تشيلي والشعوب التي تقول لا لأمريكا | برهوم جرايسي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

شكّل فوز المرشح اليساري غابرييل بوريك (35 عاما)، في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة في تشيلي، صفعة أخرى لمحاولات الولايات المتحدة الأمريكية المستمرة منذ عشرات السنين، زرع أنظمة موالية لها، تُبقي على أوطانها مزرعة للمصالح الاقتصادية والسياسية الأمريكية. 

إلا أن دول القارة الأمريكية اللاتينية (الجنوبية)، لطالما عرفت شعوبها الأصلانية، المنكوبة بغالبيتها الساحقة بالفقر والتمييز، كيف تسدد للولايات المتحدة الصفعات تلو الصفعات، لتكون الصخرة الصامدة، كوبا، ليست وحيدة، بالقول لا للولايات المتحدة بكل ما تمثله من سياسات امبريالية استعمارية. 

والآن تعود تشيلي لتنضم الى دول باتت في السنوات الأخيرة، أو حديثا، تقودها قوى يسارية، أو ذات توجهات يسارية، إلى جانب كوبا الاشتراكية، وهي: فنزويلا، التي تسجل أسطورة في التصدي للمؤامرات الأمريكية. وبوليفيا، التي أفشلت في العام الماضي انقلابا من عملاء أمريكا. والهندوراس، التي واجهت خطر انقلاب عسكري، إلا أن الجيش تراجع. والبيرو، ونيكاراغوا، والأرجنتين، وكذا المكسيك الحدودية للولايات المتحدة ولربما دول أخرى. فيما تقول تقارير، إن الانتخابات القريبة في كل من البرازيل وكولومبيا، قد تحمل هي الأخرى، قوى يسارية الى الحكم.  

وفي كل واحدة من انتخابات هذه الدول، كان واضحا أن أمريكا تزرع عملاءها ليكونوا منافسين أقوياء على سدة الحكم، وبأموال ضخمة، وينجحون في عدد من الدول؛ ولكن حينما يخسرون تسارع واشنطن غالبا للتشكيك بالانتخابات، خاصة إذا كان الفائز المدعوم من اليسار، لديه خطاب واضح ضد السياسات الأمريكية وربيباتها من الدول، مثل إسرائيل، التي سارعت وسائل إعلامها للقول في عناوينها، إن الرئيس التشيلي المنتخب غابرييل بوريك، من منتقدي إسرائيل، بشكل حاد. 

ومنذ تأسيسها، سعت الولايات المتحدة الأمريكية لتكون دولة استعمارية لدول أمريكا اللاتينية، إما عن بُعد، عبر عملاء، أو بتواجد فعلي في فترات بعيدة سابقة. خاصة وأنها دول "جوار"، مقارنة مع البعد الجغرافي عن باقي القارات، ومن الجيد أن تكون خاضعة لها سياسيا، لتسهيل المصالح الاقتصادية الأمريكية في تلك الدول.

ولهذا فإن المصلحة الأمريكية هي أن تبقى دول أمريكا اللاتينية فقيرة، مستهلكة، أكثر من أن تكون منتجة، دول ذات أنظمة هزيلة، بحاجة للدعم الدولي، في الوقت الذي باتت فيه الامبريالية الأمريكية، في العقود الثلاثة الأخيرة، القابضة على مفاتيح الدعم الدولي. ولربما أن الأرجنتين والبرازيل بقيتا أقوى اقتصاديا، مقارنة مع باقي الدول، ولكن هذا لا يلغي واقع الفقر في كل واحدة منهما.

وإذا نظرنا الى كل واحدة من الدول التي تقودها قوى يسارية، أو ذات توجهات يسارية، أو أن هذه القوى في حالة تناوب على سدة الحكم، تفوز تارة وتخسر في أخرى، نرى أن الجمهور الأوسع الذي يناصرها لتصل الى الحكم، هو من الشعوب الأصلانية، التي حلّ عليها الاستعمار الغربي عليها منذ 6 قرون، تحت تسمية "اكتشاف أمريكا"، بقصد القارتين. وفي حين أن القارة الشمالية كانت عنوانا للمستعمرين من شمال أوروبا، فإن القارة الجنوبية كان المستعمرون فيها من جنوب أوروبا، خاصة اسبانيا والبرتغال.

وكما يبدو، فإن فقراء أمريكا اللاتينية أفضل وعيا من باقي فقراء العالم، إن صحّ التعبير، أو أن الظروف في تلك الدول تساعدهم على أن يكونوا متمردين على بؤسهم، يعرفون عناوين الظلم والاضطهاد، ويوجهون حرابهم نحوها.

ما يراد قوله، إن شعوب أمريكا اللاتينية تقول لا لأمريكا، وحسب مقولة الشعب الكوبي الشهيرة: "كوبا سي يانكي نو". فصمود كوبا، حتى بعد تفكك الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الداعمة لها، بثلاثة عقود، هو مؤشر، ولكن لا بد الوقوف عند مؤامرتين، من سلسلة مؤامرات لا تُعد، ولا تتوقف، على شعوب أمريكا اللاتينية. 

ففي العام 2002، جرى انقلاب من مجموعة عسكرية مدعومة أمريكيا على الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز، فنزل الشعب الفنزويلي، وخاصة جماهير الفقراء والشعوب الأصلانية، للشوارع، وحوصرت المباني الحكومية، ولم يكن أمام مجموعة العسكر سوى أن تتراجع، ويعود شافيز الى منصبه بعد 48 ساعة، محمولا على أكتاف الجماهير الشعبية. والمؤامرات لم تتوقف على فنزويلا حتى يومنا. 

في النصف الثاني من العام 2019، أعاد الشعب البوليفي انتخاب الرئيس إيفو موراليس، وهو من أبناء الشعوب الأصلانية في بوليفيا، وهو اشتراكي، وله مواقف يسارية سياسية واقتصادية تقدمية، ومواقف حادة مناهضة للاحتلال الإسرائيلي وسياسات إسرائيل. فشغّلت أمريكا عملاءها كي تشكك بالانتخابات، وجرت مظاهرات عنيفة، ودرءا لسفك الدماء والفوضى، استقال موراليس من منصبه وغادر البلاد، وهنا اندلعت مظاهرات مضادة من مؤيديه.

وجرت في العام التالي انتخابات جديدة في بوليفيا، وقد اختار الشعب البوليفي، رئيس ذات حزب موراليس، المدعوم من موراليس وهو في المنفى القسري، وعاد موراليس الى وطنه بعد عام، عودة الأبطال. 

وهذا غيض من فيض، عن مؤامرات أمريكا وملاحقتها لقادة أمريكا اللاتينية المخلصين لشعوبهم، وضد الاستعمار والامبريالية الأمريكية.    

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين