ما بين الابداع والايداع| د. محمد حبيب الله

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

الفرق بين هاتين الكلمتين في الظاهر هو زيادة نقطة تحت الحرف باء ليتحول إلى ياء، والفرق في المعنى كبيرٌ جدًا بسبب زيادة نقطة لتصبح الكلمة ايداع بدلاً من ابداع. فالفرق شاسعٌ بين الكلمتين في كل ما يتعلق بالعملية التعليمية ودور المعلم في تطوير التفكير عند الأولاد بدلاً من التلقين وبدلاً من الاقتصار على إكسابهم المعلومات فقط لأنّهم بهذا يحوّلون رأس الطالب إلى مخزن لهذه المعلومات. فهذا الأمر شبيه بإيداع وخزن المال في البنوك، على المعلمين والآباء أن يتعلموا كيف يستغلون كل معلومة يعلّمونها للطفل من أجل اتخاذها قاعدة للانطلاق واساسًا لتطوير تفكير الولد من ناحية التحليل والابداع والنقد.

 ولا بد من أجل ذلك أن نزوّد المتعلّم أوّلاً بالمعلومات وثانيًا جعلها أساسًا لتطوير التفكير عنده. ومع أن المعلومات أصبحت في متناول اليد بسبب وجودها في "جوجل" والانترنت فالطلاب ليسوا بحاجةٍ في كثير من الأحيان إلى معلم يصبّ في عقولهم المعلومات من أجل خزنها في الرأس. المطلوب في التعليم عدم الاقتصار على ايداع المعلومات في رأس الطفل بل تعليمه كيف يستغل كل معلومة من أجل معالجة وتطوير أنواع التفكير المختلفة. فعلينا مثلاً ألّا نكتفي عندما يقرأ الطالب قصة معينة بأن يتذكر الولد أحداث القصة ومن هم أبطالها كأن نسأل ما هي أحداث القصة؟ ومن هي الشخصيات التي شاركت في القصة؟ وماذا فعلت؟ بل يجب أن نتخذ كل هذا قاعدة لأسئلة أخرى تطور التفكير مثل: لماذا حدث ما حدث؟ وما رأيك في ما حدث؟ وماذا نستنتج؟ وماذا تتوقع أن يحدث؟ وما رأيك في نهاية القصة؟ وما هو البديل الذي تقترحه لتكون نهاية أخرى للقصة؟ هذا مثلٌ من أمثالٍ كثيرة تتعلق بما يقرأ ويسمع الولد، يجب أن نتعدى السؤال الذي جوابه موجودٌ في النص أو في عقله ونسأله أسئلة أخرى لا جوابَ لها في النص وتتطلب تفكيرًا تحليليًا وابداعيًا وناقدًا. هكذا نطوّر تفكير الولد الذي يعتبر الأساس في العملية التعليمية.

 لقد شبّه الفيلسوف الألماني "مارتن بوبر" عملية التعليم بأداتين نستعملهما يوميًا وهما "المحقان" و"المضخة". فالمعلم في الأولى كمن يأخذ بيده "محقانًا" ويضعه إلى جانب رأس الولد ويصبُّ بواسطته المعلومات في الرأس كما يُصبُّ الماء أو الزيت في الوعاء باستعمال المحقان. وقد شبّه البعض هذه العملية التعليمية بعملية بنكية التي نقوم بها بإيداع النقود في البنك ثم استخراجها عند الحاجة. وهذا ما يفعله الولد عند الامتحان حيث يجيب على الأسئلة الحرفية التي تحتاج الاجابة عليها إلى ما قد خزّن عنده من معلومات، أما المضخة فقد قصد بها "مارتن بوبر" ضخّ واستخراج معلومات جديدة من رأس الطالب وبالاعتماد على ما خزنه من معلومات وعن طريق اسئلةٍ لا جواب لها في النص بل تنبع من عقل الولد وتعكس قدرته على التفكير والابداع. ويمكن القول إن هذا النوع من التعليم لا يقتصر فقط على قراءة السطور بل يتعداها إلى قراءة ما بين السطور وما وراء السطور وبكلمات أخرى، قراءة حرفية وقراءة تفسيرية وقراءة ناقدة وقراءة إيداعية. وهذا هو التعليم الحقيقي الذي تتطلبه نظريات "فهم المقروء" الذي هو أساس التعلم.

 

 

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين