حرية الصحافة في إسرائيل وفقًا للمؤشر العالمي، ليس كما تصوّره لنفسها وتسوّقه للخارج| هشام نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

الصورة الذاتية للمؤسسة الإسرائيلية عن نفسها، وبالتالي أيضًا تلك التي تسوّقها للعالم، ناصعة برّاقة تكاد تكون معقّمة. فهي بمرآتها الذاتية نموذج يُحتذى في "العالم الحرّ" كما يُسمّى. هكذا يعتقد معظم الإسرائيليين أيضًا. لكن التقرير الذي موضع دولة إسرائيل في مكانة متدنية على تدريج مؤشر حرية الصحافة العالمي للعام الحالي 2020، يقول العكس. المفارقة أنه قوبل بتجاهل تام تقريبًا حتى في وسائل الاعلام الإسرائيلية نفسها، على اختلافها، من أقصاها الى أقصاها. على اتساع الطيف الذي يجمع صحافة تجارية وأخرى رسمية، الليبرالي منها والمحافظ واليميني العلني وذاك المقنّع، غابت هذه المعلومة. وفقًا لبحث تصفّح رقميّ بسيط، يبدو أن موقع "العين السابعة" النقدي الجاد، وحده من قام بالتطرق لهذا التقرير الدولي. وبالطبع فالحديث ليس عن مناقشة معمقة للتقرير، ولا عن عقد ندوات في استوديوهات التلفزة التي تجتمع على كل ما هبّ ودبّ وتنتج كميات تجارية من الكلام، بل حتى تغطية الموضوع في خبر معلوماتي مقتضب. هذا علمًا بأنه أصلا من مصلحة الصحفيين أنفسهم أولا الاهتمام بتسليط حزم من الضوء على هكذا معلومة. ولكن يبدو أن هوية المتضررين الأساسيين من انتهاكات حرية الصحافة، هي ما يقرر مدى تغطية هذه المعطيات والتركيز عليها، كما سيتضح فيما يلي.

مؤشر حرية الصحافة العالمي هو ترتيب سنوي للدول تعده منظمة "مراسلون بلا حدود" وتنشره بناء على تقييم المنظمة لسجل حرية الصحافة في كل دولة. التقرير مبني على استبيان يرسَل إلى منظمات متشاركة مع منظمة "مراسلون بلا حدود" منها 14 مجموعة لحرية التعبير في خمس قارات و 130 مراسل حول العالم، بالإضافة إلى صحفيين، وباحثين، وقانونيين، ونشطاء في حقوق الإنسان. الاستبيان، كما جاء على الموقع الرسمي للمنظمة، يسأل أسئلة عن الاعتداءات التي طالت صحفيين وإعلاميين بالإضافة إلى المصادر التي تثبت صدور ضغوط على الصحافة الحرة.

في تقرير العام 2020 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة جاء أن "الصحافة الإسرائيلية تتمتع بحرية حقيقية، قل نظيرها في المنطقة، ولكن بالرغم من وجود وسائل إعلام حرة ومستقلة، فإن الصحفيين يواجهون عداء أعضاء الحكومة إضافة إلى "الرقابة العسكرية" وقرارات منع تغطية بعض المسائل، منها ما يتعلّق بالفساد، ناهيك عن إجراءات التكميم التي تعتمدها دوائر المال والأعمال".

ويصف التقرير كيف انهالت العديد من "حملات التشهير ضد وسائل الإعلام من قبل بعض السياسيين، مدعومين بأحزابهم ومؤيديهم، حيث تعرض عدد من الصحفيين لمضايقات وتهديدات مجهولة الهوية، مما اضطر بعضهم إلى طلب حماية شخصية حفاظاً على سلامتهم". هنا يشار الى أن الصحفيين الذين قاموا بتحقيقات استقصائية متعلقة بشبهات الفساد، التي تحوّلت الى بنود في لائحة الاتهام الرسمية المقدمة ضد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، كانوا أكثر من تعرّض لملاحقات وتهديدات.

من ناحية أخرى، يقول تقرير "مراسلون بلا حدود" فإنّ حقيقة أوضاع الأراضي الفلسطينية مغيَّبة تماماً في الصحافة الإسرائيلية بسبب "الرقابة الذاتية"، أي امتناع هيئات وإدارات التحرير عن تناولها طوعيًا ورضوخًا للجو العدائي العام، بينما يجد المراسلون الأجانب صعوبات في تجديد بطاقاتهم. كذلك، تتوالى انتهاكات الجيش الإسرائيلي ضدّ الصحفيين الفلسطينيين خاصّة أثناء تغطية المظاهرات أو المواجهات في الضفة الغربية أو قطاع غزة، حيث قتل صحفيان فلسطينيان وجرح العشرات على أيدي القوات الإسرائيلية في 2018، خلال تغطية مسيرة العودة في قطاع غزة. ومنذ ذلك الحين، تتوالى المظاهرات كل أسبوع حيث عادة ما تشهد إصابة العديد من الصحفيين. ففي الضفة الغربية، أدى استخدام الجيش الإسرائيلي للذخيرة الحية في عمليات تفريق المتظاهرين إلى إصابات خطيرة فقد على أثرها ثلاثة صحفيين فلسطينيين على الأقل أعينهم بشكل دائم. كما أن العديد من الصحفيين الفلسطينيين، المتهمين بما يوصف "التحريض على العنف" أو "التعاون مع منظمات إرهابية"، يجدون أنفسهم ضحايا نظام الاعتقال الإداري الإسرائيلي، الذي يتيح للسلطات القيام بعمليات اعتقال واحتجاز دون تهم رسمية وذلك لفترة غير محددة وقابلة للتجديد، بل ودون إرسال الملف إلى محامٍ. هذا وقد استُهدفت أو أغلقت وسائل إعلام فلسطينية عديدة من قبل القوات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة بتهمة التحريض على العنف.

بتاريخ 3 شباط 2020 نشر المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الاعلامية "مدى" نتائج تقريره السنوي حول الحريات الاعلامية في فلسطين خلال العام الماضي 2019. وأشار التقرير الى ان العام 2019  لم يحمل أي جديد ايجابي ملموس على صعيد احترام الحريات الاعلامية ووضع حد للاعتداءات ضد الصحافيين ووسائل الاعلام، حيث واصلت قوات وسلطات الاحتلال الاسرائيلية وبوتيرة كبيرة ارتكاب مختلف انواع الاعتداءات لا سيما الاعتداءات الجسدية منها، وباتت شركات/شبكات التواصل الاجتماعي تشكل بوابة أخرى لقمع الحريات الاعلامية ومحاربة المحتوى والرواية الفلسطينية.

وجاءت الاعتداءات الإسرائيلية وفقا للتقرير ذاته ضمن 11 نوعا، منها خمسة أنواع تعتبر الاشد خطورة على حياة الصحافيين/ات والحريات الاعلامية وهي: الاعتداءات الجسدية، واعتقال الصحافيين او توقيفهم، ومصادرة او احتجاز او اتلاف معدات العمل، واستخدام بعض الصحافيين كدروع بشرية اثناء عملهم في الميدان، واغلاق او تدمير المؤسسات الاعلامية. وشكلت (الانواع الخمس الاشد خطورة) حوالي 72% من مجمل الاعتداءات الاسرائيلية المسجلة في العام 2019.

في مقارنة  لتقرير "مراسلون بلا حدود" مع تقارير لمنظمات أخرى، جاء في تقرير منظمة "فريدوم هاوس" الأمريكية لهذا العام (التي وُجهت اليها سابقًا انتقادات كثيرة تتهمها أصلا بالتسامح مع السلطات الإسرائيلية) أن قطاع الإعلام الإسرائيلي ككل هو قطاع "حيوي وحرّ في انتقاد سياسة الحكومة"، ولكن "في حين أن نطاق التقارير المسموح بها واسع بشكل عام، إلا أن المقالات المطبوعة حول المسائل الأمنية تخضع لرقابة عسكرية. وفقًا لنتائج طلب حرية المعلومات ، قام الجيش في عام 2017 بتنقيح ما مجموعه 2,358 خبرًا إخباريًا جزئيًا أو كليًا ، أو 21 بالمائة من المقالات التي قدمتها له وسائل الإعلام لمراجعتها مسبقًا". وتوقف أيضًا عند "حجب المكتب الصحفي الحكومي من حين لآخر البطاقات الصحفية من صحفيين لمنعهم من دخول إسرائيل، بحجة الاعتبارات الأمنية".

لفهم جانب من رؤية المؤسسة الحاكمة لحرية الصحافة والصحفيين، يمكن التطرق الى القصة التالية التي لعب فيها الجهاز الحاكم في إسرائيل دورًا خطيرًا في ملاحقة صحفيين وناشطين مدافعين عن حقوق الإنسان حول العالم. المسألة هي شكل ومضمون التعاطي مع الحريات الصحفية كقيمة وممارسة. فقد أعلنت منظمة العفو الدولية العام الماضي قرارها اتخاذ إجراء قانوني لإحالة وزارة الأمن الإسرائيلية إلى المحكمة، ومطالبتها بإلغاء ترخيص التصدير الذي منحته لمجموعة ""NSO، وهي شركة تتخذ من إسرائيل مقراً لها استخدمت منتجات برامج التجسس الخاصة بها في الهجمات المروعة على صحفيين نشطاء، على حد تعبير المنظمة. في نص الشكوى، أوضح ما يقرب من 50 من أعضاء ومؤازري الفرع الإسرائيلي لمنظمة العفو الدولية، وآخرين من مجتمع حقوق الإنسان، كيف عرّضت وزارة الأمن الإسرائيلية حقوقَ الإنسان للخطر من خلال السماح لمجموعة "إن إس أو" بمواصلة تصدير منتجاتها. فهي تبيع منتجاتها للحكومات المعروفة بانتهاكاتها المروعة لحقوق الإنسان، مما يوفر لهذه الحكومات الأدوات اللازمة لتتبع الناشطين والمنتقدين.  ففي آب 2018، استُهدف موظف من منظمة العفو الدولية بهجوم، من برنامج لمجموعة "إن إس أو “يسمى بيغاسوس Pegasus، وهو برنامج تجسس، وهو أيضاً مرتبط بالهجمات على الصحفيين في السعودية والمكسيك والإمارات.

هناك خيط ناظم يجمع حالات انتهاك الحريات الصحفية. الصحفيون الذين ينتقدون السلطة وشخوصها على الفساد وسوء استخدام القوة يواجَهون باتهامات جاهزة أنهم "يساريون" معادون للدولة والشعب وهلمجرا. هذه تهمة مرتبطة مباشرة بالتخوين الذي يطال كل من ينتقد ممارسات جهاز الاحتلال الاسرائيلي المركّب ضد الشعب الفلسطيني. العداء للفلسطينيين، بمن فيهم الصحفيون منهم، هو مادة غير ذات أهمية على الأجندة الإعلامية الإسرائيلية الرائجة. لكن هذا لا يمنع نتنياهو ومعسكره اليمين الاستيطاني برمي كل من ينتقدهم أوتوماتيكيًا بتلميحات التخوين والتضامن مع الفلسطينيين، رغم أن هؤلاء الصحفيين ليسوا يساريين بل متبلدين غالبًا حيال البطش بالفلسطينيين. هذه خلاصة واحدة من بين خلاصات ممكنة عديدة للدائرة الإسرائيلية المُفرغة.

(المقال ملخصٌ لصيغة أوسع نُشرت في ملحق "المشهد الإسرائيلي" الصادر عن "مركز مدار"، رام الله)

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين