لقد صار قلبي قابلا كلَّ صورةٍ| د. محمد حبيب الله

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

    قرأت هذا الاسبوع ابياتًا شعرية للعالم الصّوفي الشهير ابن العربي وذلك في احد الكتب التي اقرأها حاليا في موضوع الفلسفة الاسلامية. وقد لفت انتباهي ما حوته هذه الابيات من المعاني السّامية التي يؤمن بها ابن العربي حيث يقول ابن العربي:

لقد صارَ قلبي قابِلا كُلَّ صورةٍ/ فمرعًى لغزلانٍ وَديْرٌ لرُهبانِ

وبيتٌ لِأَوثانٍ وكعبةُ طائٍف /وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قُرآنِ

أَدينُ بدينِ الحُبِّ أَنّى َتَوجَّهَتْ / ركائِبُهُ فالحُبُّ ديني وَإِيماني

ويقصد ابن العربي بقوله: "قابلًا كلّ صورةٍ" ان في قلبه متّسع لجميع الناس على اختلافهم دينا وعرقا ولونا.... و "مرعى لغزلان" كناية عن تحويل قلبه الى واحةٍ يتمتّع الناس بها في الدنيا و "ديرٌ لرهبان" اشارة الى النصارى الذين يؤمّون الدير للعبادة فقلبه مكانٌ يتّسع لهم جميعاً ويجدون فيه انفسهم و "بيت لأوثان" كناية عن غير الموحّدين الذين لا يؤمنون بالله كما هو الحال عند المسلمين واليهود والنصارى لكنهم من اتباع الهندوس والبوذيين الذين ليسوا بعيدين في ايمانهم عن لبّ ما تنادي به الاديان السماوية من تحديد ما هو الخير وما هو الشر وما هو الظلام وما هو النور وما هي ابعادها و "كعبة طائفٍ" اشارة الى الكعبة التي يطوف حولها المسلمون ايام الحج  و "الواح توراةٍ" اشارة الى اليهود اتباع النبي موسى الذي اتى لهم بالواح التوراة والوصايا العشر من فوق جبل سينا (طور سينا) و "مصحف قرآن" اشارة الى القرآن الكريم الذي نزل على النبيّ محمد.

هكذا كان ابن العربي ينظر الى الغير المختلف وقبوله وذلك رغمَ الاختلاف بين الاديان اعلاه فهو محبٌّ للغير ويقبلهم على اختلافه معهم في المبدأ دون تمييز بين مسلم ونصراني ويهودي وبوذي وهندوسي. ان الدين الذي يدين به ابن العربي هو دين الحب بدون حدود وفي كل الحالات التي تتمثل في العلاقات بين الانسان والاخر على اختلاف اجناسهم ولونهم ودينهم ولغتهم وعرقهم وقومّيتهم وآرائهم التي يمكن ان تخالف رأيه. في الابيات اعلاه يمثل ابن العربي الانسان الذي يتقبل الاخر المختلف, وهذا المبدأ تحوّل هذه الايام الى شعارٍ يجب السلوك بحسبهِ خاصة ونحن نعيش اليوم في عالمٍ صغيرٍ كبير اطلق عليه البعض "قرية الكرة الارضية" وذلك بسبب سهولة التواصل مع أي بلدٍ ومع اي مجموعاتٍ سكانية تعيش على وجه الكرة الارضية انّى كان مكانها وعلى اختلافها في الامور الذي ذكرت اعلاه.

لقد اصبح هذا الشيء من ضروريات العيش في هذا العالم وذلك من اجل ان يعرف الناس سكان الكرة الارضية بعضهم بعضاً مهما تباعدوا ومن اجل تعايشٍ حقيقي بين ابناء البشر- تعايشٍ مبنيٍّ على السلام والمحبة والاحترام المتبادل والاقرار بان الناس مختلفون، الامر الذي اكدته الآية الكريمة التي وردت في القرآن:" يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وانثى وجعلناكم شعوبًا وقبائلَ لتعارفوا إنّ اكرمكم عند الله أتقاكم." لكنهم متشابهون ويجتمعون على صفة مشتركة هي "الانسان" و"الانسانية" التي تكمن داخل كل واحد منهم فهذا ابن العربي يقول ان في قلبه متّسعٌ لجميع الناس على اختلاف مذاهبهم ويتقبل كل صورةٍ آدميّة على اختلافها. لقد تحوّل قلبه الى مرعىً لغزلانٍ تسرح وتمرح, ويتسع لجميع الناس اتباع الديانات المختلفة. ما اجمل ان تتمثل بما قاله ابن العربي وما اجمل ان نؤمن بأن الدين لله والوطن للجميع وان نذوّت المحبة التي نادت بها كل الاديان وان نجعل من "الحب"- حب الغير، نهجا ومذهبا وليكن شعارنا الذي يجب ان نذوّته في نفوسنا هذه المقولة: "الحب ديني وايماني".

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين