليس "تعايشًا" ولكن "حياة مشتركة"؟ هذه الحياة المشتركة اشتعلت فيها النيران هنا.

وتابع أتشيوت: تسمى مثل هذه الاشتباكات هنا بـ"أعمال شغب مجتمعية". وهي تنفجر مرارًا وتكرارًا. لكن هناك فرق، كما أوضح، بين "أعمال شغب مجتمعية" عادية، والتي تنفجر أحيانًا من لا شيء، من التوترات اليومية بين الجيران والصراع الذي لا ينتهي مع الفقر، والتي تنتهي بعد وقت قصير، وبين ما حدث هنا. هنا أشعل أتباع الفوقية القومية الهندوسية النار وبواسطتها يمهدون الآن طريقهم إلى السلطة. غرس رئيس وزراء ولاية غوجارات في ذلك الوقت، ناريندرا مودي، الكراهية علانية ضد المواطنين المسلمين (والذي أصبح في النهاية رئيسًا لوزراء الهند واليوم هو محبوب نتنياهو والمؤسسة الأمنية).
قال أتشيوت: إن "الشغب المجتمعي" يؤلم ويخلف جروحًا ومن ثم يتوقف، لكن هنا قُتل المئات وأُفرغت الأحياء - لأن الأوعية التي تحتوي على البنزين لإحراق المنازل كانت مُعدة مسبقًا. حضرها شخص ما. الجيران فعلاً هاجموا بعضهم البعض، لكن الحريق أشعلته شركات العقارات ومنظمات الفوقية القومية الهندية. لتفهم يا غادي: في بعض الأحيان لا يوجد فرق حقيقي بين المنظمات السياسية التي تروج لمشروع التفوق القومي الهندوسي واضطهاد المسلمين - وشركات الاستثمار والعقارات.. هناك سماسرة عقارات أيديولوجيون...
ما تعلمته من "أتشيوت" في عام 2002 سمح لنا بفهم أفضل للاقتصاد السياسي لجدار الفصل، وفهم العلاقة بين الجدران "الأمنية" وزيادة قيمة العقارات التي يضمن مستقبلها الجدار. وبين الجرافات والدبابات، وبين الشركات وسياسة "تحرير الأرض" التي يتبناها المستوطنون وشركات البناء والعقارات، التي شاهدناها على الأراضي التي تم فصلها ومصادرة بعضها بالفعل من قرية بلعين.

كنت أفكر في هذه الأمور هذا الأسبوع عندما تحدثت إلى أصدقاء فلسطينيين من اللد والرملة ويافا وعكا. كانت هناك شائعات بأن كل شيء سيهدأ، لكنهم قدروا أن الهجمات لن تتوقف. كانوا على حق. هناك عائلات لديها أطفال صغار انتقلوا إلى أقارب أو أصدقاء في المثلث أو الشمال وتركوا بعض الأولاد الأكبر سنًّا لحراسة المنزل. وهناك عائلات لم تذهب إلى أي مكان لكنها حبست نفسها خلف الأبواب والنوافذ المغلقة وانتظرت. مدينة "أحمد آباد" ليست اللد ويافا، لكن المزيج بين العنف المنهجي واشعال النار والمصادرة والترحيل معروف لنا جيدًا من تاريخ هذه البلاد الجريحة.

مصادرة أملاك الفلسطينيين في "المدن المختلطة" سبب رئيسي للاشتباكات الحالية. هذا النهب والمصادرة هو ما جلب لهم مجموعات من المستوطنين نظمت بأشكال مختلفة: "النواة التوراتية"، جمعيات تعزيز "الوجود اليهودي"، "القرى الطلابية" التابعة لجمعية "أياليم" وحركة الاستيطان "أور" وهلمجرا. كلها مدعومة من قبل الدولة. هذه هي القوى الطليعية المنظمة لعمليات الاستطباق التي تبدو غير سياسية في الظاهر، والتي يتم دعمها وتمويلها أيضًا من قبل مؤسسات الدولة. تستند هذه العملية الممتزجة من الاستيطان والاستطباق والقمع إلى سنوات من الإهمال المنهجي وموجات الانفجار الطويلة والمستمرة المنبثقة من عام 1948، ليس فقط الترحيل والتهجير ولكن أيضًا الواقع الذي أعقب ذلك: بقاء السكان الفلسطينيين في مدنهم الأصلية "كمستأجرين" وحقوقهم مشروطة ومتعلقة بـ"سلطة التطوير" و"عميدار" أو "شركة تطوير عكا" وأمثالها. نعم: تحدث عمليات نهب الملكية والازاحة هذه أيضًا لليهود في الأحياء التي تم إهمالها بشكل منهجي ولم يتم تكريس حقوق سكانها لسنوات، وليس من قبيل المصادفة أن هؤلاء اليهود لديهم أيضًا هوية عرقية معينة.

لكن تفاقم عملية النهب والمصادرة يمكن ألا يكون فقط السبب، ولكن أيضًا، النتيجة طويلة الأمد، للاشتباكات الحالية. الهجمات على السكان العرب في منازلهم وأحيائهم لا تقوض فقط الأمن الوجودي، والثقة في الجيران، والـ"تعايش" الهش الذي بني في يافا واللد والرملة وعكا ... هي أيضًا وصفة مجربة لدفع العملية العميقة للنهب والمصادرة. تذكروا العائلات الفلسطينية في عكا التي أجبر أفرادها على الفرار من منازلهم بعد تعرضهم للهجوم وإضرام النار في منازلهم في أكتوبر 2008.

هناك سيناريو آخر أيضًا: الفقر والتمييز العنصري والجريمة المنظمة والأسلحة المتاحة مزيج قاتل يتطور دائمًا تقريبًا في الهوامش المهملة والمحرومة في أي مجتمع. لقد دفع السكان الفلسطينيون في إسرائيل بأرواحهم بالفعل بسبب حوادث العنف، التي تكون في غالب الأوقات داخلية. لكن اشتباكًا واحدًا، يُصاب فيه يهود أو يُقتلون بالرصاص، يكفي لسماع الدعوة إلى تحييد "بؤر التوتر"، "للفصل بين الأطراف"، على الفور. وكما نعلم جميعًا من الضفة الغربية المحتلة، فإن هذا "الفصل" له معنى واحد: "إخلاء" الفلسطينيين، أي الترحيل. والترحيل مثل أي ترحيل للعائلات عائلات الفقيرة وبالتأكيد للفلسطينيين في إسرائيل، سيزيد من قيمة العقارات، وسيجلب "الهدوء"، ومع السكان الجدد سنرى أيضًا "تحسنًا في نوعية السكان".

صحيح أن الحديث في وسائل الاعلام عن "تعايش" مثالي تم انتهاكه، هو مزيج من النفاق والجهل ويغطي سنوات من التمييز العنصري والحرمان. لكن نسيج التواجد الهش الذي نشأ بين اليهود الإسرائيليين والعرب الفلسطينيين هو مع ذلك نسيج حياة وهو ضروري لإمكانية بناء مستقبل مشترك آخر أكثر مساواةً. في واقع هذه الأحياء، يمكن لأي شخص في أي لحظة أن يتضرر من العنف، يهودًا وعربًا. لكن الخطر الوجودي الحقيقي - خطر المصادرة والنهب- يهدد أولئك الذين كانت الدولة تسعى إلى نهب أملاكهم لعقود من الزمن، أولئك الذين عانوا من عنف كاف من قبل قوات "الأمن" التابعة للدولة ليعرفوا أنه لا يمكن الوثوق بهم – الخطر الوجودي الحقيقي يهدد السكان الفلسطينيين في المدن "المختلطة". ينبع هذا الخطر من عملية عميقة، التي لا تقوم الاشتباكات الحالية الا بتعزيزها فقط وهي: عملية المصادرة والاستيطان.

الأزمة في الأحياء سيواجهها السكان أنفسهم وقادتهم المحليون، الذين يعيشون معًا منذ عقود، ويعرفون جيدًا أنه في اليوم التالي، بعد أن يشعل المستوطنون النار، سيتعين عليهم معًا التعامل مع الواقع ذاته.. يريد الكثير منهم إنهاء العنف، ويعرفون كيف يتصرفون معًا ويفهمون بالضبط أن الخطر الحقيقي على الـ"لتعايش"، الهش أصلاً، يأتي من جانب أولئك الذين جاءوا للاستيطان في المكان، والاستعلاء عليهم (المستوطنون "المتميزون")، والسيطرة على المباني العامة القليلة في المكان وقيادة التحريض.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين