حكومة تجهل غدها تعرض خططا وهمية متعددة السنوات للعرب للسكوت على جرائم الاحتلال | برهوم جرايسي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

لم تكن في تاريخ إسرائيل حكومة واصلت تطبيق خطط متعددة السنوات، وخاصة تلك التي أقرتها حكومات سابقة، إلا في كل ما يتعلق بالاستيطان والعسكرة *هل يمكن لحكومة على كف عفريت أن تقلب استراتيجيات صهيونية أساسية رأسا على عقب؟

نثرت كتلة الحركة الإسلامية الجنوبية، المسماة "القائمة العربية الموحدة" في الأيام الأخيرة، عدة منشورات، حول مخططات حكومية، وكأنها تُغدق المليارات على المجتمع العربي، وكلها خطط متعددة السنوات، من خمس إلى عشرات سنوات. ومن يجمع كل هذه العناوين البراقة، سيتخيل بلداتنا تتحول الى "جنّات نعيم"، تعدنا بها حكومة مارقة، لا تعرف غدَها، وتقف على كف عفريت، وتروّج لها قائمة تبحث عن أوهام تستر بها عوراتها السياسية، وخنوعها لكل سياسات الاحتلال والاستيطان وقهر الشعب الفلسطيني، والجرائم التي ترتكب ضده.

ومن يتابع الشأن الإسرائيلي على مدى عشرات السنين، سيعرف ويتيقّن من حقيقة أنه لم تكن حكومة واحدة، قد طبّقت أية خطة خمسية أو متعددة السنوات، تُعنى بالشؤون المدنية، إن كانت مخططات تقرها هي، ثم تنقلب عليها بعد عام أو عامين، بفعل أزمات اقتصادية مزعومة، ولكن بالذات مخططات وضعتها حكومات سابقة.

والاستثناء الوحيد في كل هذا، هي كل المخططات المتعلقة بتطوير الجيش وتضخيم القوة العسكرية، وكل مخططات الاستيطان وتعميق الاحتلال، وفق استراتيجيات محددة سلفا، وكل حكومة جديدة تنشأ، تواصل بصمت ما هو معروض عليها من جهات التخطيط الاستراتيجي العليا، مثل حالة الحكومة الحالية، التي يوجد في مركّباتها الثمانية، من كان يزعم أنه ضد توسيع الاستيطان، على شاكلة "ميرتس" وكتلة الإسلامية الجنوبية، وحتى قيادة حزب العمل الجديدة، بزعامة ميراف ميخائيلي.

ومن المثير للسخرية أن نسمع عن خطة لعشر سنوات، لدفق 10 مليارات شيكل على جهاز التعليم العربي، أو 2,5 مليار شيكل لعشر سنوات لتطوير شبكات الطرق، أو 1,4 مليار شيكل لخمس سنوات، لما يسمى "تشجيع انخراط العرب في سوق العمل".

خلال خمس سنوات، أو عشر سنوات، ستكون إسرائيل قد مرّت بعدة انتخابات برلمانية، وتقلبت فيها وجوه الكنيست والحكومات عدة مرات، فمن سيتابع من؟، ومن سيحاسب من؟، وأين ستجدون من تتابعونهم وتحاسبونهم؟، فكلها عناوين مخططة، في محاولة بائسة لإسكات الجماهير العربية، وردعها عن مسارات النضال، الكفيلة الوحيدة بتحقيق شيء من الحقوق، بصفتنا أبناء الوطن.

إن الجدل مع أكاذيب وأوهام نواب الإسلامية الجنوبية، ممنوع قطعا أن يكون في المنافسة على تحقيق إنجازات مزعومة، لأن كل هذا يصب في ذات الخانة: "ابداء حسن سلوك أمام المؤسسة الصهيونية لتحصلوا على فتات"، مقابل تغييب الخطاب الثوري الكفاحي، المحرّض للجماهير على غُلبها ومآسيها، مقابل التعلق بحبال الأوهام.

وهذا ما لمسناه في متاهة ما تسمى "خطة 922"، والآن يتحدثون عن متاهة "خطة 923"، وللأسف فإن رؤساء سلطات محلية عربية هم طرف في هذه المتاهات، لأن ما سينجم عنها في أحسن الأحوال، ترتيب الأثاث داخل الزنزانة. لأنه طالما لم يتم طرح القضايا الجذرية لكل سياسات التمييز العنصري، فإن شيئا لن يتغير على أرض الواقع، سوى رش بضعة ملايين على مجالس بلدية وقروية، لتجديد طبقات شوارع مهترئة، وبناء حضانات، أو مباني مدرسية، هي ضرورة من دون حفلات رقص، وكأنها انجاز عظيم.

فالتمييز العنصري الذي تمارسه كل الحكومات الإسرائيلية ضدنا، هي استراتيجيات صهيونية، عبّر عنها قادة الصهاينة منذ العام 1948، بأنهم يريدون العرب حطابين وسقاة ماء، وبطبيعة الحال فإننا لم نصبح كذلك بفعل نضالنا، وليس بحسن نوايا الصهاينة، ولكن ما حققناه أيضا، ما زال بعيد كل البعد، وبفجوات عميقة، عن مستوى معيشة اليهود.

لم تتغير العقلية الصهيونية حتى الآن، وبالتأكيد لن تتغير، لأن استهدافنا لكوننا جزء لا يتجزأ من شعبنا الفلسطيني، والمستهدف هو كل الشعب الفلسطيني، وفلسطين التاريخية برمتها. فهل سمعتم الإرهابي بتسلئيل سموتريتش، يقول قبل أيام من على منصة الكنيست: "أنتم هنا (العرب) لأن بن غوريون لم يكمل المهمة". وهو ليس الأول، فقد سبقه آخرون.

إن كل المطالب المطروحة، طالما لم تتركز بداية، في توسيع كبير وجدي لمناطق نفوذ كل المدن والقرى العربية، فإن شيئا لن يتغير. والصحيح أن نقول، إنه إذا لم تسترد كل المدن والقرى العربية مساحات شاسعة من الأراضي التي صودرت منها على مر السنين، فإن شيئا لن يتغير.

فتوسيع مناطق النفوذ، ليس فقط من أجل انقاذ مئات البيوت من خطر التدمير. فمناطق النفوذ يجب أن تكون قادرة ليس فقط على بناء أحياء سكنية عصرية، بل بالتوازي، قادرة على إقامة مناطق صناعية، وبناء مؤسسات قادرة على استيعاب آلاف وعشرات آلاف الوظائف، ومناطق قادرة على انشاء أماكن ترفيه ومناطق طبيعية مفتوحة ومنظمة.

أما فيما يتعلق بميزانيات السلطات المحلية العربية، فالمطلوب هو زيادة أساس الميزانيات جذريا، وليس الركض وراء ميزانيات عابرة متحركة، مثل ميزانيات "التوازن المالي"، وسد كل الثغرات التي تضعها الحكومات، لتفضيل السلطات اليهودية على العربية، كي لا تبقى الميزانيات مرتبطة بمزاج وعقلية هذا الوزير وتلك الوزيرة، على شاكلة أييليت شكيد.

أما حكاية "تشجيع العرب على الانخراط في سوق العمل"، بموجب مقولة الحكومة والحكومات السابقة وأذرعها، تختبئ وراءها مزاعم أن العرب يمتنعون عن الانخراط في سوق العمل وهذا كذب. ولأجل رفع نسبة انخراط العرب في سوق العمل وخاصة النساء، فالمطلوب ليس تحسين شبكة المواصلات العامة، وبناء حضانات، من أجل ضمان "الترانسفير" الجماعي لعشرات آلاف العمال والعاملات يوميا من بلداتهم لأماكن عمل في المناطق اليهودية، بل ضمان مناطق صناعية وعمل في داخل المناطق العربية ذاتها.

إن نهج الاستجداء الذي سعت وتسعى له أذرع صهيونية ومتصهينة، بالذات في سنوات الألفين، بعد القضاء عليه تدريجيا في سنوات السبعين، وأوائل سنوات الثمانين، هو ضربة قاتلة لمستقبل جماهيرنا العربية، إذا لم يتم اقتلاعه من جذوره، والعودة الى مربّع تحريض الجماهير وتجنيدها لتثور على غلبها واضطهادها. فقد علمت التجارب، ألا تقدم في حياتنا سوى بالنضال والتصدي لكل السياسات الصهيونية وحكوماتها.

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين