news
مقالات

في قَلبِ الثّقافة.. (الجزء 1) | رجاء بكرية

 

*".. وحين نُجيز لبعض الأشكال الّتي تتورّم بوهم نياشينها المفترضة في الثّقافة والشياكة، أن تتصدّر واجهات المربّعات والمثلّثات العاموديّة والأفقيّة لصحافتنا وأوراقنا الفيسبوكيّة فنحن في خطر. حين نتنازل بسلاسة عن قوّة الحرف الّذي يشرّف مواقعنا، ونفرشه وردا للكلام الفجّ، وحوار المداهنات ومفردات العسل المرّ فنحن في خطر.."*

 

//دهشة..

كلّها معا تهاجمك. تتزاحم فيك. تختبر صبرك عليها. تقاتلك على حقّها في أن تتصدّر عناوينك. كلّ المواضيع معا. قضيّة الأسرى، صفقة القرن المسدّسة، تصريحات أبو مازن بشأن التّطبيع الإماراتي، مشروع الأمير هاري وميغان في إنتاج البرامج لصالح نيتفيلكس وسط غياب أخبار الأمير وليام ودوقة كمبردج "كيتي ويتي". منشورات أيمن عودة حول العنف والجريمة واهتمامه اللّافت بكلّ ما يحدث دفعة واحدة. بالعادة أجيز لنفسي جرف أصوات إضافيّة لصوتي حين يتعلّق الأمر بالثّقافة المسلوبة المغلوبة على أمرها شأننا، فأتحيّز للسّودان مثلا على حساب الأرجنتين في ألعاب كرة القدم ولكوبا ضد البرازيل الّتي أحبّها، هذه المرّة تنازلتُ طوعا عن فكرة التّضامن، فجميع الأعراق أصبحت عرقا واحدا يمزّق بعضه بعضا، ويتلف أعصابي من بعيد.

أمتعض أحيانا حين أجد العالم الأبيض في صف طويل، والآخر الأسود يتثاءبُ في صفّ قصير، أقصر من بنصر يدي اليمنى. كم أنزعج؟ لا أنزعج أبدا، أختنق فقط، وهكذا للاسبب لمجرّد أنّ الإنسانيّة في تراجع! خصوصا حين تقع عيناك على خبر قتل همجيّ سريع لامرأة كانت ستستقبل السّنة الدّراسيّة بين طلّابها، وعامل عربيّ كان سيعود سليما إلى عائلته فقضى في حادث عمل مروّع. سيضربك الغثيان، فتتداعى وتفوتك أخبار نشرات مساء السّبت عارمة بصور نتنياهو وزوجته فوق المتظاهرين الّذين يخنقون شوارع قيسارية والقدس حول بيتهِ مباشرة. والعنف يعرّس على الإسفلت والأرصفة دون تفرقة، والأعراس تملأ الشّوب والحرّ بُغضا ومللا وغضبا من دعوتها العامّة للجميع رغم ضَربةِ الكورونا، واتّساع الخطوط الحمراء حول مدننا وقرانا العربيّة. والحجر الجماعي لتبعات الأعراس الّتي تجرف صحّة المعلّمين والطلّاب معا. لا يمكن استيعاب المشاهد الّتي تصطفّ عليك وبالدّور.

كيف وصلنا إلى هذه المحطة؟ لا نعترف أنّهُ التسيّب الأخلاقي يجرفنا كسيل لا نملك صدّه، أو مقاومته. غلبتنا نزعاتنا. أفشت أسرار الطّيبة الّتي أحبّتنا وقلبتها لأسرّة ساكنة، حتّى النّوم له تجاوزاته لكنّ نومنا لا يعرف طقوسه، ولذلك، لا أعرف كيف أهادن نفسي، وأنا ألاحظ قبيلة الأقزام الّتي نزلت من رؤوسنا وخيّمت بين خطواتنا قبائل متنقّلة تتصرّف مثلنا بحُمق كبير ولامسؤوليّة. لا أجيد التّفكير عنهم كشخوص رواياتي مثلا لأستوعب منطلقات الشّرور الّتي ينعفونها على أكوام البراءة الّتي منحها الخالق لنا. ذلك لأنّ النّاس الّذين يمشون بين سطوري يشبهونني ويخالفونني بذات القدر من الرّغبة الّتي فيّ. وحين يتمرّدون علي، أعرف تماما أنّي سأحتفي بفعلتهم كعربون أبدي لحسن اختياري. أناس الشّارع والمقاهي لا علاقة لهم بالمساحات المتخيّلة الّتي نبنيها كي نطلق شخوصنا إلى براءتهم كاملة، كي نختبر نقاط ضعفهم شأن قوّتهم لنتحكّم بها. تذكّرتُ، فجأة، دهشة الجنّ حين تابع صناعة الأقنعة الواقية من الأسلحة في المعارك، وأعني "صنعة لَبوس" من صَهرِ الحديد الشّاق، زمن حكم الملك سليمان برغم أنّهُ كان قد قضى واقفا متّكئا على عصاه. سرّ الإكتشاف صدر عن النّمل الّذي هاجم منسئتهُ، وأعني عكّازه وبدأ ينخر فيهِ ويفتّته حتّى انهار وسقط. ذات الأمر أتخيّله مع النّاس المفترضين شأن الحقيقيّين، أيّ مفصل فيهم يؤدّي فينا إلى حقيقتهم مثلا لنستوعب بحضارة نسبيّة موت أخلاقهم وسقوط ثقافتهم، ولغة تواصلنا معهم؟.

أهي وشاية غير مقصودة، أم مكبّر عين، أم مكبّر ضمير، أم أنّه مرهم سحريّ يخفّف من انتفاخ الأوداج، والكبرياء، والكلمات ويحيلها إلى آفة عصبيّة تكبر بمرور السّاعات، وغرور لا يُحتمل، وكرات ثلج كلّما انتفخت ذابت في عيون المتورّطين في حلقاتها الشّائكة؟ أتساءل لأستوعب سيناريوهات الثّقافة الكاذبة الّتي تمشي في الأحياء والبيوت. شبكات القطارات والميترو وقنوات التّواصل الاجتماعي. صفحات الإعلاميّين والكتّاب، نساء ورجال. وبرامج الثّقافة المتلفزة والمصفّحةـ الفيسبوكيّة واليوتيوبيّة. لقد أصبحت عناكب الشّبكات الإجتماعيّة أخطر حالة ثقافيّة مزيّفة هذه الأيّام، إذ يمكن لصورة وكلمة وجيش صغير من المتابعين أن يقنعوا الرّوائي وسيّد الأعمال، الكاتبة، وربّة البيت، والإعلاميّين أنّ منصّات هؤلاء الأدبيّة كعروش ملكة سبأ يطير إليها روّادها مع الرّيح، شأن سليمان حين اعتلى الرّيح لتأخذه إلى بلقيسهُ في أعطاف اليمن.  

 

//هكذا يحدث

لدينا أشكال في الوسط الأدبيّ تعيش من غرورها الوهّاج، غرور بلغ حدّ انسداد حدود التّمييز بينه وبين انشطاب الأخلاق. كنتُ أقول حتّى للغرور حدوده، لكنّه حين يفقد سمات التفرّد عن السّقوط يصير وبالا على أمّة كاملة. فكيف يمكن لمنابر نحترم حضورها وندين لها بتصنيع منصّات جديدة للوعي أن تفتح فضاءاتها لتّجاوزاتِ خرابها؟ ومن يمنحها شرعيّة فوقيّتها كي تُغرّر بنا أوداجها المنتفخة بالاستعلاء والخواء؟ ولماذا تعزّز المواقع السّياسيّة والشّبكات الإجتماعيّة منصّات هذه التّشكيلات المزيّفة لتقنع العالم بأصالتها. كيف تُفرِغ السّاحات من كراماتها وتتركها نهبا لرميِ نِبال فوضاها العارمة على مستويات التجدّد الرّوحي؟ 

حين نفقد أسماء تضيء صفحات وجودنا الثّقافي والفكري والجمالي لأنّ قوانين الإنتماء إليها تحدّدها تابوهات عرقيّة وسياسيّة تقوم على تصريفها أسماء نصف مثقفة، ربع موضوعيّة، عشر أًصيلة، طائفيّة بامتياز فنحن في أزمة وجوديّة. وعلينا أن نعترف أنّ ثقافتنا في خطر، وكلماتنا في خطر. وحين نجيز لبعض الأشكال الّتي تتورّم بوهم نياشينها المفترضة في الثّقافة والشياكة، أن تتصدّر واجهات المربّعات والمثلّثات العاموديّة والأفقيّة لصحافتنا وأوراقنا الفيسبوكيّة فنحن في خطر. حين نتنازل بسلاسة عن قوّة الحرف الّذي يشرّف مواقعنا، ونفرشه وردا للكلام الفجّ، وحوار المداهنان ومفردات العسل المرّ فنحن في خطر. وحين نصفّق لأنفسنا نيابة عن الحضور الّذي سيصفّق لنا على المنصّات فنحن في ورَم، ورم حضاري بالغ الخبث. وحين سنلتفت حولنا فلا نجدُ من يربّت على أكتافنا غير أبناء عمومتنا، وطائفتنا فقد شرّعنا فضاءنا لطائرات ورقيّة من القصدير الخالص لا تصلح لنشر الفرح خصخصتها الفئويّة والعائليّة والعرق، وربّما لن نجد شرائط ملوّنة نزدان فيها بالعنفوان والأمل, وغير رصيف ضيّق فوق الغيم لا يتّسع لقدميّ أنا وأنت، ولن يعثر عليه أحد. وحين يفعلون سيقعون علينا مشوّهين بالفزعِ من رذائلنا أوّلا.

 لا تصدّق أنّ الرّصيف الضيّق شأن البيت الضيّق يتّسع لألف صديق. لا أصدقاء يا صديقي ونحن نشكّل اجتماعاتنا ومناسباتنا بوجوه أشيائنا الّتي تشبهنا وأقلّ!

ما يحدث في الثّقافة والسّياسة على اعتبار أنّنا نمتلك أفق ثقافة وسياسة نزيهة أو نصبو لهما معا، يجرح قزحيّة العين حين ترى، ويلغي دفق القلب حينَ يُرى، أمّا زوارق الرّوح فحدّث ولا حرح، لا ميناء ترسو فيها غير قوافل تيه ترعبني كلّما فتحتُ كتبَ التّاريخ ووجدتها ترسو على سواحل الرّقم 48.

الشّعر الّذي تخلّف عن ركب الثّقافة منذ أجيال يحاول أن يتململ ويعاقر خيله الّتي ظلّت تصهل خلف الجسر بلا صوت، يعيدون إليها الصّهيل عبر جوائز اخترعوها من المنافي وأعادوها مكبّلة بالأصفاد إلى بيوتها المصادرة. يوزّعونها بالتّزكية، ولن أنسى، غيّروا مسار الطّائرات الورقيّة الّتي تحترق في سماء غزّة إلى سماءاتنا المفروشة بغيم يحلُم وصارت تطلق قنابل الورد لشعراء من ورق، وكتّاب من عَلَق، كأنّهم عن سابق إصرار يخطّطون خِصيًا مبرمجا للحنِ الموّال وقوافي المنكوبين، والنّازحين (قشّة لفّة) دفعة واحدة.

وماذا بعد؟ هل تبقّى لنا غير الإنحسار أمام طوفان الخيانات الصّغيرة ولؤم الكبيرة. لا أوصاف أخرى أنمّقها في تسيّب الحالة غير حقائق تؤلم الورق، وتسيل عرق. إعادة ترتيب البيت وجدولة مفاهيمنا حول السّياسة الّتي تنسف طروحات الفكر العالي ضريبة لسلامة هويّتنا الفكريّة، بل والوجوديّة. لست ممّن يميلون لتلطيخ أوراق الحياة، ولو كانت مؤدلجة بعناوين برّاقة. ولا أميل لتزييف المشاهد لئلا أقع سهوا في شباك العمالة. جئتُ هكذا إلى العالم، بعلا، كزرعِ الحقول الّتي تشتدّ نضارة كلّما عرّجَ عليها الماءُ غِبّاً لتزدادَ عُبّاً...

29 يونيو 020    

  

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب