استبشر العالم خيرًا بالاحتجاجات الشعبية التي تشهدها الولايات المتحدة على مدار أكثر من اسبوعين، بعد جريمة قتل الشرطي الامريكي بطريقة سادية للمواطن الامريكي من اصول افريقية، جورج فلويد، في مدينة مينابوليس، اذ رأى فيها ثورة على العنصرية المتجذرة في المجتمع الامريكي على مدار مئات السنين، وثورة على الفقر والبطالة واحتجاجا على الاستهانة بحياة الناس في ظل تفشي وباء الكورونا وحصد أرواح ما يزيد عن 110 آلاف مواطن في امريكا وحدها معظمهم من الفقراء من أصول أفريقية وغيرهم من مهاجرين. وتضامنا مع هذه الاحتجاجات انطلقت في معظم الدول الاوروبية مظاهرات مماثلة ضد العنصرية ودفاعا عن حقوق الإنسان. وهناك من علَّق امالًا كبيرة على هذه الاحتجاجات وما قد تسفر عنه من نتائج .
لكن حقيقة أننا نشهد اليوم بعض التراجع في هذه الاحتجاجات، رغم مصداقية شعاراتها ورغم انخراط فئات واسعة من السكان البيض فيها من الشيوعيين وأنصار المرشح الدمقراطي ساندرس، تعود اسبابه لعدد من العوامل الموضوعية وفي مقدمتها محاولة قيادة الحزب الديمقراطي استغلال تلك الاحتجاجات للهجوم على ترامب وتجاهلها شبه مطلق للشعارات التي يرفعها المحتجون وذلك بهدف واحد وحيد هو كسب الرئاسة في تشرين الثاني القادم!
اما العامل الثاني فهو غياب قيادة موحدة للاحتجاجات لمواجهة عنف الشرطة والحرس الوطني ضد المحتجين وكذلك منع اعمال التخريب والسطو والحريق التي رافقت الاحتجاجات السلمية. ففي 23 ولاية ، ضمنها ولاية العاصمة واشنطن، من اصل 50 ولاية امريكية قامت بتعبئة الحرس الوطني لاستخدامه في قمع الاحتجاجات التي تجتاح اكثر من 41 مدينة امريكية، ولم ينجح فرض منع التجوال فيها للحد من الاحتجاجات، التي امتدت لتصل الى البيت الابيض، مما اضطر ترامب الى اللجوء الى احد المخابئ. و ينتشر حاليا قرابة 17 الف من الحرس الوطني. فعنف السلطة لم يعد استثناءً، بل اصبح فعلًا يومِيًّا موثقًا بالصورة والصوت، ولم ينحصر في استهداف المتظاهرين، بل امتد ليشمل الصحفيين والمُدَوِّنيين . ومن المؤكد أن الديمقراطيين استغلوا أعمال الشغب وعنف السلطة لأهدافهم السياسية المحضة.
أما العامل الثالث فهو استمرار الاحتجاجات واتساعها وتصاعد أعمال التخريب من شأنه ان يفاقم النظرة العنصرية لهذه الاحتجاجات من جانب السكان البيض بحيث قد يؤدي ذلك الى مزيد من الدعم لترامب في الانتخابات المقبلة. ومثل هذا التحويل لا يريده الديمقراطيون أيضًا. ويبدو أن ترامب لجأ الى استراتيجية تغذي التعصب والهلع من أعمال الشغب في أوساط السكان البيض كما فعل الرئيس الاسبق نيكسون في عام 1969 في محاولته للاستفادة من الاحتجاجات وأعمال الشغب لأنه يعرف جيدًا أن انتفاضة السود في الولايات المتحدة تتبعها باستمرار ردة فعل عنيفة للبيض. ولهذا يشدد ترامب على "القانون والنظام" والتهديد بـ "السلطة الكاملة للجيش " !!
ولكن ليس واضحا ان تكيتك ترامب هذا، المبني على الرعب، سيحصد ثماره، لأن حقيقة احتجاجات اليوم تبدو مغايرة لـ "أعمال الشغب العرقية" في الستينيات. فالمحتجون البيض يسيرون اليوم بجموع غفيرة الى جانب المحتجين من أصول أفريقية. لا شك بأن ترامب هو من زاد من تأجيج التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة وحول العالم بأسره ، وذلك من خلال انحيازه للعنصريين والمتعصبين البيض الذين صوّتوا له في انتخابات الرئاسة، حتى أنَّ صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية وصفته بأنَّهُ "نرجسيٌّ وقاسٍ ولا يبالي بالعداء العنصري الذي يثيره في المجتمع الأمريكي".
اما على الصعيد العالمي فعمد ترامب الى زيادة تفاقم التناقضات في السياسة العالمية وخلق مناخًا محمومًا بدءًا بكوريا الديمقراطية وفرض العقوبات عليها ومن ثم التآمر على سيادة فنزويلا وفرض عقوبات عليها وبعدها الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات مجحفة على إيران والعمل على تصعيد التوتر الى اقصى الحدود في منطقة الخليج من خلال تكثيف الوجود العسكري هناك وإنشاء تحالف من دول العمالة في المنطقة معادٍ لإيران. كما لم يتورع ترامب عن تأجيج الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين من خلال طرحة لخطة "صفقة القرن" واعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الامريكية اليها وكذلك الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل وأيضًا من خلال حربه للقضاء على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الإونروا) بهدف الالتفاف على حق العودة.
وترامب ،الذي يدعي محاربة الإرهاب في سوريا، تعمل حكومته سرًا على تسليح داعش. يضاف الى ذلك أعلن ترامب الحرب التجارية على الصين وعلى أوروبا وكندا والمكسيك !! نعم هذه مغامرات خطيرة وغير مسبوقة في التاريخ الحديث. وينبغي على المدافعين الحقيقين عن الدمقراطية وحقوق الانسان والسلم العالمي، التصدي لهذه السياسة قبل فوات الأوان.
قد تخبو انتفاضة المحتجين الأمريكيين في أعقاب الأسابيع الطوال من التظاهر والاحتجاج وقد تنجح السلطة في إعادة فرض السيطرة وفي التملص من إدخال إصلاحات حقيقية. غير أن نتائج هذه الاحتجاجات ستعَمِّقُ الوعي بين الناس وتعزز أصراهم على تحقيق مطالبهم بالتغيير وقدرتهم على الفعل الجماعي المنظم دفاعًا عن كرامة الضعفاء والفقراء والمهمشين وتحقيقًا العدالة الاجتماعية وصون حقوق الإنسان ودفاعًا عن الحرية. وما يوظفه اليوم الشباب المحتجون ضد العنصرية وفي الولايات المتحدة وغيرها من المجتمعات الغربية ، ما هو الا دليل ساطع على قوة الشعوب في مواجهة أعتى الحكومات وتحقيق مطالب المحتجين ولانتزاع
بعض الحقوق والحريات.
وحقيقة اخرى يجب التنويه بِها هي ان الاحتجاجات وأعمال الشغب الحالية، أحد مظاهر أزمة جهازية تشهدها البلاد، وهي جزء من انقسام عميق في المجتمع، لن يكون من السهل تصحيحه. فالواقع المتأزم سيزيد من التراجع في مكانة الولايات المتحدة على المستوى الدولي . كما ان الأزمات المتلاحقة لهذا النظام، والتخبط في معالجتها، ستؤدي حتما الى تراجع مكانة امريكا اقتصاديا مما قد يحد من هيمنتها الاقتصادية والسياسية ويقربنا من نظام عالمي أكثر عدالة.



.png)

.png)






.png)
