سميح القاسم ومحطات من الرقابة الإسرائيلية | آدام راز

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

"كان واضحًا للجميع وقتها، وفي أيامنا هذه، أن استعمال الأوامر الإدارية تشير إلى خوف السلطة من إجراءات قضائية علنية –تستبدل تلك التي تدار في العتمة- والتي لا يتمكن خلالها مندوبو الأجهزة الأمنية من إثبات خطورة وإجرام فلان أو علان (الفلسطيني طبعًا)

في نيسان/أبريل 1969 اعتقل الشاعر سميح القاسم، بعد نشره مجموعته الشعرية الجديدة، الخامسة تحديدًا، "ويكون أن يأتي طائر الرعد"، دون موافقة الرقابة. في تلك الفترة خصص مكتب الرقابة اهتمامًا خاصًا للنشرات الأدبية المختلفة للقومية العربية التي ظهرت في أدب وشعر الفلسطينيين مواطني دولة إسرائيل. دفع سميح القاسم كفالة وتمّ إطلاق سراحه من المعتقل. الشاعر ابن الـ 30 من عمره، من سكان قرية الرامة في الجليل، نجح بتسطير اسمه بين قارئي العربية في البلاد، منذ نشره في الـ 18 من عمره كتاب شعره الأول "مواكب الشمس". في فترة اعتقاله، شغل الشاعر منصب محرر مجلة الجديد، بالإضافة إلى عمله في صحيفة "الاتحاد". من المهم ذكره، أنه عمل خلال بضعة أشهر –بعد فصله من سلك التدريس عام 1965 – محررًا للنشرة العربية لـ "هذا العالم"، قبل ظهور الخلاف بينه وبين أوري أفنري، والذي أدى في النهاية إلى إنهاء عمله.

آمن سميح القاسم أن السلطة عملت ضده بسبب المحتوى القومي والنقدي لأشعاره وشدد أنه "في أشعاره يهوى اللاجئين العرب ويؤكد أن لهم الحق بالعودة إلى وطنهم، لكن قبل تولي السلطة في إسرائيل لن يتم احقاق هذا الحق". في كانون الثاني 1970، بعد نصف عام على اعتقاله، تم تقديم لائحة اتهام ضده في المحكمة المركزية في حيفا. وتدعي اللائحة، أن سميح القاسم، على الرغم من تقديمه في شباط 1969 مجموعته لمكتب الرقابة، قرر نشر أشعار منع نشرها بأكملها أو قسم منها من قبل المنظومة الأمنية. في لائحة الاتهام تم الإشارة إلى أشعار طبعت في كتاب شعره ولم يتم عرضها على النقابة منذ البداية. وحسب المراقب، الموكّل بالحفاظ على أمن قاطني البلاد، النشر من الممكن أن يقود إلى المس بأمن الدولة، أو بسلامة الجمهور.

لا، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تقرر فيها مؤسسات الدول التنكيل بالقاسم الذي عرف بمعارضته لتجنيد الدروز للجيش. في كانون الثاني من العام 1968 قيّد رئيس لواء الشمال دافيد العزر تحركات الشاعر الشاب وقم بإصدار أمر بنفيه إلى حيفا ومنعه من العودة إلى قريته الرامة، بل وألزمه بالمثول مرتين في اليوم في محطة الشرطة في المدينة، ومنعه من مغادرة منزله بعد الساعة الخامسة مساءً. القاسم لم يكن المواطن الفلسطيني الوحيد الذي فرضت عليه التقييدات الصارمة. على الرغم من إلغاء الحكم العسكري في كانون الأول من العام 1966، في الأشهر الأولى التي تلت حرب الأيام الستة فرضت الدولة عشرات أوامر الابعاد على المواطنين الفلسطينيين الذين كانوا أعضاء في الحزب الشيوعي "راكاح" والتي عرفتهم الدولة بالـ "قوميين العرب". القاسم لم يكن الأديب الوحيد الذي اعتقل في تلك الأيام، فالكاتب فوزي الأسمر، صاحب الكتاب "أن تكون عربيًا في إسرائيل" (1975)، اعتقلته السلطات في أيلول 1969 بشبهة التواصل مع منظمات عدائية.

قرار تقديم لائحة اتهام ضد سميح القاسم لم يمر دون رد الشاعر، والصحفي موشي دور نشر في تشرين الثاني 1969 حول لقاء في "هتسافتا" والذي شارك به الشاعر العربي الذي خرج ضد ظلم الدولة. كتب دور مقتبسًا مصادر "رسمية" بعض الشيء إن القاسم "درزي ينكر مكانتهم الانعزالية للدروز كأمة واحدة، لأنه ابن الحزب الشيوعي، ولأن نشاطاته تشكل خطرًا أمنيًا على دولة إسرائيل". القاسم من جهته، اعترف أنه فعلاً ابن الحزب الشيوعي الذي يرى بالدروز جزءًا من الأمة العربية، لكنه ادعى انه لا يوجد بأعماله أي خرق لقوانين الدولة. القاسم تعجب "لماذا لا يتم عرضه أمام القضاء بدلاً من المضايقات الإدارية؟ على العكس، فليعرضه أمام قاضٍ، وفي حال إدانته هو مستعد لقضاء عقوبته حتى النهاية، لكن في حال براءته – فليرفعوا أيديهم عنه ويتركوه بحال سبيله ليعيش حياته كأي شخص عادي". كان واضحًا للجميع حينها، وفي أيامنا هذه، أن استعمال الأوامر الإدارية تشير إلى خوف السلطة من إجراءات قضائية علنية –وليس تلك التي تدار في العتمة- والتي لا يتمكن خلالها مندوبو الأجهزة الأمنية من إثبات خطورة وإجرام فلان أو علان (الفلسطيني طبعًا).

لجنة الأدباء العبريين نظمت في الثالث من كانون الثاني من العام 1970 لقاءً مع "مجموعة أدباء عرب إسرائيليين" من أجل أن "نصغي الواحد لأقوال الآخر"، حسب تعبير عضو إدارة اللجنة حانوخ برطوف، والرد على قضية الرقابة على الشعر والأدب العربي.

كان ذلك اللقاء الأول للجنة الأدباء مع أدباء فلسطينيين مواطني الدولة، ومن قراءة محضر الجلسة يتضح حجم الفضائح وانعدام فهم الأدباء اليهود لواقع العرب الذين شاركوا في الجلسة. القاسم قال إنه بينما لا يوجد شك أن وثيقة الاستقلال، التي تفاخر بها الحضور، تتحدث عن حقوق كاملة ومتساوية لكلا الشعبين في البلاد، الا أن الأمر لا يتحقق على أرض الواقع، ومن ضمن هذا الواقع، الأراضي تصادر وتطبق سياسة تمييز في المجال الاقتصادي. بالإضافة إلى سميح القاسم، شارك الأدباء محمود درويش وسالم جبران في الجلسة، والذين تواجدوا في حيفا بفعل أمر الابعاد بتهم مختلفة وغريبة لكم "في كافة الحالات لم يعرض أي منهم أمام المحكمة. وتم استعمال الأوامر الإدارية دائمًا".

وأشار القاسم إلى أن الأوامر كانت إدارية واستغلت من قبل السلطات ضد "الخصوم السياسية". عند عقد الجلسة، كان قد مرّ خمسة أشهر على منعه من العودة إلى قريته الرامة.

درويش، في نهاية العقد الثاني من عمره آنذاك، شكر المشاركين: "أخيرًا شعر زملاؤنا من الأدباء العبريين بوجود حاجة معينة للإصغاء لمشاكل، وطموح وأحلام الأديب العربي الذي يعيش بالقرب من الأديب العبري"، لكنه انتقد الموقف (الاستعلائي) لعدد من المشتركين اليهود الذين طالبوا العرب بالإعلان عن "إيمانهم" وحول الشكل التي تظهر بها "اسرائيليتهم". فعليًا، أوضح القاسم، درويش وآخرون في بداية اقوالهم في الجلسة أن "الكتاب والشعراء العرب الجالسين هنا، اعترفوا بشكل كامل (لم يجبرهم أحد) بوجود حق للشعب اليهودي لتقرير مصيره في هذا الوطن المشترك". واضح أن أقوال درويش حول احساسه بالسجن والاضطهاد داخل البلاد لم تلق تعاطفًا جديًا عند زملائه اليهود. أنا أكتب حول مشكلة شعبي" فسّر للشعراء العبريين الذي انتقدوا (على الرغم أن معظمهم لم يتقنوا العربية) الشعر والأدب الفلسطيني في إسرائيل بادعاء كونها قومية بمعظمها ومليئة بالعنف.

سميح القاسم أكد أن الحكم العسكري – الذي شغل حيزًا في كتاباته- لم يتم الغاؤه فعلاً في العام 1966، لكنه "تم تغييره فقط، وبدلاً من رجل في زي عسكري ألتقي اليوم بهذا الرجل في زي مدني".

ومثله مثل درويش، عرض الشاعر سالم جبران الفجوة بين التصريحات والأفعال. حسب أقواله، ممارسات الدولة عبارة عن "مأساة" الشعب العربي في دولة إسرائيل. "في بلدتي ظهرت في أحد الأيام الشرطة وأخذت مجموعة من أصحاب أرض. في اليوم ذاته، جاء مندوبو دائرة أراضي إسرائيل –بالنسبة للعرب جميعهم نفس الجهاز، الحكومة، دائرة الأراضي والشاباك، جميعهم متعاونون – وقرروا سرقة أراضينا. كنت طفلاً، اعتقدت أن ذلك يجري فقط في البقيعة، وعندما بدأت أكبر في العمر، رأيت أن هذه حملة عامة، محسوبة، لسرقة أراضي العرب... ها هو عدم المساواة في البلاد". وكم هي سخيفة ملاحظة الأديب أرييه ليفشيتس (رجل كتيبة العمل والهجرة الثالثة) حول "ان الأدباء العرب، جميعهم شباب وليس لديهم أي شيء لدعم استنتاجاتهم بها والاعتماد عليها. حسب رأيي لا يوجد لديهم بعد للأشياء التي يتحدثون عنها".

قراءة محضر الجلسة تظهر أن النقاش دار في مستويات مختلفة وأن اللهجة لم تكن واحدة. كاييم جوري، الذي عانى من ممارسات الرقابة عند مصادرة كتابه "حتى طلوع الفجر" فور إصداره في تموز 1950، لم يظهر تعاطفًا كبيرًا لحادثة سميح القاسم. هو قال إنه يجب فحص أسباب اعتقاله وإبعاده لحيفا لكنه أشار أنهم ربما "يلاحقونه" بسبب معارضته لتجنيد الدروز للجيش وشدد أنه "يجب علينا معرفة إذا كان هذا سببًا كافيًا لاعتقاله وسلبه حريّته". وأثار اهتمام جوري أكثر العنصر والمضمون الوطني في الأدب الفلسطيني في إسرائيل ومن يتحمل المسؤولية الأساسية والأولى في الصراع.

من ناحية المشاركين العرب، تهدف الجلسة إلى تجنيد الأدباء العبريين للنضال ضد القمع الذي تمارسه الدولة ضدهم. لكن، واضح أن قسمًا من الناطقين اليهود كانوا مشغولين في الأساس بتوزيع العلامات. "نحن نشطنا من أجل الاعتراف في الحق اليهودي" قال القاسم، "وماذا يفعل الأدباء اليهود من أجل الاعتراف بالأدباء العرب وبحقوق العرب الموجودين في دولة إسرائيل؟". القاسم أكد أن الحكم العسكري – الذي شغل حيزًا في كتاباته- لم يلغ فعلاً في العام 1966، لكن "تم تغييره فقط، وبدلاً من رجل في زي عسكري التقي اليوم به في زي مدني".

الشاعر طه محمد علي، ابن قرية صفورية في الجليل الأسفل، التي هرب سكانها وطردوا وقت الحرب الكبرى، شرح للحاضرين اليهود الخوف الذي يسيطر على قلوب الشعراء والأدباء الفلسطينيين في إسرائيل "قبل أن أعرف نفسي كأديب، أريد أن أقدم نفسي كلاجئ، أرى أرضي مقابل عيني وقريتي مهدمة أمام ناظري ولا أستطيع الوصول إليها. أنا أعلم، أنه إذا وصلت أقوالي هذه للسلطات أو لوزارة التعليم التي أعمل فيها، سيتم استدعائي في اليوم التالي وتهديدي بطردي من عملي". وعرض طه على الحضور أن "كل قصة قصيرة أكتبها تؤدي إلى استدعائي للتوضيح ويلمحوا لي حول فصلي من العمل وبأوامر إبعاد". ومثله مثل زملائه العرب في النقاش، ناشد نقابة الأدباء العبريين بمطالبتها السلطات "إلغاء كافة وسائل القمع" التي تمارسها ضد الأدباء العرب".

ليست واضحة مساهمة الجلسة بتقريب القلوب بين الأدباء والشعراء من كلا الشعبين، نقابة الأدباء أرسلت في شباط 1970 رسالة لرئيسة الحكومة جولدا مئير تطالبها بوقف الرقابة على الأدب والشعر العربي، "نحن نرى من واجبنا الوقوف على الفرق الجوهري بين الأفعال والأقوال، بين المعلومة وبين الرأي، بين المادة التي تنشغل بشكل مباشر بنقل المعلومات، في التحريض على الاحتجاج والتحريض وبين الإنتاج الأدبي" كتب هناك. تطرق مندوبو النقابة في رسالتهم لموضوع الرقابة على "الشعراء العرب الإسرائيليين" وخاصة محاكمة سميح القاسم. "هذه الطريق لا تلائم دولة إسرائيل" أكدوا. تفحصت جولدا مئير طلب النقابة وطالبت دراسة الموضوع. شموئيل توليدانو، مستشارها لشؤون العرب أوضح في إجابته أن "المراقب يلغي كتبًا وأشعارًا، بكاملها أو قسم منها، التي تحوي، حسب رأيه، على تحريض أو مس في أمن الدولة". حسب أقواله، محاكمة سميح القاسم بسبب عدم تقديم جميع أشعاره كما هو مطلوب.

طلب تقديم المناشير للرقابة كانت مرتكزة على أنظمة وقوانين الطوارئ التي وضعت في فترة الانتداب البريطاني التي حاربتها التجمعات اليهودية بكل قوة. من المهم التشديد أن الشعراء اليهود لم يقدموا للرقابة مناشيرهم وأن القانون لا يميز بين هويتهم العرقية أو الدينيّة لمواطني الدولة. هنا لن نناقش تطور المنظومة الاجتماعية والسياسية (وبصلاحيته القانونية المشكوك بأمرها) الذي فرض على الشعراء العرب عرض أعمالهم الأدبية للرقابة. واضح أن الموضوع أثار غولدا مئير وطالبت بصياغة موقف حول موضوع الرقابة على الأدب العربي.

تم عقد جلستين هامتين في الأسابيع التالية في أعقاب القضية. الأول عند وزير الشرطة شلومو هلل، خاصة بموضوع محاكمة سميح القاسم، والجلسة الثانية في "اللجنة المركزية للأمن"، التي يحضرها مندوبو الجيش، الشاباك، الشرطة والمستشار لشؤون العرب، "حول كل موضوع الرقابة على الشعر والأدب العربي". في الجلسة مع وزير الشرطة اتفق على توجه نقابة الأدباء للمستشار القضائي للحكومة، مئير شمغار، وتطالب بإلغاء محاكمة القاسم – وأن المستشار سيردّ بالإيجاب على التوجه. في النقاش "اتفق أن حالة سميح القاسم ليست الحالة المرغوب بها من أجل التعامل مع الجهات على أنواعها، يشمل اليهود، المعارضين لقضية الرقابة". الشاباك، الذي لم يشارك في النقاش، أسف على القرار بإلغاء المحاكمة لان الشاعر هو "واحد من أدوات التعبير عن التعصب القومي" العربي في إسرائيل. نقابة الأدباء لعبت اللعبة، أرسلت مكتوبًا لشمغار شددت أن الرقابة على كتابات الشعراء العرب "تخدم، كما تعلم، سببًا للتشهير في خارج البلاد". محاكمة القاسم ألغيت.

في جلسة "اللجنة المركزية للأمن" في شباط 1970 عرض مندوبو الأجهزة الأمنية المختلفة موقفهم من موضوع الرقابة على الأدب العربي. مندوب الشاباك، أبراهم أحيطوف، الذي تم تعيينه بعد عامين رئيسًا للجهاز، قال إنه "يعارض إلغاء الرقابة وذلك بسبب الوضع الأمني الذي نتواجد به". هكذا أيضًا ادعى مندوب الشرطة في الجلسة. بينما اعترف المستشار توليدانو بذلك أنه لا يوجد "أي فائدة من الرقابة لأن عرب إسرائيل يتغذون من التحريض بكميات ضخمة" لكن "على الرغم مما قيل أعلاه" هو يعارض إلغاءها "لأنه لا يمكن السماح لمواطن إسرائيلي بالتحريض على الدولة والجيش. سيجلب ذلك تأثيرًا سلبيًا على عرب إسرائيل الذين سيرون بذلك رخيًا للجام في الوسط العربي". حسب المستشار، الرقابة لم توجد للدفاع عن أمن الدولة، انما كانت وسيلة "لتأديب" المواطنين العرب. بالذات مندوب الجيش في الجلسة، شلومو غازيت، حمل الموقف الأكثر ليبراليًا واعتقد ان هناك حاجة لفرض رقابة "عسكرية نقية". خلال وظيفته كمنسق النشاطات في الأراضي المحتلة في تلك الأيام لم يدعي كذلك.

في نيسان 1970 كتبت غولدا مئير لوزير القضاء يعقوب شمشون شفيرا أنه "وجدت أن المشكلة معقدة، وأن السلطات المختلفة، مثل الجيش، الشاباك، الشرطة وغيرها، يختلفون بمواقفهم في هذا الموضوع". وطالب منه دراسة الموضوع وصياغة موقف. لا يوجد توثيق آخر لهذه القضية في أرشيف الدولة، والتوثيق الذي يعتمد عليه هذا المقال للجمهور في أرشيف الدولة كما كان في الماضي.

ليس واضحًا متى توقفت الرقابة كليًا على الأدب والشعر العربي الذي كتبه الفلسطينيون مواطنو دولة إسرائيل. في الرقابة لم يمنحوا إجابة جيدة على ذلك. في كل مكان، يبدو أنه في نهاية سنوات الـ70 المتأخرة وبداية سنوات الـ 80، الرقابة لم تنشغل بذلك، وانشغلت في ذلك الوقت بالكتب الصادرة في المناطق المحتلة. هكذا يمكن الفهم من ملف عنوانه "فرض رقابة على الكتب في يهودا، السامرة وغزة"، كتبه المسؤول عن الدعاية والتفسير في المناطق المحتلة في أيار 1984. الادعاءات ذاتها التي عرضت ضد سميح القاسم ودرويش عادت على نفسها. "المسؤول عن الرقابة يوصي بعدم الموافقة على استيراد كتب معينة ونشرها إذا كانت تمس حسب رأيه في أمن إسرائيل، بسلامة الجمهور أو بالنظام العام". مثلاً، احدى الكتب التي حظرتها الرقابة كان كتاب يغائيل ألون، الذي كان وزير التعليم في فترة اعتقال سميح القاسم وسبب حظر الكتاب كانت "المقدمة التحريضية" التي ارفقت للكتاب من قبل المسؤول عن الطباعة.

ونترك للقارئ وحده، الحكم على الخطر على أمن إسرائيل الموجود في تلك المقدمة "الكتاب أفضل من كل الكتب والتحليلات التي نكتبها حول عربدة الحركة الصهيونيّة وعمليات القمع وانتشارها وخططها لإخضاع الأمة العربية... حكاية الامبريالية الصهيونية في فلسطين لا تختلف عن حكاية الجيش الصهيوني ونحن ملزمون بفهم وتحليل انتصارات الأخير لتحويله من منتصر إلى مهزوم".

في الجلسة التي عقدت في معهد ترومان في كانون الأول 1988، الذي تحول إلى اسم عالمي وبعد أن نشر ثلاثين مجموعة شعرية، قال سميح القاسم: "يتم ترجمتي في كل العالم، وفي إسرائيل، للأسف الشديد، الأقل إطلاقًا. هذا عقاب للقارئ الإسرائيلي، الذي يتم منعه من التعرف على جاره، وأن يحظى بالتوازن من ناحية المعلومات. هكذا يصنع الواقع، الذي يكون حسبه كل عربي إرهابي ولكل يهودي يوجد دبابة". للقارئ العبري لا يوجد إمكانيات كثيرة لمعرفة الشاعر الكبير، ولذلك يجب شكر عيدان برير وساسون سومخ الراحل على تجميع وترجمة المجموعة الشعرية. الكتاب "وجه الحرية" تم نشره في السنة السابقة.

حانوخ برطوف، عضو إدارة نقابة الأدباء وقت النقاش المذكور أعلاه، تحدث بتأثر كبير في اللقاء. هذا اللقاء حسب قوله، كان بداية حوار وليس تلخيصًا لموضوع (على فكرة، لم يكن كذلك). حسب أقواله، "من الصعب تخيل وضع أصعب من هذا الوضع الذي نتواجد به اليوم". ولخّص اللقاء بهذه الكلمات "اسمح لنفسي بالمخاطرة لنبوءة غبية – بعد سنين طويلة سيتطرقون لهذا اللقاء وستذكر في تاريخ هذا البيت وفي تاريخ العلاقات بين الأدباء العبريين والأدباء العرب". فعلاً بنبوءة غبية. لكن أكثر من كونها غبية، هي شيء مؤسف. الرقابة على الأدب العربي كانت مجرد جزء بسيط من الرقابة السياسية على المواطنين الفلسطينيين. لذلك بالإمكان الإضافة الملاحقة المستمرة لموظفي التعليم العرب، الأدب الذي قرأوه وبرامج الراديو التي أصغوا إليها، والموسيقى التي شغلت في دكاكينهم (كانت هناك فترات فيها الاستماع إلى موسيقى داعمة لعبد الناصر يمكن ان يرسل سامعها للسجن) وغيرها.

بعد أشهر من اعتقال سميح القاسم لـ"المرحاب" هذه الأقوال: "هناك خوف يجثم على قلبي... أخاف من ظل بابي يائير... يجب إبعاده من العرب واليهود سوية"، هذه الأقوال أثارت عاصفة والقاسم فسّر أقواله أنه لا يعتقد ان النزاع بين الشعبين اللذين يتقاسمان البلاد يذكر بالوادي في أوكرانيا الذي قتل فيه النازيون أكثر من مئة ألف شخص. القاسم تطرق لإسقاطات المجزرة، لحكم الخوف الذي يسيطر ويقمع قدرة الفهم والتضامن مع ألم شعب آخر- وهذا لا يزال موجودًا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين