هذه هي المقولة التي يجبُ أن تترددَ على لساننا عندما يقعُ واحدُنا في مُصيبةٍ أو في وضعٍ نفسيٍّ يجلبُ عليهِ الهم والاكتئاب، فالحياةُ هذهِ الأيام أصبحت معقدةً ولا نجدُ بيتًا يخلو من هُمومها المتنوعة، من مرضٍ وموتٍ وفُراقٍ ومشاكل اقتصاديةٍ وماديةٍ، ومشاكل عاطفيةٍ... والقائمةُ طويلةٌ.
لقد صدق هذا القول الذي يجب أن يتردد على ألسنة الناس وصدقت أقوال أخرى مثل "كل غيمة وستزول" و"ما بعد الشدّةِ إلا الفرج" و"كل حال يزول". فحين يسأل الواحد منّا الآخر كيفَ حالُكَ؟ يجيبه الحمدلله الذي لا يُحمدُ على مكروهٍ سواه، اعتقادًا منه وايمانًا بالآيةِ الكريمةِ "قُل لن يُصيبكم إلا ما كتبَ الله لكم". هذا الرّد بحد ذاته يُخفّف من وَقع المصيبة التي تحيط الإنسان، خاصّة مصيبة "الموت"، عندما يفقد الانسان عزيزًا لهُ. انا أومن بالمقولةِ التي وضعتُها عنوانًا لهذا المقال وقرّرتُ ان أكتُبَ في هذا الموضوع بعد أن سمعتُ هذا الأسبوع من قريبة لي تقول عندما سمعتني أتحدثُ عن بعض المشاكل الشخصية: "كل حال يزول" وقد هدفت بذلك التخفيف عنّي. وذلك لأن الإنسان عندما يقول ذلك فإنهُ يواسي نفسهُ بهذه المقولة، خاصةً عندما تقعُ له أو أمامهُ حالاتٌ كالتي ذكرتُها أعلاه.
ففي هذا القول طمأنةٌ نفسيةٌ للإنسان وإيمانٌ عنده أن لا حالة تدوم ولا شيء يبقى ملازمًا لهُ طول العُمر، لأن صفة النسيان عند الانسان جميلةٌ وهبها الله للناس وكُل أمرٍ سيءٍ يحلُّ بالإنسان يزولُ وتخفُّ وطأتهُ مع الزمن. أضف إلى ذلك وجوب التحلي بالتفاؤل دائمًا.
على الإنسان ينظر "الى نصف الكأس الملآن" بدلًا من النظر إلى نصفهِ الآخر الفارغ، فمن خلال إجابتهِ على سؤالٍ يتّصل بالكأس المليء بالماء حتى نصفه، يمكنك أن تعرفَ من هو هذا الانسان وما هي نظرته للحياة. فإذا أجابَ بأن نصف كأس الماء مليء فهذا يعني أن نظرته للحياة فيها تفاؤل واستبشار-والعكس صحيح-فالإجابة على سؤال حول نصف الكأس بأنه فارغ يدل على ان هذا الانسان ذو نظرةٍ متشائمةٍ في الحياة. وبهذا الصدد قال الشاعر أحمد شوقي أمير الشعراء مقولة حكيمة هي: "خلِّ اهتمامك ناحية – وخُذ الحياة كما هيه"، لأنّ هنالك أمورٌ يصادفها الإنسان ليس باستطاعته تغييرها وإنّما عليه أن يتقبّلها كما هي. إن هذه النظريّة تدخل في موضوع التعددية بين الناس والشّعوب وأنهم مختلفون في طباعهم وعاداتهم وتقاليدهم ودينهم، وعلينا تَقبّل الآخر المختلف، إنّ هذه النظرة ضرورية لراحة الإنسان النفسيّة، وهي اختبارٌ لشخصيتهِ، إذا كان متفائلا يرى الشيء الإيجابي أو متشائمًا لا يرى إلّا الأشياء الناقصة؛ انسانٌ كهذا يكونُ دائمًا مهمومًا وأفكارهُ سوداوية تجلب له الهم والحزن وهذا سلاحٌ يضر بقائلهِ.
حياةُ الانسان.. كل إنسان قصيرة، وعليه أن يحبها ولا يقضي أيامه بالتشاؤم والنواح والبكاء والعويل والشكوى، وكما قال الشاعر إيليا ابو ماضي:
أيُّهذا الشاكي وما بِكَ داءٌ كن جميلا ترَ الوجود جميلا
والحياة كما عبّرت عن ذلك في إحدى قصائدي مليئة بالتناقضات، فيها مدٌّ وجزر وفيها الحظُ يجيءُ ويذهب، وفيها يبدو الوردُ شائكًا وأريجًا ذو رائحةٍ طيبة في نفس الوقت، والناسُ نوعانِ: واقعٌ وسراب لذلك فأنّ:
لذّة العيش في التناقض فاقبَل فيهِ يومًا يُسِرُّ ويومًا عذابا
على الإنسان أن يتقبّل السوء الذي يحصل له ويردد القول "كلّ حالٍ يزول" وكذلك القول "ما بعد الشدّةِ إلا الفرج" وكذلك القول "كلُّ شدّةٍ إلى زوال" فهذا السلوك الكلامي يريح النفس، ويُفرّج على الانسان ويفرح قلبهُ، بدلًا من أن يبقى منغمسًا ومنغرسًا في الهمّ، وبدلًا من أن تكون نظرتهُ للحياة تشاؤميّة وسوداويّة. إنّ الشفاءُ ممّا يلاقي الانسان حاصلٌ اذا اتّبعَ سلوكًا مثل هذا بدلًا من أن يزيد الامور تعقيدًا.



.png)

.png)






.png)

