للرفاق والرّفيقات في مؤتمر حزبنا الشّيوعي الـ28| جابر فؤاد خوري

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أعتقد أن هذا المؤتمر هو الأهم في هذه الفترة العصيبة والمركبة والتي تتميز بـ"اختلافات" في الرؤى السياسية والاجتماعية. لأوّل مرة تتجرأ قوّة سياسية بهذا الوضوح والصفاقة، أن تنحّي القضية الفلسطينية جانبًا وتدحرها إلى درجات دنيا من الأهمية والمركزية، لتظهر ما تسمّى بالحركة الإسلامية الجنوبيّة على حقيقتها، كباقي الحركات الإسلامية وسياساتها الأيديولوجية التي تنأى بنفسها عن ثورية العمل لتصول وتجول في ملعب الدين والأوضاع الاقتصادية الفردية للإنسان، بالضبط بما يرضي الرأسمالية والنيوليبرالية ومنها لسياسة فرق تسد من الصهيونية والمؤسسة الإسرائيلية.

ولا شكّ أن الهجمة الشرسة والمخطط لها على حزبنا وخطّنا نجحت إلى حدٍّ ما في بلبلة النفوس وزعزعة الثقة بانتصار الشّعب الفلسطيني في تحقيق حلمه بدولته المستقلّة وعاصمتها القدس الشريف. وكلامي هذا ليس غريبًا، وأكتبُ اليوم لأعبّر عن سروري بمطالعة ودراسة ما قدّمه الرفاق في رؤوس أقلام المؤتمر وما أسهموا فيه من خلال النشرة الداخلية للحزب تحت عنوان "الدرب".

 وفي الحقيقة، لستُ بصدد الانتقاد وتحليل ما طالعتُ ورأيت من اجتهادات مباركة بل أكثر من ذلك، هي اسهامات مثقفة شجاعة صريحة محلّلة علميًا وسياسيًا لما حدَث ويحدُث. عاينتُ مقالات لكبار الفلاسفة والمختصين بالسياسة والاقتصاد وأنا ممتنٌ لهم لأني أستفيد وأتعلّم.

مؤتمرنا الأهم بنظري لأنّه لا تخفى على أحد حالة اليأس والقلق وفقدان الثقة، وعلى هذا الرّهان، فهناك من يسعى ويهمه رفع مستوى النشاط النضالي، كي نتحدّى كلّ كبوة تنظيمية كانت وأخرى سياسية واجتماعية. بمتابعة "الدرب" شعرت بألم الرفاق من التفكّك وابتعادهم عن صنع القرار من جهة وسماع القرار من الهيئات من جهة أخرى. سمعت آهات الرفاق وخوفهم على الحزب، ومن ناحية أخرى رأيت الثقة بالمبادرات للنهوض.

 سأحاول هنا مناقشة الجانب التنظيمي، محاولًا وضع الاقتراحات لحلول من الممكن أنْ تساعدَ الحزب بالتنظيم الأفضل. لنسترجع التاريخ قليلاً، كل التحالفات السياسية مع الحركات الشيوعية الحقيقية، لا بدّ لها أن تكون وقد كانت بالفعل الحلّ الأفضل والأمثل لمصلحة الشعوب. وكتب عن ذلك كثيرون من ديميتروف إلى آخرين حتّى تجربة حزبنا على مدار الأعوام السبعين وأكثر الماضية..

 تطوُّر التاريخ أثبتَ أنّ الرأسمالية استفادت وتستفيد من نقاط ضعفها وما نهاجمها به، وتحاول أن تقتنص بعضًا من تحسين الظروف وبالأساس انتقائية فردية أو مجتمعات حتى تهدئ من ثورية المجتمع وتخفف من حدة التحالفات الجماعية المشتركة. لقد نجحت إلى حدّ ما سياسة النيوليبرالية الجماعية وحتى الفردية الشخصية في تفكيك ثورية المجتمع. وفي الفترة الأخيرة نرى كيف تبدّت خطورة هذه السياسة. بلادنا معقدة التركيبة السياسية والاجتماعية ولا عجب عندما تحط أنظار الرأسمالية وترى هذه البقعة من الكرة الأرضية الأهم لمواصلة استغلالها وبيدها عصا الصهيونية والاستغلال من ناحية والقوى الرجعية والاسلام السياسي من جهة أخرى، كل هذا وشبابنا يتخبط ويفكر ويخاف ويريد ايجاد الحلول الأفضل للفرد والمجتمع.

هنا يكمن دور الحزب الأساسي وهنا المشكلة الكبرى والتي برأيي يوجد لها حلول جزئية متتالية لتكمل صورة النضال المستمر. رفاقي الخطأ التنظيمي لحزب شيوعي صغير السن وقليل الأعضاء وشحيح الموارد والمصادر إذا استمر قد يتعثّر بخطأ سياسي عن قصد أو عن غير قصد. الالتزام بالديموقراطية المركزية من أهم بنود النجاح التنظيمي. لا مبرر لتكرار الخطأ والدوس على قرار سياسي واجتماعي بحجة هنا وهناك. أقولها بصراحة ضعف التنظيم قد يخلق الفوضى ويدخل المؤسسة والرفاق بنوع من الكابوس الذي تعشقه السلطة والصهيونية.

لا ألوم أحدًا بشكل شخصي وأعرف مدى صعوبة العمل بوجود قلّة قليلة من المحترفين والمتفرغين للعمل التنظيمي. أدرك تمامًا ما كان قبل انهيار الاشتراكية وكيف عمل الرفاق ومؤسسة الحزب بتناسق واستمرارية وترابط وثقة بين الرفاق من الهيئات من جهة وبين الكادر والهيئات واللجان والناس من جهة أخرى. أدرك ما كان ولذلك جئت واقترحت أنّنا لا يمكن أن نستمر بهذا الشكل من العمل، بل علينا أن نبني مؤسستنا بشكل آخر، حيثُ يصبح الشكل الهرمي بوسطه أي عند الهيئة المنطقية أوسع وأضخم، وحلقة التواصل بين الفروع والهيئة المركزية تكون أسرع وبتواصل مستمر، وهذا على شرط ان تتوحد الفروع القريبة جغرافيًا تحت سقف واحد، وثانيًا أن يكون بالمنطقة رفاق متفرغون كلّيًا للعملِ السّياسي الجماهيري ومعهم حسب كبر المنطقة رفيق شبيبة مسؤول متفرغ وهكذا نبني قيادات ويستمر العمل الجماهيري. ستضعون السؤال التالي: والموارد والأمور الاقتصادية من أين وكيف ستترتّب؟ لذلك جئت سابقًا باقتراح انه ليس من الغريب ان تقوم لجنة اقتصادية من مختصين ومعهم الحزب بدراسة لكيفية جمع الأموال غير التي نملكها وهي قليلة. النقطة الثالثة وهي بناء الجبهة التنظيمي، ففي هذه الظروف وهذا الزمن لا يمكن ان نستمر بهذا الشكل من العمل. بناء الجبهة بالضبط متل بناء تنظيم الحزب، جبهة قويّة تعني حزبًا قويًا والعكس صحيح. هذا كان منشطًا ويفيد عندما كان المحترفون كثر وكانت مركبات الجبهات المحلية والقطرية تعمل بشكل منسق أكثر. اليوم علينا تغيير بل تفكيك هذا الشكل ووضعه ليكون فضفاضًا أكثر وأقل هيئات وأقل بيروقراطية بالعمل، عندها سيتفرغ أعضاء الحزب أكثر للعمل بين كل الهيئات.

 رفاقي تشجعوا ولا تهابوا التغيير من أجل الأفضل. وأخيرًا هذه دورتي الأخيرة في اللجنة المركزية بعد أكثر من 30 سنة في الهيئات الحزبيّة، أتركها للأصغر منّي سنًّا ولشباب المستقبل. الحزب والفكر المتنوّر الاشتراكي والشيوعي بعروقنا يجري، نموت معه ونحيا من أجله. نخدم الناس ونخاف عليهم وبتواضع نمشي وننظر إليهم بثقة وهامة مرفوعة. استمروا، وسأكون أمامكم في كل لحظة تريدون... رفيقكم جابر فؤاد خوري.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين