اقرأوا الكتاب، ستفاجئكم الدرر المنثورة على صفحاته
"توجّه إلى الطبيب يشكو له جفافًا زائدًا وهبوطًا مقلقًا في دقّات القلب. بعد إجراء كافّة الفحوصات، تبيّن بأن كلّ شيء عنده على ما يرام، ويكفيه ليكون على قيد الحياة. سأل الطبيب: غريب ما تشخيصك إذن؟ قال: ربما تريد ان تكون أكثر؟!" (ص 17)
بأربع كلمات يلخّص الكاتب أمل ابو زيدان، ما يجول في النفس البشرية: السعي لنكون أكثر، أجمل وأصحّ. لدينا ما يكفينا لنكون "على قيد الحياة"، كما يكتب في الفقرة أعلاه، ولكنها ستكون حياة بائسة، مملة ومحبطة إذا لم يرافقها السعي لكي نكون "أكثر". هذا هو الإنسان وهذا الأمر، كما يظهر، من جملة الأمور التي تفرقه عن سائر الكائنات الحية أنه "لا يكلّ ولا يملّ"، مهما حقق الانجازات، فهو يريد "أكثر"، وربما هذا الأمر هو مفتاح التطور والسعادة وأيضًا التعاسة.
كتابة رواية هي فعل شاق، هنالك عدد لا ينتهي من الخيوط التي يجب نسجها من أجل صياغة الأحداث وصياغة ما يدور في نفوس أبطالها وبطلاتها. أمل أبو زيدان لم يكتب رواية، ولكن في كتابه العميق "في اقتفاء الفكرة"، وضع نفسه أمام تحد كبير، لا يقل عن نسج خيوط رواية مترامية الأطراف، وذلك حين ضمّن كل قطعة صغيرة أو كبيرة، فكرة كبيرة، إحساس عظيم، أمر تكتشف أنك تدركه وتحسّ به، ولكن لم يكن بإمكانك أن تصيغه بكلمات، أو بجملة، أو فقرة، أو قطة نثر.
ولذلك يمكن تخيّل الجهد الهائل، أو بالأحرى المعاناة الكبيرة، التي رافقت الكاتب خلال كتابة هذه الصفحات، فهذا الإبداع ناتج عن تجربة وتأملات وتدقيق في حيثيات الحدث، وفيما بعد الخروج بفكرة مدهشة. الكتاب الذي يثير انتباهي، لا حاجة أن يكون كبيرًا، من حيث عدد الكلمات وفخامتها، تكفيني جملة أو فقرة واحدة تبعث الدهشة في قلبي وفي فكري. هذا الكتاب من سطره الأول حتى السطر الأخير، أدهشني.
"أجاب: ألم يشعر أحد منكم يومًا بأن الدنيا رغم رحابتها ضاقت به؟ أجابوا: بلى. وسأل ايضًا ألم يشعر أحد منكم حين شرب القهوة مع من يحب، على بقعة لا تتجاوز مساحة قلبين، أنه يملك الدنيا؟ اجابوا: بلى، ولكن بماذا تنيط الأمر؟ قال: جهة القلب." (ص104). نص بسيط، ولكنه بليغ. من يقرأه يشعر أنه يدرك الحالة تمامًا، أمل ابو زيدان أتى وجعل من هذا الإحساس الغامض المبهم، كلمات واضحة ومضيئة على الورق.
يمكن الحديث كثيرًا عن الكاتب، عن سعة ثقافته في جميع المجالات، عن النبض الإنساني العميق الكائن في إبداعاته، يمكن إيراد الكثير من الأمثلة، ولكن في هذا المجال لا يسعني إلا أن أقول: اقرأوا الكتاب، بهدوء ورويّة، ستفاجئكم الدرر المنثورة على صفحاته.



.png)

.png)






.png)
