فيصل حسن أيوب يعانق اميل حبيبي | د. حسين علي شعبان

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

"أمثالك ممن كنت أرتاح إلى سمو خلقهم كلما التقيتك في النبعة وجوارها البائس قبل ما سمي حرب السنتين، فكنت مثال الوفاء والصبر ومبشرًا بأن تزول الحدود بين بنت جبيل والجليل، فيصل "أيوب" إلى أرض العودة عبر بوابة حسن أو بوابة فاطمة ويحط عصا صبره الأسطوري في فلسطين وينام قرير العين" - حسن خليل حسن

 لم أجد كلمات أكثر صدقًا وأعمق تعبيرًا من هذه الكلمات التي خطها صفدي أصيل يسقي قراء الكتب نصوصًا تنقحها يمينه، فإذا بها مياه "بير عوبا" أو خرير جدول "الحنداج" صافية لا يشوبها لكن ولا يعتريها لحن ولا يقرب عذوبتها لغو. الجنوبي علي بيضون ابن شقرا والنبعة وبرج حمود كاتبني من الولايات المتحدة يعزيني ببعض مآثر أبي نضال، أبي وسام، فيصل حسن أيوب شيخ المناضلين العلمانيين الأمميين. 

من عقر جحورهم ومن فوق أبراج قصورهم وقد نشروا بفسادهم وباء يفتك بالبشر والحجر، نعم يا سادتي حتى جبال لبنان الشاهقات لم تنج من كسارات أباطرة الطوائف يحيلون الجبال رملا وبحصا لقلاعهم وحصونهم الطائفية والعنصرية، حتى الرمال الذهبية لمدينة صور لم تنج من فجورهم، وقد استباحوا مؤخرا مدخرات الفقراء في بنوك لبنان فحولوها الى حساباتهم الشخصية في بنوك سويسرا وملاذات التهرب الضريبي الآمنة في أبعد أصقاع المعمورة. يوم ركب الفاشي المجرم قاتل الأبرياء في بيوتهم وكنائسهم ثورة الجياع ليجعلها مطية للدب صاحب المنشار الرابض فوق صدر الفاروق عمر وصحبه حملة رسالة الرحمة والعدل، وقف أبو نضال شاهرا سيف أبي الحسن عليا وحجة أبي ذر الغفاري في وجه عصبة الظلام محتمية بحصاناتها "الدستورية".

وسط زعيق هذه الغوغاء التي يكفر فقراء لبنان بنعيقها يؤجج وجع وأنين اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات البؤس، قرر أبو نضال فيصل حسن أيوب أن يفتتح مقهى وملتقى اختار له ابو وسام اسم الملتقى "العلماني" وكأنى به كمال جنبلاط وجورج حاوي يجمعان وسط العاصمة بيروت شمل الوطنيين والقوميين واليساريين الأمميين تحت صورة تشي غيفارا و فيدل كاسترو. زمن رغم إعصاراته وانقلاباته عرف فيه الجميع فيصل شابا وكهلا وشيخا وحدويا يساريا يحمل هموم الفقراء متعددي القوميات: اللبناني، الكردي، الأرمني، الفلسطيني، السوري، المصري، السوداني حتى السيرلنكي والحبشي اجتمعوا بلا موعد ولا ميعاد فوق تلك البقعة الجغرافية الضيقة الملازمة لقلب مدينة بيروت الصناعية، رقعة جغرافية صغيرة تعددت اسماؤها: النبعة، برج حمود، المسلخ والكرنتينا.

فقراء شتت شملهم الغزاة أرباب الحروب، فتعانق الأرمني والفلسطيني والكردي وآخرون فقراء قهرهم الاقطاعيون فهجروا بيوتهم ومزارعهم بحثا عن فرصة عمل ولقمة عيش كريم في مأوى متواضع. براكيات من صفيح وأكواخ اسمنتية وضيعة جمعتهم فاتحدوا يصهرهم الظلم والقهر وليقيموا صروحا شامخات لأنطوان سعادة، معروف سعد، كمال جنبلاط، جورج حاوي ومحسن ابراهيم يحملون رايات جمال عبد الناصر وهوشي منة وفيدل كاسترو.  ليشهد الحق أني لا أكتب قصص خيال، وأنا لست بشاعر لا عاقل ولا مجنون، بل شاب وكهل عايشت وتتلمذت على يد رجال أمهاتهن حرائر قلن للمجد قم فقام خاشعا متواضعا.  ولكم القراء الاعزاء بعض حجتي؛ لم يكن أبو خليل، حسن، وحده من أعاده رحيل فيصل ونيف عقود خمسة الى النبعة وبرج حمود فتفضل بما كتبه اعلاه. لقد فأجاني الصديق والرفيق الشقراوي (ضيعة شقرا الجنوبية) علي بيضون يكتب لي من الولايات المتحدة يخبرني بمآثر أبي نضال ورفاقه.

 جاء فيصل طفلًا مع والديه إلى بيروت ليستقر على مرمى حجر من مخيم تل الزعتر في ضاحية النبعة  - برج حمود ويلتحق بمدارس وكالة اونروا للاجئين الفلسطينيين في "مدرسة غزة". انظروا كيف يقرأ الفقراء اهل الهمة والوفاء المستقبل فيختارون أسماء تليق بعزتهم وعنفوانهم.  لكن كيف للبناني ابن بنت جبيل أن يلتحق بمدارس أونروا للأمم المتحدة المخصصة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى وكأن هناك فلسطينيين في الشرق الأقصى. لا يا سادتي ليست هذه بداية فيصل مع فلسطين فحكاية بنت جبيل وحيفا، عناق الجليل وجبل عامل تعود الى بركات السيد المسيح عليه السلام. فقرية المالكية تحتضن عيثرون ومارون الراس تحرس ظهر ديشوم وعلما الخيط، حتى أن الغزاة الذين رسموا خطوط مصالحهم فاتهم أن تلك الصومعة أو قبر الشهيد المنتصب عند قدميه خط "الحدود بين مارون الراس وأراضي قرية صلحا وديشوم هو صرح يفقأ أعين سايس الانجليزي وبيكو الفرنسي ولارسن السويدي. منذ زمن بعيد عبر الشاب حسن أيوب والد فيصل درب الآلام بين بنت جبيل وحيفا. هناك عند ميناء حيفا كل مساء كان حسن يأخذ تلك الصبية الجنوبية زينب التي تعمدت أصابع كفيها بعبق اوراق التبغ من يدها الى "ساحة الحناطير". يجول صاحب الحنطور بحسن وزينب في رحلة عشق أثمرت ابراهيم وفيصل وذرية شمخت صدورهم بحب حيفا وفلسطين. عندما وقع اللجوء لجأ حسن وزينب الى بنت جبيل واعتمدتهم الأمم المتحدة لاجئين فلسطينيين.

منذ زمن ليس بعيد اعتاد الحاج أحمد المولود الديشومي أن يعرج بعد سوق بنت جبيل كل خميس إلى بيت صديقه الحاج عباس علوية لينعش صدره بهواء شمالي يرد له نشاطه بعد يوم تجاري طويل. أحد الأيام الخميس حيث لم يذهب الحاج أحمد إلى السوق. مساء ذلك اليوم جاءه مرسال يبلغه أن صديقه الحاج محمد حسن العيثروني يبلغه السلام ويقول له "إذا كان رأسك مبلولا في ديشوم فانه يجف عندي في عيثرون". قال الحاج محمد حسن يخاطب صديقه وجاره الحاج احمد، أريد يا حاج وأنا أيامي دنت نهايتها أن أترك ابنتي زينب أمانة لديك، انت ولي أمرها بعدي وهذه ورقة بختم مختار الضيعة تشهد بذلك. امتلأت بيوت أهل الشمال والجنوب بحكايات الجيرة ووحدة الحال، وعندما قست الحياة على أهل الجليل وقف الجيش اللبناني في قرية المالكية يرد جحافل الغزاة. عندما انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة وقف المحرومون اهل الجنوب كالبنيان المرصوص ضد بطش المؤسسات الأمنية الطائفية فحموا واحتضنوا الفدائيين والثورة التي شكلت وتوأمها الحركة الوطنية اللبنانية جبهة موحدة صدت مشاريع الفاشيين الطائفيين.  

  معذرة القارئ المبجل فأنا لدي ألف حكاية وحكاية عن اهل الجنوب والشمال وهاكم موجزا عن حكايتي الاحدث. حدثني الاستاذ الفاضل ابو علي.. انه توجه بحكم الضرورة القصوى وكله ريبة وحذر خريف العام 1982، إلى مركز "الأمن العام اللبناني" في وطي المصيطبة في بيروت لتجديد "وثيقة" سفره.  في تلك الأيام والسنوات، نشرت حكومة وحزب العنصري أمين الجميل الموت في بيروت حيث كانت مجزرة صبرا وشاتيلا والاعتقالات والخطف على الهوية. يقول أبو علي، كنت أحاذر أن لا يراني أحد المتعاونين الذين أسفروا عن وجوههم زمن الاحتلال حيث استباح حلفاء ارئيل شارون دماء الفلسطينيين وكل من جاورهم أو اقام في مخيماتهم. دخلت مكاتب الامن العام وأنا اشيح بوجهي عن كل من يعرفني. فجأة وأنا أنتظر دوري داخل مركز الرعب سمعت صوتًا أتاني من خلف مكاتب الموظفين يناديني باسمي "يا رفيق أبو علي. . . يا رفيق ابو علي". نظرت فاذا بوجه شاب في مقتبل العمر يرتدي اللباس الرسمي للأمن العام يعاتبني، ألم تعرفني يا رفيق، أنا شقيق الشهيد طارق الشياح"، هذا هو جيل فيصل ورمزي وأبي ياسر وجهاد وغسان وحشد من آلاف مؤلفة من الشباب والصبايا الشيوعيين والقوميين والوطنيين الذين وقفوا بثبات وعزيمة يصدون مشاريع النازيين والوهابيين الجدد.

عندما قرر قابيل "صاحب قصر المحرومين" ربيع 1985، مدفوعا بشيطان يوسوس في صدره ان انحر شقيقك الشمالي اللاجئ الفلسطيني هابيل وقف خيرة أهل الجنوب وبيروت بوجه صاحب خنجر الغدر، كيف لا وفي الجنوب وصيدا وبيروت تصدى الشيوعيون والقوميون والوطنيون ومعهم أهل الخير لكل طائفي فكانوا ذراعًا للثورة وفجرًا للمقاومة، والرصاصات التي فجت رأس انطوان لحد، يومها وقفت زينب أم ابراهيم والدة فيصل تردع بأقسى كلماتها رعاع البرابرة وتردهم عن بيوت جيرانها وأشقائها الفلسطينيين.

لم يكن صدفة أن يقف السيد حسن ربيع العام 2000، في بنت جبيل ليهدي نصر لبنان ومقاوميه لفلسطين وأهلها، فهذه بنت جبيل توأم حيفا عاشقة صفد، هذه بنت جبيل شقيقة عكا قاهرة نابليون. هذا مقام النبي يوشع يؤمه اهل بنت جبيل وعيثرون والجنوب، وذاك مقام السلطان يعقوب وسط البقاع يعمره أهل الجليل بصلواتهم وبدبكتهم الشمالية، وهذا فيصل حسن أيوب يكمل دائرة رحلة مجد بدأت في بنت جبيل، النبعة، تل الزعتر، شاتيلا، الساحة الحمراء وسط موسكو يلقي التحية على لينين العظيم، نزلة كاركاس في بيروت، وادي أبو جميل، الخندق الغميق، ساحة الدباس والملتقى العلماني" ليعود في رحلته الاخيرة كما تعود نسور الجليل الى بيرعوبا وجبال الجرمق. عاد فيصل الى بنت جبيل ليجاور شهداء داسوا ببساطيرهم غطرسة العدوان والمعتدين، أبو نضال يلوح بيمينه لنزار قباني في الشام مخاطبًا، مثلك أعود إلى عريني يا نزار. من حيفا يأتي صوت "باق في حيفا" اميل حبيبي يخترق الصدى أهلاً بك يا فيصل الحق.

المملكة المتحدة

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين