سمفونيات| عفيفه مخول خميسة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

2) سمفونية عالخرطوش                                        

غادرنا الوعر الشمالي بملاءتين من الصمت وضمتين من الزعتر الأخضر. وتسلّل من نافذة المساء خرق مفاجئ وصريح.. : "بل من أنا ؟" فأرجأت الجواب وقد استيقظ جموحي المنوّم زمناً عن الإصغاء لاولى المفونيات الإلهية ولم تزل في طور التهجئة. وثارت رغبتي لتتبّع لغة جسد قائد تلك الأوركسترا المذهلة.. سأفعل. واستطبت تخيّل رشح عرقه قبيل سكبها في ذاكرة الإبداع البشري ، وبعيد تقديمها للإنسانية مسموعة مكتوبة مقروءة.. ما أمتع هذه النزهة !

من مطل على حافة الزمن الى مذود في قاع الزمن المنظور زحفت هبوط خشوعاً حذراً.. الى حيث ولدت طفرة نور العقل الأولى سأمضي. قلت : أجثو وأهنيء بني جنسي بخلاصنا من الظلمة البهيمة. لكن الركن موحش ، واصداء الفراغ تتكسر على جدران الكهوف مطاردة بين المرئي والمسموع. هنا كان المخاض ! هذا مثير جدا في زمن تحريم الخيال. لكنني سأتابع مشاهدة مراسيم زواج الصوت والإشارة في هيكل الحاستين العبقريتين : السمع والبصر. وأنا منحازة لهمها حتى التطرف ، لاعتبارهما جسر عبور باتجاهين : من بدائع الخالق الى مبدعات المخلوق. بل وطوبت السمع مرسلة من الله عرابة عقل الإنسان ومركبته المتينه لنقل الرسائل الحسية والفكرية عن طريق الصوت.

وكان الله سبحانه وتعالى قد أعلم على الملأ وعلى مسمع شركائنا الاحياء ، انه خلقنا على صورته ومثاله. هذه حظوة عظيمة. فهل لها ثمن ؟ ما الذي أراده ؟ لن نتحقق من هذا الكلام العظيم ، وإن كنا نفهم من الإشارة أنه أودعنا من عقله حصة ، وكال لنا من احساسه كفاف حاجتنا للتمتع بجنته الأرضية مقابل أن نصونها. فهل خذلناه ؟!

هذا مثار للتأمل تصعب مقاومته ، ولا يصح في قلب الجلبة وتحت عين الشمس اللاهبة . وما التأمل الا ثرثرة منفردة صامتة. (  وهي اليوم بتطعمش خبز ). لكن ، ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان.

وما تزال رهبة المكان طاغية. قلت : لأدعُ بنات جنسي ونتبادل الثرثرات ، فإن اجسامنا ، كما يقال ، لبيسه. لكن السؤال : كيف ولماذا صارت هذه الأجسام لبيسه ؟؟ الطقس العالمي مؤاتٍ لتتبع آثار السبب. فنحن بأمسّ الحاجة ( عالمياً ) للوقوف على السبب ، بعد أن كبّلت انوثتنا بسلاسل الحرية... استعبدت حواسنا وجرفت في طريقها امومتنا / ثروتنا الأثمن وسفّهت أقدس مهماتنا ، ومنها صقل وتهذيب النزعات البشرية السلبية.

لقد وصلنا إلى شفة الهاوية ، وبات علينا الإصغاء لأنين الأمومة المنبعث مع دندنات العبوديات الزهراء. ومن واجبنا التداعي عسكراً موحداً لاسترداد عروشنا وتهديم عروش الكرتون التي هزّت أبراج إنسانيتنا. لا طارئ يمنعنا من أن نحلم بتربية جيل لا يتطاول على إرادة مبدعه. لكن في قلب المعمعة. والمعمعات الكبيرة لا تحتمل الاحلام الكبيرة ، ولا حتى الصغيرة. إنما في زمن الهدنة المفتعلة هذه يمكننا استراق فرصة للتجوهر خارج طوق الواقع ، واعادة تشحيم مفاصل الكلام عن صدأ يتآكلها ، وهذا خطير !والأخطر منه حالة موات الوعي الفطري المحرض على الصفاء الفكري والنقاء الحسّي.فهل ننجح بإطلاق العنان للخيال الاستقصائي ؟

(إن صحّ هذا التوصيف ) لا شيء يمنع فيما لو ضبطنا الساعه منبهاً دون تنويمنا عن التفكير بدواعي تسليم أعنّتنا لمن قال المرا بنص عقل.. والمرا ضلع قاصر.. وإن كيدهن عظيم ! ونتمعن في قوله : عللّوها بقولهم حسناء – والغواني يغرّهن الثناء ! بالحسن تغرر الغواني لا المعلمات. وأثمان حسننا ذات قمية أعلى من نزهة غرامية على ألرفييرا ، أو خاتم منتكارلي. لانّا منظمات أولى المجتمعات البشرية بعد رحلة طويلة من الفوضى والضياع والتناحر. وكان الآباء قد مضوا الى الصيد يرافقهم الأبناء الذكور وسلاحهم الأمضى هو الصمت. وعكفت الأمهات على أفراد الأسره الباقين معلمات موّجات راعيات.. ولبوات عند الضرورة.

الصوت آداة تنبيه وتحذير ونداء ضروريه في جوار المسكن. لكنها لا تفي بغرض نقل المعلومة بدقة من والى الفكر والعاطفه. بين الخوض في اكتشاف كجاهل الحياة الآمنه والتحليق في شاعرية الخيال ابتكرت أولئك المعلمات وسائل تؤمن التناغم بين لغة الجسد وصدى الصوت والإيماءات والنبرات والإشارات. ثرثرة صوتية متحركة غايتها جدل حبال تواصل بين المسموع والمنظور. ونتج عن هذه الأوركسترا صوت اصاب المفهوم فلقي تجاوباً عظيماً. وشقّ جدار الصمت لغواً اطلق شقائق النور. كان هذا وميض حروف! ما لبث إن صار شعاعاً ثم حُزماً من المقاطع صدعت جدران قوقعات العتم الروحي.

على حبال النور المسموع هذا صعد الخيال همهة حذرة ، قبل الجري للتأذين لآتٍ من التطور عظيم. وتكرس اللسان والشفاه والحلق أدوات لمسرحه الأحاسيس والهواجس الخاصة والعامة المشتركة. ويكون قد افتتح اعظم محترف صياغة في تاريخ البشرية. اما الجوهرجيات فأمهات.واما المعادن فحروف منها ستصاغ سبائك كلاميةٍ تحمل دلالات واضحة.وهي تعنى بكل الشؤون والشجون المنظورة والمتخيلة.

وصلت أصداء الرنين الى الجوار والأطراف لغة يفهمها جيران المحميات المجاورة فتعارفوا وتناقلوا لمامات ملاحظاتهم وتبادلوا بواكير خبراتهم الزراعية.. وتآزروا لدفع مفاجآت الكواسر وجوارح الطبيعة حين تغضب.. فتكوّن مجتمع طوى عصر الاحتراب بسبب سراب ، وانتقل الى عصر الترحال نحو واحات تخرّ الحياة فيها على الدوام.وكانت سمفونيات ستسمع وتكتب وتقرأ.

بين الكهوف الحالمة بالنور وأذرع الانهر الهادرة تفجرت لغة صوت النَفَس عن لغة صوت النفس ! وكان الفيصل بين المخلوق والخلّاق. نهضة بشرية ولدت متوجة بشعلة الكلمة الشاعرة المفكرة ، ومعها كان اطلاق يد العقل نحو الخيال العلمي البكر ، ويد العاطفة نحو رواياتها المحسوسة. وانتهى زمن عشوائية التعبير لتبعث حضارات شرّعت الأبواب لأجتهادات فكرية وفلسفية ، وفتحت أبواب السماء على الرسالات السماوية.

بالكلمة تشرف الإنسان بإدراك عظمة الخالق وتأهل لترجمة عمليات الخلق. هذه دردشه لا تنتهي بالسؤال : هل ما يزال جسمنا للثرثرة لبيس ؟ هيا نثرثر.. فنجيب.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين