حلفاء الغرب في أوكرانيا، من هم؟ | د. طنوس شلهوب

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

*كاتب شيوعي وأستاذ جامعي لبناني

لم تثر مرحلة صعود هتلر والحزب النازي إلى السلطة في ألمانيا أية مخاوف عند سلطات البلدان الغربية آنذاك، وبالعكس، فلقد أظهرت مواد الأرشيف أنه وبعد وصول هتلر إلى السلطة وانتهاكه لبنود معاهدة فرساي التي فرضت قيوداً على تطوير قدرات ألمانيا العسكرية، فإن البلدان الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية أقامت تعاوناً وثيقاً مع النظام النازي، وكان للتبادل التجاري مع ألمانيا دور أساسي في بناء الالة العسكرية الألمانية والتي حولت مدن أوروبا لاحقاً إلى ركام.

وفي تلك الفترة بالذات وبتأثير من الأفكار النازية نشأت في الكثير من بلدان العالم وفي كنف القوى السياسية اليمينية تيارات عنصرية نازية استلهمت من الايديولوجية النازية مشروعها وشعاراتها السياسية. وظهر في أوكرانيا "ستيبان بانديرا" كأحد أبرز ممثلي التيار القومي المتطرف، والذي لجأ إلى العنف لمواجهة الحركة العمالية والشيوعية، وبعد احتلال اوكرانيا من قبل القوات النازية الغازية كان لبانديرا وتياره القومي الدور الأساسي في التعامل مع الاحتلال النازي، وفي تشكيل فرق عسكرية (فرق الموت) قاتلت الى جانب الألمان وقوات شرطة أنيط بها مهمات خدمة الاحتلال بين السكان وعملت على تجنيد العملاء وقمع المعارضين واعدام الأنصار (فصائل المقاومة) وترويع السكان وارتكاب المجازر. (على غرار الدور الذي أنيط بسعد حداد وانطوان لحد في الجنوب اللبناني).

وبعد التحرير جرت ملاحقة هؤلاء الخونة، وأنزلت بهم الأحكام القانونية المختلفة.

مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانتعاش التيارات القومية لاسباب داخلية وبدعم من الغرب الذي وجد في اثارة العصبيات القومية اداة ملائمة لتفتيت وحدة مجتمعات الفضاء ما بعد السوفياتي، بدأت تتشكل في أوكرانيا تيارات عنصرية متطرفة من النازيين الجدد، وكما يحدث عادة، نُبش التاريخ واستلهم النازيون الجدد أفكارهم وشعاراتهم وأساليب تنظيمهم وعملهم من الـ"بانديريين" القدماء.

ومع تعمق الأزمة الاقتصادية تعززت مواقع اليمين المتطرف في المجتمع، وطور الـ"بانديريون" أساليب عملهم وانتقلوا من العمل السلمي الى التسلح وتشكيل الفرق العسكرية وشبه العسكرية (على غرار حزب الكتائب اللبناني) وصاروا القوة الضاربة المرعبة التي أقدمت في العام 2014 على محاصرة المتظاهرين السلميين في أوديسا في مبنى النقابات وقتلهم ورميهم من الشرفات بعد إضرام النار في المبنى، وكانت النتيجة سقوط 48 شخصًا من المتظاهرين السلميين المحتجين على إجراءات الحكومة الجديدة بعدما أسقط الميدان (الحراك وفق خريطة الثورات الملونة الممول من جورج سويرس ومن المخابرات الأميركية) الرئيس يانوكوفيتش المنتخب ديمقراطياً وفق المعيار الغربي.

بعد ذلك تصاعد عنف الـ"بانديريين" والقوميين المتطرفين ضد القوى التقدمية، وبضغط منهم تم تجريم نشاط الحزب الشيوعي الأوكراني، وصار متاحاً ملاحقة أي شخص يروج للشيوعية، وكان سبق ذلك شطب اللغة الروسية كإحدى اللغات الرسمية ومنعت من التداول وحذفت من البرامج التعليمية في المدارس والجامعات، (في بلد أكثر من نصف سكانه روس ومن قوميات اخرى، من مجريين وغجر والخ، كانت اللغة الروسية هي القاسم المشترك بينهم)، وأعيد كتابة التاريخ المتعلق بالحرب الوطنية العظمى، حيث وُضع الجيش الأحمر بمساواة الجيش النازي، واعتبرت المرحلة الاشتراكية بأنها احتلال روسي لأوكرانيا، مع ان قيادات الحزب الشيوعي السوفياتي والحكومات السوفياتية كانت تضم شخصيات من كل الجمهوريات من دون تمييز، وتعرض الصحفيون والكتاب والمثقفون وأساتذة الجامعات المؤيدون لعلاقات أخوية مع روسيا لما للشعبين من تاريخ وثقافة مشتركين ومن مصالح مشتركة للملاحقة والاعتداءات والسجن والتهديد، ودمرت كل الرموز التي تحمل معاني النضال المشترك، وحُطمت النصب التي تكرم الجيش الأحمر والجندي المجهول، وجرى الاعتداء بالضرب على المحاربين القدامى وعائلاتهم الذين اعتادوا في التاسع من أيار على الاحتفال بيوم النصر على الفاشية، ومنعوا من ذلك، وتحولت (معاداة الروسية) "الروسوفوبيا" إلى أيديولوجية النظام الرسمي.

وفي العام 2019 اتخذت السلطات الاوكرانية قرارا باعادة الاعتبار للمشاركين في فرق "بانديرا" المتعاملة مع النازيين في الحرب الوطنية العظمى ومنحهم الحقوق التي يستفيد منها المحاربون القدامى ضد النازية.

هكذا، اقامت هذه السلطة (التي يتباكى عليها بعض "اليسار" الذين يستهولون الحرب وينظرون لروسيا بأنها امبريالية، وبان بوتين دكتاتور، ويسطحون الاحداث) المساواة بين من قاتل الى جانب النازية ونكل بأبناء شعبه مع الذين دافعوا عن وطنهم.

التاريخ يعيد نفسه، والغرب الذي دعم هتلر مراهناً على استخدامه لمواجهة الاتحاد السوفياتي والشيوعية قبيل الحرب العالمية الثانية، هو ذاته، الغرب الامبريالي الذي يتحالف اليوم مع القوميين المتطرفين الأوكرانيين وعلى رأسهم الفرق العسكرية البانديرية لمواجهة روسيا، حتى ولو كانت روسيا رأسمالية، لأنهم راهنوا على أن تبقى روسيا اسيرة الخيانة الوطنية الغورباتشوفية واليلتسينية، إلا أن حسابات الحقل لم تأتِ على حسابات البيدر.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين