اللغة وليدة البيئة، والبيئة التي نشأت فيها لغتنا العربية هي بيئة صحراوية أثرت على مفرداتها وعلى ارتباط كلمات ومفردات كثيرة تحمل معاني ترتبط بالأشياء الحسية المادية، مثال ذلك تمثيل القوة العليا بأصنام وأجسام خلقوها ثم وضعوها في الكعبة، وعبدوها. وهذا عكس ما كان في الفكر الفلسفي اليوناني حيث مُثّلَت الآلهة بأشياء علوية سماوية غير مرئية مثل: آلهة الحكمة وآلهة الجمال (افروديت) وآلهة الحرب.... الخ.
إلّا أن لغتنا العربية تطورت بعد مجيء الاسلام ونشوء الحضارة العربية والاسلامية وانتقلت الى تعابير وقوالب كلامية وكلمات تعكس المعاني المعنوية التجريدية. كما وأنها وفي طريق تطورها وَسِعَت لغات أخرى وأخذت منها مثل الفارسية واليونانية. واللغة العربية كما انعكست في القرآن الكريم احتوت كلمات وتعابير كثيرة لقبائل عربية مختلفة مثل: لغة عدنان وقحطان وقريش وتميم ... الخ وكل هذه التعابير احتواها القران الكريم واستحوذت على ألسنة الناطقين بالعربية فأصبحت لغتنا العربية مجموعة من لغات العرب ... وكما قيل فقد نزل القرآن على سبعة أحرف.. وكما ذكر طه حسين "في كتابه في الأدب الجاهلي فإنّ المقصود بالأحرف السبعة سبع لغات أو سبعة قوالب لغوية لنفس المعنى، كأن نقول عن عملية "القدوم": جاء، قدِمَ، أقبلَ، هيا، هلمَّ او عن عملية "الذهاب" أدبرَ، ولى، هربَ، ذهبَ. وهذه الظاهرة والتي نسميها كثرة وغزارة المرادفات للمعنى الواحد كثيرة جدًا، وما يعنينا في هذا المقال ظاهرة لغوية أخرى وهي الكلمات التي تصف المعاني التجريدية المعنوية غير المحسوسة والتي تعود في الأصل الى استعمال مادي حسي عند العرب قبل الاسلام. ان هذه الظاهرة تعتبر علامة رقي لغوي وحضاري للغتنا العربية. فيما يلي نسوق للقارئ أمثلة على ذلك من كلمات تحولت دلالاتها إلى معان حسية، الى معان معنوية تجريدية، تعكس وضعا يتصل بحالات وصفات تحتاج الى التخيل أكثر من المعاينة بالعين المجردة لتصوّرها، كأن تقول: انسان شريف، انسان صادق، انسان حزين، بدلاً من ان تقول انسان طويل انسان قصير انسان أعمى الخ..
أما الكلمات التي أودّ أن أسوقها كمثال على هذا التطور اللغوي من الحسي المادي الى المعنوي المجرد فهي: كلمة "الشرف" وكلمة "السبب" وكلمة "الأدب" وكلمة "الثقافة" وكلمة "العقل" وكلمة "الفخر" وكلمة "العزم" وكلمة "الحزم" وهي كلمات أصبحت في معانيها تصف حالات فكرية أو عقلية أو نفسية كما هو الحال في كلمات "الصدق" "الكذب" "الأمانة" "الجهل" الخ...
- كلمة العقل: أصل الكلمة من عقلَ يعقِل بمعنى ربط يربط فنقول "عقل الدابة" أي ربطها بحبل "والعقال" هو رباط الرأس في اللباس التقليدي حول "الحطة" او "الشورة" هذه الكلمة تحولت في معناها إلى القدرة على التحكم بالشيء. والعقل مركزه المخ والعقل والذي هو أساس التفكير والشعور والانفعال. والانسان العاقل هو المدرك للأمور، وهو الذي يتصرّف بحكمة. فمعنى المثل "اعقل وتَوَكّل" فكّر بما ينفعك وبما يضرك ثم اتكل على الله. وهي نصيحة لمن يريد أن يقوم بعمل شيء اذ عليه أن يفكر قبل ذلك. وأصل المثل أعلاه هو عدم ترك الناقة تسير كيفما تشاء في المرعى دون ربطها أو دون التأكد من احتمال تعّرضها للخطر أو فقدانها. فعندما سأل صاحب الناقة عمَر بن الخطاب هل يتركها هائمة في المرعى ويتكل على الله قال له: اعقلها، أي اربطها وخذ الحذر ثم توكل على الله.
- كلمة الثقافة: أصل الكلمة من عود الثّقاف، وهو عود يشبه عود نبات القصيب عود مُفَرّغ وصلب وكان العرب يستعملونه لتصحيح كل مُعْوَجّ، كما نفعل اليوم في تصحيح قضيب من الحديد إذا اعوج عن طريق ادخاله في ماسورة حديد. هذا التعبير أي ثَقّفَ يثقّف تثقيفاً تطوّر من كلمة تثقيف أي تصحيح الرمح بواسطة عود الثّقاف الى تصحيح العقل واللسان عن طريق ما نتعلمه من شعر ونثر وحكمة ومَثَل، وعن طريق القران وما جاء به، فيستقيم لسانه وعقله ولا يفكر او يقول قولا الا بعد رويَّة فيسلك حسب ما يمليه عليه علمه وثقافته. ومن هنا جاء اصطلاح "الثقافة"، واصطلاح الانسان المثقف بمعنى الانسان الذي يَنتَفعُ بعلمه من اجل ان يسلك سلوكا معينا. فالعلم مرتبط بالعمل والمثقف هو الذي يجعل من علمه وسيلة يتعامل من خلالها مع الغير. وبهذا يكون قد ثقف نفسه وغيره بعلمه. وهكذا اصبح التثقيف للسان والعقل والفكر عن طريق ما يتعلمه الانسان من العلوم والتراث والحضارة والأدب والقران والحديث. وانت تستطيع ان تحكم على مدى عمق او ضحالة افكار شخص معيّن من خلال ما يكتب أو يقول وتعرف مدى ما تنعكس الثقافة التي اكتسبها على اقواله وكتاباته شعرا او نثرا. أي ان المثقف هو كل انسان يترجم ما تعلمه الى لغة العمل والحياة والتعامل والافادة للغير، وعكسه غير المتعلم والمتعلم الذي يبخل بعلمه على غيره ولا يظهر في سلوكه، فعلمهُ في هذه لم يصحح لسانه ولم يُصّحح عقله. وقد قيل عن هؤلاء اشباه مثقفين.
- كلمة "شرف": وكانت تعني في الجاهلية على مكان مرتفع فنقول: "وقف الخطيب على شرف" أي مكان مرتفع ولا زالت كلمة "شرفة" مستعملة حتى اليوم بمعنى "البلكون" او "البرندة" في لغتنا اليومية، فنقول وقف او جلس في "شرفة البيت" أي في مكان خارجي غير مسقوف في الغالب ليطل منه على ما يجري في الخارج، هذا التعبير تحول فيما بعد الى تعبير معنوي، وصار صفة اخلاقية يتصف بها الانسان فنقول: "انسان شريف" اذا تجلت فيه صفة الشرف أي الاخلاق الحميدة او "انسان بدون شرف" أي لا أخلاق عنده تردعه عن عمل كل ما هو بذيء سيء. ومن هذه الكلمة جاءت كلمة "الأشراف" وهم طبقة اجتماعية تتحلّى بصفات كريمة.
- كلمة الفخر: وأصلها قبل ان تكون صفة اخلاقية كأن نقول "افتخر الشخص بأهله" أي ادّعى ان فيهم صفات خلقية عالية ومبالغ فيها. لقد كان العرب يفتخرون بأصلهم وبنسبهم من خلال أقوالهم وأشعارهم، وشعر الفخر احتل مكانة مرموقة في الشعر العربي كالرثاء والمدح والهجاء... وهذه الكلمة "الفخر" جاءت في الأصل من قول العرب "فَخُرَ ثديُ الناقة"، أي تضخّم بدون حليب وصارت هذه الكلمة تعني الادعاء بشيء او صفة مبالغ فيها. ومن شعر العرب في الفخر قول عمرو بن كلثوم في معلقته:
ملأنا البّر حتى ضاف عنا وظهرُ البحر نملؤه سفينا
اذا بلَغَ الرضيعُ لنا فطاما تخرُّ له الجبابر ساجدينا
او قول جرير
اذا نحن سرنا سارت الناس خلفنا واو نحن اومأنا الى الناس وقفوا
- كلمة الأدب: بمفهومها العصري والتي تحمل معنى "لصفة اخلاقية" كأن نقول "فلان مؤدب" وقول الرسول صلى الله عليه وسلم "أدبني ربي فأحسن تأديبي". والكلمة تحمل في معناها الواسع كل ما قيل وكُتب من شعر ونثر وحكمة وقول ومثل. وكل ما يتعلمه الولد من أجل صقل عقله وذهنه وتحسين تفكيره وتوسيع آفاقه وثقافته. وهذه الكلمة جاءت في الأصل من أوّلًا: "الآدْب" بتسكين الدال بمعنى الطعام او "الغماس" أي غذاء البطن، وثانيًا: كلمة "مأدُبَة" بمعنى مائدة الطعام والأدب عند العرب هو من يدعو وليمة بمعناها الحسيّ المادي وكان العرب يفتخرون بإقامة الوليمة للضيف حيث قال الشاعر
"نحن في المشتاة ندعو الجفَلَى لا ترى الآدب فينا يَنْتَقِر".
والآدب هنا يفتخر بإقامتها ايام الشتاء حيث موارد العيش صعبة وفيها من يدعو الناس لمشاركته في الوليمة أي "الدعوةً الجفلى" أي الدعوة العامة لكل الناس وليس "الدعوة "النقرى" أي دعوة الخاصة. فهو لا ينتقر أي لا يدعو اناساً معينين للوليمة. هذه الكلمة مثلا تحوّل استعمالها من شيء يخص غذاء البطن الى شيء يخص غذاء العقل من شعر ونثر وخطبة وحكمة ومثل وقول وعلم.
- كلمة السبب: هذه الكلمة كانت ولا زالت تدل على الربط بين شيئين بواسطة حبل اتصال، كأن نقول ربطُ الدابة بالحبل الذي يتصل بطرفه الآخر بالوتد او بعامود لكي لا تفلت الدابة وتذهب بعيدًا، فمعنى كلمة "السبب" هذه، الحبل وقد تحول هذا المعنى من الحسي الى المعنوي التجريدي وصار يعني الربط بين الامور او الربط بين الاسباب والنتائج وهو يصف علاقة بين شيئين.
- كلمة الربط: من ربط يربط، وتعني ان تربط بين شيئين بمعناه الحسّي وتطور استعمال هذه الكلمة الى الربط المعنوي بين اشياء مثل الربط بين الأمور الذهنية ومن هنا جاءت ايضا كلمة رابطة بمعنى جمعية تربط بين افراد أو مجموعات معينة وجاء منها ايضا كلمة الرباط المقدس الذي يربط بين زوجين.
- كلمة العزم: من الفعل عزم وكلمة عزومه بمعنى دعا الى وليمةٍ. لقد كان العرب يتعازمون فيما بينهم في مجال الضيافة وتقديم الطعام. لقد تحولت هذه الكلمة الى معنى ذي دلالة تجريبية فنقول: فلان عازم على الصفر ونقول: إن ذلك من عزم الامور ونقول فلان شديد العزيمة بمعنى قوي العزيمة.
- كلمة الحَزم: من الفعل حزم بمعنى شدّ الحزام في معناه الحسي ومعنى "قرر" في معناه التجريدي. وقد استعملها العرب بالمعنى الحسي عندما كانوا يحزمون الحمل على الدابة من أجل الحفاظ عليه من السقوط ومنها جاء ايضا كلمة الحزام بمعنى "القشاط الجليدي" نضعه على الخاصرة لتثبيت اللباس على الجسم. وقد تحول هذا المعنى الى معنى معنوي تجريدي فكلمة "حازم" تأتي بمعنى القوي فنقول فلان حازم في كلامه أي لا يتراجع عنه.
وهنالك امثلة أخرى كثيرة تجدها في لسان العرب وفي قواميس أخرى تدل على انتقال كلمات أخرى كثيرة من المعنى الحسي الى المعنى المعنوي التجريدي. هكذا تطورت لغتنا العربية ووَسِعَت معاني الحضارة ووَسِعَت جميع العلوم الطبية والفلكية وعلوم الكيمياء والجبر والرياضيات الخ... لقد كانت اللغة العربية منفتحة، أخذت كلمات من لغات أخرى مثل: الفارسية واليونانية وغيرها مثل الكلمات دمقس وسندس، واستبرق والتي وردت في القرآن الكريم، كما وأعطت اللغة العربية للعالم كلمات كثيرة تجدها في اللغات الأوروبية وتصل الى المئات مثل الرز والقهوة والكحول والجبر واللوغريثمات، ولمن يريد التوسع في ذلك يمكنه الرجوع الى أكثر من مصدر كَتَبَ عن موضوع "الكلمات العربية في اللغات الأوروبية" وكذلك بالرجوع إلى الانترنت.



.png)

.png)






.png)

