حين تُنشر على الملأ رسائل زعيم أو قائد أو رئيس أو مفكر أو أديب أو شاعر، الخ... لا تهبط قيمته وتُلطخ سيرته بوحل الثرثرة والاتهامات، بل تكون رسائله انفجارًا في سنواته التي قضاها في منصبه، حيث يخلف الانفجار حضوره من جديد، وغالبًا يكون هذا الحضور مليئًا بالإنسانية التي تتنفس في جزر الأسرار.
بكلّ شجاعة تقف عائلة الرئيس الفرنسي الأسبق "فرانسوا ميتران" وتضع رسائله الغرامية وعددها 1208 رسالة في متحف، كان قد أرسلها لحبيبته "آل بينجوا"، وأيضًا تنشر الرسائل في كتاب، وتعترف زوجته أن الرئيس ميتران أحب "آل" التي عرفها منذ عام 1962، حينما كان عمره 49 سنة، وكانت هي في التاسعة عشر، وكتب لها الرسائل بين عامي 1962-1995، وبقيت " آل " تعيش في الظلّ 50 عامًا، دون أن يعرف أحد عن هذا الحبّ.
نُشرت الرسائل بمناسبة مرور مئة عام على ميلاد الرئيس ميتران، والتي أكد الكثير من النقاد أنها رسائل تحمل الأدب والشعر والسياسة، وأيضًا تاريخًا لتلك المرحلة. أمام رسائل الرئيس الفرنسي ميتران، حاولت التفتيش عن رسائل لزعيم أو رئيس أو قائد أو ملك عربي فلم أجد، قد نجد بعض الرسائل السياسية، ولكننا نفتقد صوت الأعماق للزعيم والقائد والملك، نفتقد صوت المشاعر والأحاسيس، صوت الرغبات، صوت الرفض والقبول، صوت العشق الأنثوي، نفتقد حبر الأشواق ودفاتر جنون الشباب وسهر الغرف المبطنة بالأغاني والانتظار، نعيش فقط في أجواء رائحة الصدأ حين يجلس على كرسي الحكم وينسى إنسانيته.
وكان سؤالي الّذي لم يجد له جوابًا، هل الرؤساء والملوك وصناع القرار العرب يعيشون داخل علب مطهرة، نقية، يُكتب على قبورهم "ماتوا أنقياء لم تمسسهم امرأة ولم يشاكسوا امرأة، ولم تدق قلوبهم وتشتعل نيران الحب في حياتهم".
دائمًا ما تكون نساؤهم في الخفاء وخلف نقيق ضفادع الاعلام أحيانًا، وإذا ماتوا أو قتلوا، تسقط سهوًا بعض الأسماء، وحين يُشيع الجثمان تغادر معه الأسرار، ولا يبقى منه إلا القرارات العسكرية التي تتابع إحباطه وهزيمته وهروبه ونزواته التنازلية.
بين الخداع والخداع، يتربّع الرئيس والملك والحاكم، يبتسم منتصرًا لأن أنفاسَه لم تلفح امرأة ولأنه لم يخطّ الرسائل، حتى لا يقف التّاريخ قريبًا من قلبه، لأن قلبَه غرفة مغلقة لا تعرف إلا خطواته المتعجرفة.
لم أنتبه يومًا لحياة "ميتران"، لكن رسائله توجت تاريخه بصدق، مهما كان كاذبًا في الأمور السياسية، فقد دلّت الرسائل على الجانب الإنساني الذي هرب من ثقافة الأقنعة والاختباء.
وإذا كان تاريخنا مليئًا بالرسائل الأدبية التي كشفت الغطاء عن الكثير من القضايا والظروف الاجتماعية والسياسية، تبقى رسائل العظماء حين يكتبون الى امرأة كأنهم يلفون حول جسد الحروف أحزمة من التردّد، ويكون البوح خجلًا لكنه سرعان ما يندفع ضاربًا عرض الحائط بكل جدران الخجل.
حين كتب نابليون الامبراطور الفرنسي لحبيبته "جوزفين" كان في كلماته تنهد العاشق الحائر أمام قسوة المرأة، لم يكن أمامها القوي الذي يحدق بالشمس دون خوف، كان أمامها تلميذًا ينسج خيوطًا للتقرب والانحناء كي ترضى عنه.
وحين أحب جبران خليل جبران الكاتبة "مي زيادة" كانت رسائله حناجرَ لمغارات العشق والأرواح، وحبرًا يسجل محاضر الضّعف الذكوري.
ورسائل الأديب والناقد المصري أنور المعداوي للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان وضعت تحت خانة الاعجاب المحاط بعشق خفي.
أما رسائل الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني للكاتبة السورية "غادة السمان" فكانت كلماتها تمطر صدقًا وعفوية، رأينا الكلمات تمشي على حبال المشاعر والأحاسيس برقة راقص وعنفوان شاعر وكبرياء قديس، رغم الهجوم على الكاتبة "غادة السمان" لأنها مسّت "شرف" الكاتب غسان كنفاني ونشرت الغسيل "الفضائحي" حسب رأي عائلته، مع أنّ الرسائل كانت قمة في الصدق، وأظهرت إنسانية غسان كنفاني الذي طرق خزان حبه بقوة حتى حطمه بيديه الناعمتين، وليس برصاصة وبندقية، وقد تجرأت مرة ثانية غادة السمان ونشرت رسائل الشاعر أنسي الحاج لها.
حين تخرج الرسائل من جيوب الزمن، وتنشر الأسرار والحكايات ونبض السنوات، تصبح الكلمات ملكًا للفضاء والناس، وتصبح المواقف دخانًا لمواقد الثرثرة، وتبغًا لغليون التحليلات الكثيرة، لكن تبقى الرسائل تاريخًا يسجّل من خلال النبضات المواقف الإنسانية والسياسية والاجتماعية.
قبل مدة تم افتتاح متحف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في رام الله، صمّم المتحف المهندس الراحل جعفر طوقان ابن الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، وقد صرح ناصر القدوة رئيس مؤسسة عرفات أن المتحف يضم أغراض عرفات الشخصية، بدلته العسكرية، سلاحه الشخصي، كوفيته، الهدايا التي كان يتبادلها مع مختلف المسؤولين في العالم، إضافة الى صور ورسومات وجداريات لفنانين فلسطينيين. لكن بالطبع لن تكون رسالة من امرأة، أو رسالة إلى امرأة، لأنّنا نخاف أن نشوّه صورة القائد لو أحب وعشق، مع العلم أن قصة حبّه لزوجته "سهى" كانت معروفة.
كم نحن بحاجة إلى رسائل تكشف عن إنسانيتنا قبل أن تكشف عن وجوهنا المقطبة، الدموية، لأننا نعيش في زمن أصفر.. زمن الجفاف.



.png)

.png)






.png)
