كان بالنسبة لأحرار شعبنا وأحرار العالم علامة فارقة في صميم الأصالة والانتماء الحر. وذلك من خلال ما خطّه من أدب وما مارسه في عمله السياسي الميداني فكان بوابة لكل الشرفاء الذين صمدوا أمام الكوارث التي حلّت بشعبنا منذ فجر النكبة وحتى الآن.
انصهر منذ أن شب عوده مع رفاق الدرب في العمل والمقاومة من أجل تحقيق العدل والحرية لشعبه ولكل الشعوب الحرة التي ابتلت بنار الاحتلال والقمع والاضطهاد. راحلنا ابو هشام كتب الأدب ليس وهو يستدفئ بحرارة شمس نيسان بل كتب وأبدع من رحم المعاناة والكدح من أجل لقمة العيش الشريف منصهرًا في أرضنا الطيبة وما أنبتته من خيرات ونباتات.
وكل من يتتبع ما خطه راحلنا من أحرف وكلمات، يشعر ويتفاعل مع حرارة النبض وحيوية الانتماء والالتصاق بهذه الأرض الطيبة وكل ما وجد على ظهرها وباطنها من انسان وحيوان ونبات. منها ما هو صالح للأكل والاستعمال الآدمي، والبقية غذاء لحيوانات البيت من دواب وماعز وأغنام كانت رفيقة درب ومعونة للإنسان ووسيلة استمرارية وبقاء في هذه الحياة.
فشخوص قصص وروايات محمد نفاع كانت وما زالت حيّة بيننا نعيش بها وتعيش فينا لأنّ سيرورة واستمرارية هذه الحياة تحتم ذلك.
أنا أعشق أيضًا التجوال في سهول وهضاب بلادنا الطيبة ولكن لست بدرجة ومستوى ما أبدع فيه رفيقنا الراحل ابو هشام. لقد كان وما زال وسيستمر ما خطه من أدب هوية انتماء لهذه الأرض الطيبة، وحتى وأنتَ تتجوّل في سهول وهضاب أرضنا صار لزامًا عليك أن تسير الهُوينا وبحذر لعل وعسى تدوس بقدميك نبتة هامّة أو صالحة كانت من مكونات حياتنا وأساس وجودنا في ذلك الزمن الجميل..
هذه البوصلة التي أوجدها لنا محمد نفاع وعمق أهميتها بأعيننا، بوصلة الحفاظ على الأرض وما عليها من مكونات وذلك أمام ما تعرضنا له وما زلنا نتعرض له من كوارث ومآسي كان هدفها وما زال اقتلاع الانسان وتدمير الحجر والمكونات الحياتية، ألا يكفي ما أحدثته النكبة والتي حولت بلادًا عامرة بأهلها وناسها إلى كومة من الدمار والخراب زرعته آثار القدم الهمجية اغتصاب الأرض وسلب حرية وكرامة الإنسان. وقد تجسد ذلك من خلال فرض الحكم العسكري المقيت والذي كان الهدف من خلاله مصادرة الأرض واقتلاع الانسان ومحاصرتنا حتى بلقمة العيش والنّفس الطيب.
هذه الأجواء التي انصهر فيها راحلنا محمد نفاع وأصبحت جزءًا من مكونات حياته، اذ انخرط مع الرعيل الأوّل من رفاقنا الشيوعيين الأوائل واختار طريق الكفاح السياسي في رحلة طويلة وشاقة بمحاربة الظلم والظلام في معركة قاسية ومريرة من مقارعة سياسة التهويد والمصادرة من أيّام الحكم العسكري مرورًا بيوم الأرض الخالد وسلسلة متواصلة من محطات النضال الشعبي. هذا هو الجانب الآخر لمحمد نفاع الذي التحم جنبًا الى جنب مع عشق الأرض والالتصاق بها ليشكّل نموذجًا للإنسان الثوري الأصيل والمناضل الحقيقي الذي جسده راحلنا الخالد ولم يبدل تبديلاً، لذا سيبقى محفورًا بقلوب كل الشرفاء والأحرار إلى أبد الدّهر.
هذا جزء من صفحات تاريخ هذا الراحل، والتي بقيت مغروسة في كيانه حتى لحظاته الأخيرة ورحيله إلى عالم الخلود والتجدد من أجل استمرارية جذوة الحياة والانتماء والمقاومة حتى تشرق شمس الحرية والعدالة وعودة الحق الى أصحابه الشرعيين. كنت لنا البوصلة وستبقى ذكراك حتى يتحقق النصر في معركة التجذر والبقاء. فنم قرير العينين أيّها الراحل الطيب ستبقى بمخزون وجداننا تذكرنا بمواصلة طريق الكفاح والنضال الوطني حتى يتحقق العدل والحرية والمساواة بالأرض. لروحك الخلود والسكينة هناك في عليائك السرمدي مع الشرفاء الأحرار...



.png)

.png)






.png)
