لتبقى ذكراك خالدة عزيزي جوليانو أنت وذكرى والديك الرفاق آرنا وصليبا خميس اللذان حملتَ نفسَ مبادئهم وأهمّها أخوة الانسان، مطبّقين هذا المبدأ أوّلًا بارتباط والدك العربي الفلسطيني بوالدتك اليهودية اليسارية.
وحملتَ يا جوليانو معهم أسمى المبادئ وأهمها أنّكم قمتم بممارستها بالتضامن الفعلي مع الشعوب، عندما فضلتم العيش وترك حياة المدينة والانتقال للعيش بجانب اخوتكم اللاجئين الفلسطينيين في مخيم جنين، أنت والوالدة آرنا خميس، وكنتم أكبر مثال لإشهار التضامن مع الشعوب والوقوف مع المظلومين.
ولم يكن صدفة تسمية أهل المخيم للمناضلة والدتك آرنا، الّتي افتتحت أول روضة وحضانة لأطفالهم وجمعت لهم الألعاب والأثاث وعلب الحليب والتبرعات، "بالحجة آرنا"، لأنّها كانت لهم الأم وكانت بمثابة الجدّة للأطفال وأمهاتهم. وليس صدفة كذلك، أنّك واصلت العيشَ هناك بعد وفاتها في أصعب وأحلك الظروف، ظروف الانتفاضات ظروف العدوان الغاشم من قبل الجيش الاسرائيلي عليهم.
وكنت أفضل مرشد لآلاف الشباب والفتيات هناك، فقد عشتَ معهم ظروف الحرمان والاحتلال وظروف الاعتقالات وهدم البيوت وحياة الفقر والعوز والفراغ، ووجدت أن أفضل تضامن معهم هو بتأسيس أول مسرح لهم، وعلّمتهم فنّ التمثيل وكل ما يتعلق به، وكنت خير مثال للعمل المشترك أيضًا بين الشباب، واستطعت دمج الفتيات والشباب سوية الذين أبدعوا وأنجحوا أكبر العروض.
وأنا فإن نسيت أشياء كثيرة، فلا أنسى استقبالك الحار لنا لحضورنا أنا ومعي أكثر من 150 امرأة، عضوات حركة النساء الديموقراطيات عندما نظّمت أنا ورفيقاتي حملة إغاثة لمخيم جنين وغيره، حينما تمّت دعوتنا هناك لحضور "بازار الأشغال اليدوية"، ولحضور العرض المسرحيّ الّذي كنت قد أخبرتني عنه لأحلى مسرحية (أليس في بلاد العجائب). وكم كنت فرحًا بحضورنا، ولم تقبل أخذ أي مبلغ منّا مقابل حضورنا للمسرحيّة، بل شكرتَنا لحضورنا واعتبرته دعمًا لك ولفريق الممثلين الشباب الذين أبدعوا حقًّا في أداء الأدوار، كأفضل الممثلين المحترفين.
ولا أنسى مشاهد الفرح والحماس في وجوه كل الشّباب ومعهم الحضور هناك بحيث عملت بهذه البرامج الفنية على تخليصهم من شعور اليأس والفراغ، وزرعت بهم أملًا، وأضفت لهم طعمًا للحياة، بدلًا من حياتهم التعيسة تحت نير الاحتلال والحصار والإغلاق ومنع التجول والحواجز، بل وشاركتهم مشاعرهم وعملت المستحيل لجمع التبرعات لهذا المسرح من عدة دول، وعملت كل ما تستطيع فعلًا، لخلق إنسان كان يحلم بحياة تختلف عن واقعه المرّ.
ورغم كل هذا الحبّ والعطاء والالتزام بالقضية، طالتك يدُ الغدرِ ولم تدعك تكمل مسيرتك المشرفة هذه، واغتالتك وأنت في قمة عطائك وقمة شبابك! لم يعرف هؤلاء القتلة أنّهم اغتالوا آمال وحياة مئات الشّباب وتركوهم ليقعوا ضحية في شراك وأحضان حركات ومنظمات رجعية متزمتة دينيًا وببراثن تقاليد بالية.
وللأسف وبعد مرور كل هذه السنوات لم تستطع لا السّلطة الفلسطينية ولا استخبارات حكومة الاحتلال معرفة من هي اليد الغاشمة التي اغتالتك يا جوليانو بإطلاق الرصاص وأنت في سيارتك... ومعك طفلك ومربيته. يظهر أنه لم يرق لمن اغتالوك ادخال نوع من الثقافة التقدمية والفنّ الراقي لمجتمع يعيش ظروف مخيم بائس ولم تعجبهم روح التضامن الأممية!!
شلّت أيدي هؤلاء القتلة وليبقى صوتنا صارخًا مناديًا بالكشف عن منفذي هذه الجريمة بحق الإنسان الذي أعطى كل ما يستطيع ويملك من حياته وحتّى روحه ودمه، ستبقى ذكرى الصديق الفنان المعطاء جوليانو أقوى من النسيان.



.png)

.png)






.png)
