في ذكرى ثورة أكتوبر هل لا زال مكان لحزب شيوعي؟ هل يمكن أن نكون من دون حزب شيوعي؟ | برهوم جرايسي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

عالمنا أحوج ما يكون لحركة شيوعية عالمية حقيقية قوية، تنهض من جديد*جماهيرنا العربية وقوى التقدم، أحوج ما تكون لحزب شيوعي ذي بوصلة واضحة، منفتح على التطور، ولرفع مستويات التحدي، على أسس الخط السياسي التاريخي للحزب الذي ثبتت مصداقيته على مدى السنين، وفي كل المحطات الساخنة

 

 

تحل يوم الأحد القريب السابع من تشرين الثاني الذكرى الـ 104 لثورة أكتوبر العظيمة في روسيا، التي شكّلت أساسا لقيام دولة الاتحاد السوفييتي، وبناء أكبر نظام اشتراكي في العالم، وقف ندّا للإمبريالية العالمية المتوحشة، ونجح في لجم أطماعها. وهذا ما يثبته حال العالم بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وغياب منظومة الدول الاشتراكية، ليس فقط على مستوى التوازنات السياسية في العالم، بل هذا انعكس مباشرة أيضا، على حياة الانسان العادي في دول العالم، الذي تمتع ذات يوم، بقوانين عمل ورفاه اجتماعية، بفعل وجود عالم اشتراكي، اعتبرته الامبريالية تهديدا لها.

وبعد مرور ثلاثة عقود على غياب المنظومة الاشتراكية ومكانتها العالمية، يُطرح السؤال من جديد: هل لا زال مكان لحزب شيوعي؟ والسؤال الأكثر دقة: هل يمكن أن نكون من دون حزب شيوعي، بكل ما يحمله من قيم العدالة الاجتماعية، ونصرة الشعوب المقهورة، خاصة في حالتنا نحن؟

ظهر الفكر الاشتراكي عند كارل ماركس، ورفيقه فريدريك إنجلز، في القرن الـ 19، في سعيهما لتفسير التطورات المتسارعة على العالم، اقتصاديا، منذ القرن الـ 17 ولاحقا، وخاصة بعد تطور النظام الرأسمالي في الدول، بما شمل أشكالا جديدة من الاستغلال والاستعباد، على ذات الأسس التي قامت عليها الأنظمة الاقطاعية والاستبعادية من قبل. ثم جاء فلاديمير لينين، في مطلع القرن الـ 20، ليفسر ظاهرة الامبريالية، المرحلة الأكثر شراسة في النظام الرأسمالي، وخاصة من حيث الاستعمار الاقتصادي للدول الفقيرة والضعيفة، ووضع اليد على مقدّرات العالم والشعوب.

لم تكن سهلة تجربة قيام نظام اشتراكي في دولة كانت غارقة تحت نظام اقطاعي استعبادي، دولة زراعية متخلفة، مثل روسيا القيصرية، والدول التي كانت تابعة لها، لكن التجربة نجحت، وخلقت تحديا، رغم ما علق فيها من نواقص وشوائب، فبطبيعة الحال لم يكن كل شيء متكاملا، خاصة أنه كان الحديث عن دولة فقيرة، ولكن سرعان ما تحولت الى دولة عظمى.

ثم تمددت الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، بعد الحرب العالمية الثانية، وانتشر الفكر الاشتراكي، الماركسي اللينيني، في الدول الرأسمالية المتطورة، خاصة في أوروبا، ولكن أيضا في الولايات المتحدة الأمريكية، التي قمعت المفكرين اليساريين، وخاصة الشيوعيين، بقوانين مكارثي الإرهابية، التي جُمدت لاحقا في كتاب القوانين الأمريكي ولكنها لم تلغى حتى الآن رسميا.

من باب تحصين نفسها في مواجهة المد الاشتراكي، سارعت الدول الرأسمالية الى سن قوانين عمل تشمل ضمانات اجتماعية، وأيضا قوانين رفاه اجتماعي في دول شمال أوروبا، الأقرب الى الدول الاشتراكية، من باب امتصاص النقمة، صد سعي الجماهير نحو أنظمة اشتراكية متطورة.

وبموازاة ذلك، شكّلت الدول الاشتراكية تحديا سياسيا للعربدة الامبريالية في العالم، وكان الاتحاد السوفييتي يسدد فواتير الفقر والجوع في دول عديدة، خاصة في القارة الافريقية، دون أن يطلب منها سطوة اقتصادية وسياسية عليها. ولن نتوسع أكثر في التاريخ، لأن ما أعقب تفكك الاتحاد السوفييتي وانتهاء الأنظمة الاشتراكية، يُثبت كليا ما أثمرته التجربة الاشتراكية في العديد من دول العالم.

ففي العقود الثلاثة الأخيرة "زال التهديد الاشتراكي"، وبات العالم تحت سطوة الامبريالية العالمية، وأولها الولايات المتحدة الأمريكية، واختلت الموازين السياسية العالمية، ما شجع دول الظلم والاضطهاد، وأولها إسرائيل، على التوغل أكثر في سياستها.

في العقود الثلاثة الأخيرة، غرق العالم في ما يسمى "العولمة"، الاسم التجميلي لتوغل الاستعمار الاقتصادي، إذ رفعت الحدود والقيود الاقتصادية أمام حيتان المال المدعومين من أنظمة أوطانهم، فزادت الدول الفقيرة فقرا، وتم شل احتمالات انتاجيتها، لتبقى دول استهلاك للإنتاج الامبريالي، واستفحل استغلال الأيدي العاملة الرخيصة في كل العالم.

وبموازاة ذلك، استفحلت ظاهرة الخصخصة في كل الأنظمة تقريبا، وتم ضرب النقابات في الدول الرأسمالية الكبرى، وباتت أضعف بما لا يقاس، دون قدرة وتأثير لتغيير الواقع جذريا، بما فيها اتحاد النقابات الإسرائيلي "الهستدروت" الذي كان وما زال على مدار السنين، مؤسسة لا تناصر العاملين، بل متواطئة كليا مع نظام الرأسمال والاستغلال، ورغم ذلك زاد ضعف الهستدروت وتأثيره، ولم يعد ملموسا. كما أن دول شمال أوروبا بدأت، في السنوات الأخيرة، بإعادة حساباتها في كل ما يتعلق بقوانين الرفاه المميزة لديها.

أذكر في ما مضى، في ساحاتنا، وحينما كان الاتحاد السوفييتي دولة عظمى داعما لقضية شعبنا الفلسطيني، كان يسألنا الخصوم: "شو عامل لنا الاتحاد السوفييتي؟"، وكنا نسمع السؤال باستخفاف ولم يخطر ببالنا أن يوما كهذا سيحل؛ وكنا نجيب: "تخيلوا العالم من دون الاتحاد السوفييتي"؟، وها هو الخيال صار حقيقة، وما توقعناه لعالم من دون الاتحاد السوفييتي هو ما تم.

تصادف ذكرى ثورة أكتوبر هذا العام، بمرور شهر على انعقاد المؤتمر الـ 28 لحزبنا الشيوعي، الذي عكس الحضور فيه والنقاشات في مختلف الاتجاهات، تمسك كوادر الحزب بالخط التاريخي لحزبنا، الذي حمى وقاد معركة البقاء والتطوّر لجماهيرنا العربية الفلسطينية الباقية في وطنها منذ العام 1948.  

إن نجاح المؤتمر يؤكد مجددا أن حزبنا هو الجسم السياسي المنظم الحي، في ساحة جماهيرنا العربية، وقوى التقدم اليسارية الحقيقية المناهضة للصهيونية. وقد شدد المؤتمر على مقولات ورسائل سياسية واضحة جدا، ترد على ظروف المرحلة وشوائبها وعلى جانب الحضيض فيها. رسائل سياسية ذات بوصلة لمن شكك، ومن راهن على قلبها رأسا على عقب.

واضح أن حزبا بهذا الحجم وهذا التاريخ لا يمكن أن يكون متكاملا، فقد سعى المؤتمر والرفاق للدفع نحو الاصلاح أكثر، وهذا سيكون اختبار اللجنة المركزية، وليس اللجنة وحدها، بل مختلف الهيئات على مستوى المناطق والفروع.

لقد وضع الفكر الماركسي اللينيني أسس العدالة الاجتماعية، وأسس انهاء كل أشكال الاستغلال الطبقي، وأيضا اضطهاد الشعوب وسرقة مقدّراتها. وعالمنا أحوج ما يكون لحركة شيوعية عالمية حقيقية قوية، تنهض من جديد.

وجماهيرنا العربية وقوى التقدم، أحوج ما تكون لحزب شيوعي ذي بوصلة واضحة، منفتح على التطور، وقادر على رفع مستويات التحدي، وكل هذا على أسس الخط السياسي التاريخي للحزب الذي ثبتت مصداقيته على مدى السنين، وفي كل المحطات الساخنة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين