عادل أبو الهيجاء.. مذكرات شخصية، ذاكرة جماعية | فيصل طه

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

"آمل أن تكون مذكراتي الفردية، ذاكرة جماعية لهم (لشعبه وللأجيال الشابة)، لمواصلة طريق الكفاح لتحقيق السلام العادل والمساواة القومية والمدنية والديمقراطية" بهذا الإهداء الانساني الوطني يفتتح أبو سلام، عادل ابو الهيجاء كتابه، سيرة حياته، مسيرة شعبه.  ذاكرة طافحة، اختلطت تفاصيلها وارتوت بما شهده طفلاً من "روايات والدي واخوتي الكبار حين كبرت"، ذاكرة تتمشى بها المأساة الفلسطينية بطيئة مثقلة بأنينها، آهاتها، بدقائق لَوْعتها الحارقة، تتلوى المأساة ألمًا على شريط الذاكرة، تلتفت الأبصار دامعة إلى أمسها العامر، كعيون الأُم التي "تمسح دموعها بطرف ردائها"،  والأهل "صامتون، واجمون، حزانى"... تعود الأجسام المتهالكة وتتحسس طريق آلامها، وجعها، هواجسها المبعثرة، تقف مرتبكة تتزاحم مخيلتها الأفكار الهائجة، وتزحف مُجهدة نحو المجهول، تبتعد قسرًا عن جذورها، تهيم ظُلما في فضاء مبهم  يلامس بدايات رحيلها المؤقت!!  ترحيلها الممتد، آملة بعودة سريعة للدار.

طفل لم يتجاوز عمره التاسعة، يرى ويشاهد رحيلاً لم يستوعبه، ظنَّه رحلة جميلة قصيرة، يتجلى بها فرحًا لاعتلائه السّيارة لأوّل مرّة، ولسفره خارج قريته الحدثة "الأرض لم تسعني فرحًا حين شاهدت سيارة الشحن تقف بالقرب من بيتنا في الحدثة.. غمرتني الفرحة يومها، لأنه كانت تلك هي المرّة الأولى التي أشاهد فيها السيارة والمرّة الأولى التي سأسافر فيها..."، صورة مأساوية لمشهد يتداخل به الفرح الطفولي بحزن الكبار، ويتكامل المشهد الصارخ عندما يُحَمَّل كل ما يحتويه بيت الفلاح الفلسطيني إلى السيارة، "فرشات وحرامات وطحين ولبنة وزيت وزيتون وجبنة وعدس وبرغل وزعتر".. ذاكرة تهجيرية  يحملها عادل أبو الهيجاء منذ طفولته المبتورة إلى كهولته الصامدة، ذاكرة رافقها نداء والده محمود إلى والدته خديجة "بأن لا تنسى أخذ القهوة وأباريقها وغلاياتها وفناجينها.."، ليعود الوالد ويردّد طلبه هذا من الوالدة في الهجرة الثانية من قرية كوكب أبو الهيجاء كلازمة متكرّرة  لمسار درب آلام اللجوء، يفترش أفراد عائلة عادل وعائلة عمّه أحمد عربة الرحيل الثانية، ويحشرون أنفسهم بها كبارًا وصغارًا، نساء ورجالاً "افترشنا عربة الشحن  متلاصقين بالأثاث وأكياس المأكولات وأواني الطبخ"، ذاكرة خصبة لعملية تقليع الناس من أرضها، وطنها، أصولها.. ذاكرة ترتسم في ثناياها المجروحة صورة داكنة لمشاهد الهجيج التي بقيت وستبقى راسخة في أذهان الصغار عصيِّة النسيان والغفران. 

جال ابو سلام ألمًا بين مفردات المرحلة، هجرة، هجيج، هغناة، لجوء، حرب، يهود، عرب، انجليز، جيش انقاذ، دول عربية، ماكو أوامر، وغيرها..   يشهد الطفل عادل ويلمس حرقة المأساة حين يرى ولأول مرة والده دامعًا ينظر إلى قبر والده، جد عادل، وينادي بصوت مخنوق "ما تقلقش يابا، احنا راجعينلك"، وبهذا النداء الأبوي الدامع "يابا احنا راجعين" ينطلق عادل حاملًا حِسَّه الطفولي بفقدان المكان، إلى أعماق وجدانه ووعيه ليشق دربه حاملاً الرسالة، الأمل، الوعد.. الوعد بالعودة.

سيرة عادل أبو الهيجاء هي حكاية شعب، الشعب العربي الفلسطيني، سيرة اللجوء والتهجير، سيرة الصمود والبقاء.. سيرة مرسومة بأسلوب سردي شفاف شيِّق، يحمل في جوهره الصدق والمصداقية، صدق القول والفعل، صدق العطاء والمشاعر، نيِّر الرؤية،  مرهف الحسّ الانساني، مُحبّ للناس، كلّ الناس، سامي التسامح، نابذ للتعصُّب بكلّ أشكاله، حادّ بمقاومة الظلم والقهر، مخلص في خدمة الناس، دائم العطاء، سيرته، سيرة مثقِّفة، حكاية عميقة الألم والأمل، سيرة مهجَّر فقد مهده الحدثة العريقة، "اسمها مشتق من عين حدة الكنعانية"،  فقد عادل البيت الكريم الدافئ، فقد ثراء العزَّة، فقد الأرض الواسعة، سُلِبَ الطفولة وألعاب الصبا، ولم يُسلَب عنفوانه، ولم يفقد ارادته الجبارة، وبعصاميته الرائدة شقَّ من العدم طريقه، طوَّع الصعاب، وداس الفقر، وتحدَّى القهر، وحقَّق ذاته.     

سيرة ثرية واسعة، حافلة بالأحداث، المشاهد والروايات الشّاقة والمشوِّقة، تبرز بها المواقف الشجاعة.. سيرة،  توثيقية هادفة، أجاد الكاتب سميح غنادري كتابة نص وتحرير هذا الكتاب القيِّم، وأبدع في نقل مشاهد السيرة الذاتية، الجماعية الحيَّة وصورها الطبيعية، وتدوين أحداثها وأحوالها بحب ورغبة ذاتية بارزة، وذلك بأسلوب مَرِن، جذاب، انتهج به الصدق والأمانة اللافتة، نجح بمهارة، وليونة وإصرار تذليل عقبات هذا النوع من الكتابة، وخاض تجربة أدبية رائدة، رصد بها، سَجَّل ووثَّق بجدية، ودقَّة متناهية مضامين رحبة، ومشاهد متنوعة، متشعبة الأمكنة والأزمنة، وبمرافقة ومتابعة وديَّة، مسؤولة وملتزمة.

لرفيقنا أبي سلام الرحمة وطيب الذكرى ولأحبائه حفظ الوعد ومواصلة الدرب.. نحو العودة والسلام.. وداعًا.

صفورية- الناصرة

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين