أديب أبو رحمون، أبو خالد، لا أدري ماذا أقول، وقد كنت بالأمس اقلب بعض الحكايا عن بيسان، في زيارة لبيت رفاقنا عمر وبثينة أبو غانم، برفقة رفيقنا غسان أبو حاطوم لنهنئهم بزواج ابنتهم الغالية لما وزوجها محمد ابن الفريديس، الذي اكتشفت اثناء الحديث ان جذوره تمتد الى بيسان، وان جده محمد سرحان الذي لم التق به بعد، يقص تاريخ بيسان حبيبتك.
وأول ما خطر ببالي انت يا رفيقي العزيز، وصرت اتشوق للقائك قريبًا لأحدثك بهذه التفاصيل، وأقول لك إننا اثناء الحديث في بيت أبو محمد صرنا نتشوق لترتيب زيارة الى بيسان، لنستمع الى تفاصيل حياتها من هذا الشيخ الجليل، وصرت ارسم معالم مسيرتنا فيها وانت برفقتنا لتحدثنا عن قرب عن بلدك التي أحببت. كل هذا كان في مساء يوم الأربعاء، ذات المساء الذي رحلت فيه.
أبو خالد، ما زال شبّاك مطعم الصداقة، وان تغيرت احواله يحن الى لمسة ذراعك المتكئة على غباره الناعم، وانت تنظر الى عين العذراء وتنظر الى شموخ الراجلين على عتبة بيت الصداقة بنظرتك المميزة، وبشاشة وغمزات اقوالك المداعبة المازحة، وقرصاتك اللاذعة التي لا بد منها. ما زال الكرسي الخشبي الذي يحفظه أبو نضال لك يحن الى القعدات الطويلة الزخمة المفعمة بالسياسة والادب والتاريخ والذكريات.
وأنا انصت بحفاوة الشغف المتعطش للمزيد، لأني احببتك منذ لا اعرف متى. واذكر اسمك منذ لا اذكر الكلمات ولا الحروف. واردد اسمك ولا اعرف أنني لن استطيع اخبارك بما نويت عن ترتيب زيارة وجولة الى بيسان. وفي منتهى النهار كنت قد صادفت رفيقك أبو ربيع، صفوان فاهوم خارجًا من بيت عزاء أبو سليم استيتي في حي بئر الأمير، ولم اعرف ان المستشفى لن ينجح باستقبال انفاسك الزكية لتبقى تعبق في سماء الناصرة.
على درجات بيت الصداقة في الطريق الى القاعة الصغرى كانت تروى الحكايا، وتزخر الذكريات بنشوة العنفوان والنصر. كنت دائمًا هناك بين الشباب تصقل الهامات وتغني القناعات، وترفع المعنويات. بصلابة وبلا تردد، بحكمة وتجارب عتيقة لتجديد المجد والامجاد.
اذكر حديثك عن بيسان، وعن زيارتها برفقة والديك في الخمسينات، والحزن الذي نقلته بعد اكثر من 60 عامًا، والمشهد الدرامي لوالدتك ووالدك في ثنايا احيائها. اذكر أيام الهزة الأرضية في ثمانينيات القرن الماضي (1984)، وكنت حينها في بيت جدي وجدتي حسين وامينة أبو اسعد في الناصرة، انني سمعت اسمك يتداول عن الهزة، وتأثيرها على مبنى البلدية القديم في السرايا، وانك كنت على درجات البلدية حين وقوع الهزة.
أذكر يومياتك، التي اتحفتني بالعديد من تفاصيلها القديمة والعتيقة، وانك كنت تدوّن يوميًا احداث ما يجري وما يدور في البلد وفي المنطقة. أذكر معرض الصور في ذكرى انتصار جبهة الناصرة، وما اتحفت رواده بتفاصيل الذكريات القديمة.
***
ماذا اذكر يا أبا خالد، وقد تركت الأيام من ورائك جائحة، والتفاصيل مارقة، وكأن العهد سبقك الى اللحد، فعذرًا لحقبة انت من روادها، وما هكذا الحال. سقطت المجاديف وأصبحنا في مهب الريح الوادعة، ننظر الى النجوم وقد هوى نجم آخر، والريح تصيح ولا احد يسمعها. ثار الغبار وما هو ببركان، لكننا نأبى الذوبان ولو كان بركان لاتقدنا لنحرقه وسنغلبه مهما كان.
سنبقى أوفياء لطريقك وعهدك يا رفيق، وستبقى ادراج وعتبات بيت الصداقة تتذكر خطواتك، وسيبقى شباكك المطل على العين عينًا ساهرة على آمال شعبنا، والوفاء لمسيرة اتحفها النضال وما من خيار امامانا الا لنجدد العهد وفاء لروحك.
سأبقى أتذكرك كلما مررت ببيسان، او ذكرتها، او طاف في وجداني عبق من حكاياك، وشغفات حب الشبيبة الشيوعية لك في عتبات بيت الصداقة تتعالى من انفاس الجدران. سأتذكرك يا أبا خالد كلما مررت من هناك.
كأنها خطاك.. تسير أمامك.. من خلف الأيام الماضية
مجبولةٌ بقصاصات التاريخ.. وصور الأزمنة المتراكمة
وحكايا تجول.. في ليل يطول..
وسماء تترك نجومها تهوي الى الأفول..
الى ما بعد الحياة.. حيث تلتقي الذكريات..
وتتلاقى الهامات.. في مجد يبعث الامجاد
الى الورد أيها الرفيق الأصيل.
*سكرتير جبهة يافة الناصرة



.png)

.png)






.png)
