في كل بلد أمجاد سالفة من المهم والمفيد تذكرها، وفي البقيعة البقعة بين الجبال قمم شوامخ يعتزّ ويفرح كل من يتذكر مآثرها.. ومنها كان شيوخ أجلاء مثل المرحوم الشيخ صالح أبو ملح وله فيها ضريح وقبة يزورها المئات شهريًا تبركًا واستشفاءً.. وقبله بعدة قرون جاء في العديد من المصادر أن شيخ المعروفيين في بلاد الشام كان الشيخ يوسف من البقيعة قضاء صفد.
ونذكر هنا بعض مآثر أبنائها الغائبين الباقين.. وكل من وما في البقيعة من بشر ومن شجر زائل ولن يبقى بعد مئات السنين سوى ما صقلته أيدي الفنان محمود سلمان فضول (محمود الخروبة) فما نحته وجمّله من أحجار وصخور باق مثل بلاط القلع فيها ومثل عيون مائها النابعة من قلب تلك الصخور فالحمامات في مدخل القرية باقيات وكل التحف في بيته وفي بيوت أصدقائه من إهدائه لهم فباقية.. وتبقى مع هذه الصخور الراسخة والينابيع الجارية الذكرى الطيبة والأعمال الخيرية المفيدة التي قام بها العديدون من شخصيات البقيعة وزوّارها.. وتبقى أيضًا الأقوال والكتابات المنثورة والموزونة المؤثرة لأهلها ولبعض من سكنوها لفترات معينة.. ومن أهم هؤلاء الشاعر داود جبران جد الـ 6 شعراء والخوري جبران خوري البروة وأبو حيدر اليركاوي الفذّ حسين خطار والعديد من الفنانين والأدباء والشعراء من كل العائلات.. وهذه نماذج قصيرة مؤثرة ودالّة على أهل قرية الشعراء:
فالمرحوم أبو النعم الفقير من آل البليك كان يغني في الشوارع:
يا ربّي تطلع يا ربي تطلع الخشة عتيقة والباب مخلع
والأهل هجّوا والقلب ملوّع ونا لحالي اللي باقي هونا
والمرحوم فارس علي سويد بعد وفاة صغيره الوحيد في حادث سيارة مأساوي مفجع صرخ باكيًا:
لا حول الله في حكامك يا ربي وسبع سنين في إبني بربي
ولمين أعطي المصاري انسد دربي وغدي بيتي بلا محمد خراب
والمرحوم سميح صباغ كتب مرة:
بلدي أي فجرٍ تشتاقه مقلتايا أنت يا مهد فرحتي وشقايا
بلدي كلما يذكرون منك الحكايا يردّون لعمري طفولتي وصبايا
والمرحوم نايف أسد فضول قال مرة:
بلدنا ع الجبل ما في ع شبها وشبابا ينظروا دومًا ع شيبها
واحمي يابنها حتى عشبها واوعى تفرّط بحبة تراب
والمرحوم سالم جبران قال:
كما تحب الأم طفلها المشوه أحبها حبيبتي بلادي...
والمرحوم سلمان أسعد فضول قال:
مهما زاد كاس الدهر خلُّه الكرام بوعدهم ما يوم خلّوا
والله يلعن الليرات خلّوا البعوضة تفتكر حالا عقاب
والمرحوم نخلة مخول كتب عن أحد عدوانات السلطة على بلده سنة 2007 وجرح 5 من شبابها بالرصاص الحيّ وجرح 43 بالعصي والحجارة كتب:
جمعنا حجار في الحارة وجبنا تنقدم لحضرتهم واجبنا
وظنوها أكل لحمه وجبنا وبين الجمش ضاعوا والحطب
وقال أيضًا:
قلب العامل المسكين عمّل ولم يسمع أنينُه حزب عمال
وفيهن بالقيادة كل عمّال معلّص لو تطح صخرة قلب
وقال المرحوم الدكتور سليم جبران عن الزعيم النائب السلطوي:
كوفية وعقالٌ فوق جبهته لكن حقيقته لا تعرف العربا
وقال للمنتقلين من القرية الى المدن:
قف هنا لا تترك الأرض التي رُبّيت فيها وزرعت اللوز والرمان فيها وتسلّقت الهضابا وتناجيت مع الليل وغنّيت العتابا
وقال المرحوم الشيخ أبو يوسف فايز خير من قصيدة طويلة مدحها توفيق زياد في رسالة خاصة:
يا دار يا دار العنا يا دار كم في ربوعك ذقت جور الجار
دوّر ع جارك قبل ما تعلي البنا من قبل وصّوا بهالحكي الشّطار
وقالت المرحومة أم رياض نورة حنا:
يا حسرتي حمّلوا وعاخيلهن شدّوا وحاكيتهن بالوما مشيوا وما ردّوا
وقال المرحوم رجا فضول:
بوصف بلدنا طولها مع عرضها وبحكي حقيقة شو بها أوصاف
عرش الدوالي فوق عالي سطوحها بسقف الخشب بيعشّش الخطاف
الرمان زهّر زهرتُه تع شوفها ووادي البلد يا منبت الصفصاف
وقال المغترب فرحان سلمان العلي:
أنا فلاح عريقٌ أنضج الله غراسه... منجلي الصابر في الشمس يغنّي بحماسه...
وفنانو البقيعة وأدباؤها وشعراؤها الأحياء الباقون أنتجوا الكثير أيضًا كما تعرفون.



.png)

.png)






.png)
