من المؤكد اليوم وبعد عودة انتشار فيروس الكورونا مجددًا وبشكل واسع في اسرائيل ان نتنياهو تصرف بتهورٍ غير مسبوق عندما سارع، بكل رعونة، لإعلان "النصر" والعودة الى الحياة الطبيعية بشكل تام بعد إغلاق دام أكثر من شهرين في محاولة للاستحواذ على ما ينطوي على هذا الاعلان من مكاسب وتقدير تزيد من شعبيته. فنتنياهو بطبيعته الانانية المتسلطة يتجنب تقاسم المكاسب مع الاخرين ولا يسمح بوجود من يتجرأ على منافسته او مجرد ان يحاول ذلك. اما عند الفشل فلا يجد اية صعوبة في ان يجد من يحمله مسؤولية ذلك!
وتغطية على هذا التهور يحاول نتنياهو اليوم تحميل الشعب وسلطات إنفاذ القانون المسؤولية عن الموجة الجديدة من تفشي الوباء! كما يحاول استغلال هذا الوضع لمواصلة التحريض ضد منتقديه وضد المحكمة العليا ولتشريع المزيد من القوانين غير الديمقراطية والحد من صلاحيات بعض الوزراء في الائتلاف الحكومي ولجم بعض المشاكسين في حكومته وفي قيادة حزب الليكود. هذا على عكس ما جاء في اعلان "النصر" في اواسط أيار الماضي الذي برر فيه نجاح إسرائيل بانه لم يكن بسبب المناخ، أو صغر سن سكانها نسبيا، أو بسبب موقعها الجغرافي. وإنما بالخطوات الاحترازية المبكرة التي وضعها (إغلاق الحدود، ومنع الناس من مغادرة منازلهم، ووضع تتبع رقمي للمصابين بالفيروس)، وأداء نظام الرعاية الصحية، وامتثال الإسرائيليين بشكل عام للقيود مما وضع إسرائيل قريبا من القمة بين دول العالم المتقدم في مواجهة كوفيد 19 على حد زعمه. لكن سرعان ما انقلب الأمر من ان اسرائيل دولة قدوة ومفخرة بالنسبة لدول العالم في مواجهة الوباء الى دولة تتربع اليوم في المكان الثاني في العالم من حيث نسبة عدد الاصابات للعدد السكان. وما يرافق ذلك من تقييدات جديدة أعْلِنَ عنها وعن تقييدات أشد صارمة من المتوقع الإعلان عنها قريبًا وما قد ينجم عن ذلك من نتائج مأساوية على الاقتصاد وعلى الفئات الفقيرة والعمال والمستقلين وأصحاب المهن الحرة والفنانين وأصحاب المطاعم والملهي وقاعات الافراح ، الذين تركتهم الموجة الاولى من انتشار الوباء على شفا الجوع والإفلاس والانهيار.
وخروج عشرات ألوف الاسرائيليين من مختلف شرائح المجتمع الى الشوارع للتظاهر، في تل ابيب في أواخر الاسبوع الماضي وعشرات الألوف مثلهم تظاهروا في مطلع الاسبوع الجاري في القدس مطالبين بإسقاط الحكومة لفشلها في مواجهة تفشي وباء الكورونا وعجزها عن مواجهة الأضرار الاقتصادية المدمرة التي لحقت بالفئات الفقيرة والعمال والمستقلين ما هو الا تأكيد عن الانحسار الكبير في مدى التأييد لنتنياهو وحكومته. فالإغلاق الذي استمر قرابة الشهرين، ترك عشرات آلاف العائلات من دون أيِّ نوع من المداخيل، أو أنهم حصلوا على فتات هزيل، لا يسدد احتياجات بضعة أيام شهريا.
ويتصاعد الغضب على ضوء استمرار 850 ألف شخص يفتقدون أماكن عملهم، غالبيتهم الساحقة في عداد "إجازة ليست مدفوعة الأجر"، ويتلقون مخصصات هزيلة، وأن أكثر من 22% لم يتلقوا أي نوع من هذه المخصصات.
وتستفحل الأزمة لدى "المستقلين"، من المهنيين والحرفيين الذين لديهم مصلحة تجارية تشغلهم وحدهم أو أفراد عائلاتهم، وغرقت مصالحهم في أزمة اقتصادية وتوقفت مداخيلهم، ومنهم من أغلق مصلحته كليا، ولا تسري عليهم أنظمة مخصصات البطالة، رغم أنهم يدفعون رسوم الضمان الاجتماعي. ووعدتهم الحكومة بمخصصات هزيلة، لكن الغالبية الساحقة منهم لم يتلقوا حتى هذه المخصصات.
ورفع المتظاهرون الى جانب الشعار المطالب باستقالة هذه الحكومة لفشلها في مواجهة تفشي الوباء، شعارات ضد الفساد والمفسدين وضد الضم. وسادَ هذه الإحتجاجات مواجهات عنيفة مع الشرطة وحرس الحدود، أسفرت عن وقوع إصابات واعتقال العشرات من المتظاهرين.
وفي الوقت ذاته، نظمت نقابة العاملات والعاملين الاجتماعيين، عشر مظاهرات في مختلف أنحاء البلاد، الأحد الماضي، احتجاجًا على سياسة الحكومة التي تتجاهل مطالبهم، علمًا بأنهم يعلنون إضرابًا شاملًا عن العمل للأسبوع الثاني على التوالي. وهددوا بالاستمرار في الإضراب لعدة أشهر، إذا لم يُتجاوب مع مطالبهم بزيادة رواتبهم، وزيادة عدد الملكات، لتخفيف الأعباء عنهم ووضع خطة حكومية لمكافحة الاعتداءات المتزايدة والعنف المتفاقم ضدهم. ويحظى العمال الاجتماعيون بدعم من 140 رئيس سلطة بلدية ومحلية.
وأعلنت نقابة الممرضات والممرضين في البلاد عن إضراب في المستشفيات والصحيات وكافة المرافق الصحية العامة ، ابتداء من يوم الاثنين القادم لوقف انحدار أوضاع الممرضات والممرضين وظروف عملهم الصعبة ، مُتَّهِمَةً وزارة المالية بعدم القيام بعملها بالشكل المطلوب ولا تضع حياة المواطنين وصحتهم على رأس سلم أولوياتها.
وبحسب المعطيات التي نشرتها وزارة الصحة الأحد الماضي، فان هنالك 759 ممرضة في الحجر الصحي، بزيادة 500%، مقارنة مع الشهر السابق الذي كان عددهن فيه 124 فقط. ما يعني أن هذا العبء الناتج يتم تقاسمه بين قوى عاملة أقل، في الوقت الذي يزداد فيه عدد الأقسام وعدد المرضى كذلك.
تصاعد الهَبَّة الشعبية ضد حكومة نتنياهو - غانتس انعكس في استطلاع للرأي العام الإسرائيلي، نشرت نتائجه أمس الأول الأربعاء، اذ تراجعت شعبية حزب الليكود برئاسة نتنياهو من 40 مقعدا الى 34 مقعدا فيما لو جرت انتخابات الكنيست اليوم، مقابل 16 مقعدا لتحالف "يش عتيد- تيلم" برئاسة يائير لبيد، و14 مقعدًا لتحالف "يمينا"، في حين حافظت القائمة المشتركة مقاعدها الـ 15 وتراجع "كحول لفان" برئاسة بيني غانتس إلى 9 مقاعد، وحصل حزب "يسرائيل بيتينو" برئاسة أفيغدور ليبرمان على 9 مقاعد، وحزب "شاس" 9 مقاعد، في حين حصلت كتلة "يهدوت هتوراة" على 7 مقاعد، ومثلها لحزب "ميرتس".
وهذا التدهور قاد نتنياهو ووزير المالية يسرائيل كاتس الى طرح تقديم منح مالية لكل مواطن وعائلة، دون أي فحص دخل العائلات أو المواطنين، ما يعني ان المنح مساوية بين الفقراء والاغنياء الميسورين.
وبحسب المقترح فإن العائلة التي لديها طفل واحد ستحصل على 2000 شاقل، والعائلة التي لديها طفلان ستحصل على 2500 شاقل، والعائلة التي لديها ثلاثة أطفال أو أكثر ستحصل على 3000 شاقل. وسيحصل المواطنون الذين ليس لديهم أطفال على 750 شاقل.
يبدو ان احدًا لا يشكك في عظمة نتنياهو كقائد يميني عنصري حتى ان هناك من يصفه بالقائد الساحر، الذي يحول الليمون الى ليمونادا والابيض الى أسود ويفسخ المعارضة والاحزاب ويحول دون ظهور أي بديل ينافسه على الحكم ويقضي على اية امكانية لظهور قياديين ينافسونه على قيادة الليكود ويعرف جيدًا كيف ينفث سموم التحريض ضد من يعتبرهم اعداء او منافسين. ويواصل بدون ادنى خجل تحريضه المسموم ضد العرب وضد اليسار وضد الإعلام وضد المحكمة العليا وضد المستشار القضائي للحكومة والذي هو وسيلته الوحيدة لتجميع اليمين العنصري الاستيطاني حوله كزعيم لا يقهر. وهذا الدعم غير المحدود يمكنه أيضًا من خوض معركة تلو الاخرى لإبعاد ساعة الحسم في ملفات فساده. معارك نتنياهو ليست ضد تفشي الكورونا وليست أيضًا لتجنب الكارثة الاقتصادية المنتظرة وليس لتنفيذ مخطط الضم او لمواجهة التهديد الإيراني المزعوم وانما تجنب الدخول الى السجن باي ثمن.
ونتنياهو، الذي يعتبر الاعلام الاسرائيلي معادِيًا له، يملي بكل وقاحة على هذا الإعلام برنامجه! فكم من القضايا الملحة عتَّم عليها هذا الإعلام او طرحها بشكل مقتضب جدًا وبشكل خاص ما يتعلق بالمجتمع العربي، على حساب التغطية الكاملة والموسعة بتفاصيلها المملة للقضايا المرتبطة بملفات فساد نتنياهو وما يرتبط بهذه الملفات من معارك يومية تستهدف سن القوانين المقيدة للمحاكم والتحريض الأرعن على المحكمة العليا وعلى مؤسسات إنفاذ القانون وعلى المستشار القضائي للحكومة وعلى القوى الشعبية والاحزاب التي تنادي بإحقاق العدالة.
فنتنياهو لم يتورع عن جر البلاد الى ثلاثة معارك انتخابية وما تمخَّض عن ذلك من خسائر مادِّية للاقتصاد بهدف بقائه رئيسًا للوزراء عند مثوله أمام المحكمة هل سيهمه امر الاقتصاد او الكورونا او وجود مليون عاطل عن العمل أكثرتهم الساحقة لا تجد ما تأكله وهل يهمه استمرار هذا التدهور المأساوي للأوضاع الاجتماعية العامة في البلاد والخاصة بالمجتمع العربي؟!



.png)

.png)






.png)
