رميتَ ملامحَك علينا، على البيتِ وفِنائه، وعلى الحديقةِ والحقل. ها هو شجرُ الحقل يذكّرُنا بخشونة يدِكَ، يدِ الفلاح. باحة المنزل تذكّرنا بضحكاتِك الصفيّة القلب. رائحةُ ترابِ البطّوفِ تحمل عبَقَ عرَقِ جبينِك وكدْحِك. عَتَبَةُ الدار تذكّرنا بالأبِ المِضياف، وبالبيتِ المُشَرّع الأبوابِ. وسِحْناتُ زائرينا والجيران يذكّروننا بطيبةِ قلبِك الصافي، وبِوَجهك البسّام المُقبلِ إليهم، المُستقبِلِ لهم. مكتبة الدار تحكي غيضًا من فَيضِ بحرِك الزاخر، ورفوفُها المَلأى لا تسبرُ إلاّ شِبرًا من عمق فِكْرِك. أنغام فيروز ووديع الصافي تسري برنّة صوتك الشجيّ، فتُشنّف آذانَنا بذكراك يا أبي. رائحة وردِ الجنائن تُذكّر بعميق حبِّك وإخلاصك لأُمِّنا... يا لها من محظوظةٍ كانت... ونحن، أبناءَك، الأكثرُ حظًّا بأبٍ حانٍ، وحريصٍ على هنائِنا ومستقبلنا...
فها هي أمي ترثيك بأحلى الكلام وتقول:
البـيّ مـا مثلـه مثيـل وبيّي يـا جسـر المحامل
والبـيّ حـمّـال الثّـقيـل يعـطي وما يوخـذ مقابـل
تمنيتـلك العمر الطـويـل وتكـون دايمـًا مِتْفائـل
ليـه استعـجـلت الرحيـل والبعـد عنّـك داء قاتـل
خلـيتنـا بـلا دليــل والحـال من بعـدك مايـل
كنت إلنا الظـل الظليـل وبْدعمكـو صرنا أوائـل
اغفرلُه يا ربي يا جليـل واحميـه من هوْل الزلازل
وَقَّـف على بابـك نزيـل وخلّيه فـي أكـرم منـازل
تبكيكَ الدارُ والديارُ وأهلُوها، يا أبي، وأمٌّ فجُعت بفَقْدِك فجأةً، مُحتسِبةً صبورة، وأولادٌ وبناتٌ شعروا باليُتْم، رغم اعتراكهم للحياة وصُروفِها، وأقاربُ مذهولين من فداحةِ فُراقِك. من قال ان الحزن والبكاء عيب... لا وألف لا! فلتبك يا امي... ولتبك يا أختي... ولتبكِ يا عيني...على عيني بكت عيني... لقد فقدتِ العزيز الغالي... لقد فقدتِ المعلمَ الأول... الأبَ الأول...
لقد رحلت مبكرًا يا أبي، رحلتَ بلا وداع، كل زاوية في بيتنا تشتاق إليك وتحنُّ لصوتك الجميل ومحيّاك الجميل. فهنالك أشخاص ترحلُ أجسادُهم من الدنيا، ولكن تبقى أرواحُهم ساكنة في أماكنها، وذكراهم تسكن في قلوب محبّيهم، لا تختفي وتأبى الرحيل. ذكراهم تَعِنُّ في كل طيّةٍ من ثنايا الذاكرة. ذكراهم راسخة في أعماق الروح والوجدان. وذلك لأنهم ألقَوْا ملامحَهم على الزمان والمكان وارتحلوا...
فقد حقَّ علينا جميعًا ان نتعلم منك معنى العطاء... العطاء اللا محدود... معنى الوفاء... معنى الود، الرحمة والإلفة... مع أنَّ الأشهرَ مرت سِراعًا إلا أنني لا زلت لا أصدق أن هذا ما يحدثُ لنا... وكأنَّ ما حدثَ حدثَ البارحة... لا زلت أستذكر تلك الأيام الخوالي، وأخالني أتحدث مع والدي عن أمورِ الدُّنيا قاطبة، ذلك العلّامة الذي وجدت عنده الجواب الشافي لكل سؤالٍ راودني...
مؤلم ذلك الفراق، ذلك الفراق الذي يأتي فجأة، ذلك الفراق الذي ينتشل عزيزكم مرة واحدة من أحلى جلساتكم وفي عز حاجتكِم إليه، مؤلم ذلك الفراق الذي يقلبُ لكم أفراحَكم... فكم بالحري هذا الفراق الذي تجتثه الكورونا... لا لم يكن فراقًا عاديًا... يأتي فجأة وينتشل عزيزنا... أوجعنا هذا الرحيلُ يا أبي... لست حزينةً بقدر ما أنا مشتاقة، مشتاقة لطلة اشتاقها الله قربَه وحباه... فقد هاجني الحنينُ وشدني الى صوت رخيم طالما سمعت صداه... شدني الحنين الى كلام رزين طالما نعمتُ بِلُغاه.
وكما قالت أختي: "ما أصعبَ يومَ الفِراق، ما أصعب الموت، ما أصعبَ وداعُ الأبِ وفقدانِه، وجاء يوم الدفن، أحضروا والدي بسيارة إسعاف إلى البيت، بيت أبي، وكان من المفروض ألا يُغْسَل في بيته، وأن لا يراه أو يلمسه أحد. أي عدل هذا؟
قبل وفاةِ أبي كنت أتعجّب من القوة التي يُعطيها الله للّذين فقدوا آباءَهم، إذ كيف يضحكون ويواصلون حياتهم. إلى أن حانَ دوري، ووُضعتُ بنفس موقفهم، وفهمت أن هذه القوة الظاهرة ليست سوى غطاء يخفِي ما بالقلب من ألم الفقدان، من قال إن الغياب يمحو الملامح من الذاكرة؟؟
تلك الملامح التي حببتنا بالوطن بمن فيه من ناس، وبالارض وما فيها من معالم... بالموسيقى، باللغة، بالأدب وفوق هذا كله القرآن. كان لي الشرف أن اتتلمذ على يد أبي، لقد كان حازمًا شديدًا داريًا بطلابه وبالعلم الذي يُرَسِّيه ويُرَسِّخُه في أذهان الطلاب. لقد كانت معرفة الوطن ومعرفة الدين هما ما دَرَسْتُهما عنه. وكأنه يوصي بهذا البلد لكي نحفظ مآثره وكنوزه من الزوال. لقد أوصانا بالحفاظ على مكارم الأخلاق حتى مع من أساؤوا لنا. فقد كان رجلا ضاحك الوجه، سمحًا بشوشًا متواضعًا، يعشق الخير ويحب الغير، فمه لا ينطق إلا بالصدق وبأجمل العبارات، لم يكن موسوعة علمية فحسب بل وأخلاقية. عشق الحياة والدنيا والسفر ووصل إلى جميع ارجاء الأرض.
أصدُقُكُم القول؛ تُرطّب فؤادَنا الصورةُ المُنيرةُ التي تُبثّ إلينا ممّن عايشوه،ومن المؤبنين الأكارم الذين سبقوني وهم من دَعَكوا معدنَه وخَبِروه، ممّا يُعِزّ ذكرى والدَنا، ولنا حُسن العزاء بحبّ وتقديرِ الناس له. وكلُّنا فخرٌ وامتنانٌ لمحبّيه.
فقد كان لوالدي، رحمه الله، ولغيره من المربّين الطلائعيين، فضلٌ لا يُستهان به في نهضة المجتمع. ومآثرُه المشهودة ما كانت إلاّ لترويَ عنه استشرافَهُ للمستقبلِ وطلائعيّتَه ومثابرَتَهُ وتفانيَهُ في خدمةِ المجتمعِ والمصلحةِ العامّة، وكان ذا حسٍّ وطنيّ وحَدْسٍ سياسيّ قويم، ومشهودٌ كونُه جريئًا لا يَهاب، ولا يُجانب الحق، بل يتّخذه سلاحًا في رأبِ الصدعِ فيما بين الخصوم، ويواجهُ الباطلَ بصلابةٍ لا لُبسَ فيها بلطفٍ وبليونةٍ إنسانية، يتّخذه للإقناع والتقبّل، وكان فالحًا في موازنة الأمرين، وبهذا يتوصل ويوصل أصحاب الخلاف إلى شاطئ الحقّ والاطمئنان.
ماذا أقول في أبي:
أبي يا مُعلِّمي الأول! لا لمْ نشعـرْ أبدا أنك في أعمالك كليـلا
لقد كنت لنا الـنِّبراسَ الذي أضاء الدربَ ولم يكن أبدًا ضئيلا
ولكن هل لنا أنْ نَجِدَ مَنْ في مثل ذكراك في العالمين قبيـلا
لن ننـسى وصاياك لنـا بالأخلاقِ التي كنت بها تُذَلـِّلُ كَلَّ جليـلا
رحم الله من سمَّـاك جمـالا فسبحان الخالق فقد كنتَ وَبِحَقٍ جَميـلا
ويا ربي ارْحَم مَنْ أصبحَ وأمـسى لنا في القبور مُسْجىً مُقيـلا
لن أقولَ لقد مات أبي لا بل أقولُ آه تمنيتُ لَوْ تعـيشَ طويــلا
رحمك الله ربي وعطَّرَ ذكراك وجعلَ لك في النَّعيمِ سَبيـلا
رحمك الله يا أبي ويا أب الجميع، يا عزيز سخنين... عسانا نرى أمثالك في ابنائنا...فكما كنت نعم الابنُ لوالديك فقد كنت لنا نعم الأبُ، ونعمَ القدوةُ الحسنةُ تلكَ التي أورثتَها نفوسَنا... إلى جنات الخُلد يا أبي...
من: سناء جمال ابو صالح وجميع افراد عائلة المرحوم



.png)

.png)






.png)
