يختبئ الموت، فيلعب معنا ويضاحك غفواتنا، الرّفيق محمد نفّاع.. دموعي تلعثمت كحروفي وارتجف القلم وأبى أن يخطّ بالأسود كلام الرّثاء. يا أبا هشام يا محمد يا نفّاع ...أي صوت بعد صوتك سوف يعلو؟ وأي حقّ سوف يظهر؟ عرفتك وعرفت انسانيتك، كنت السّبّاق لإرسال التهنئة وبالذات في يوم المرأة التي آمنت بقدرتها.
كنت أستشيرك ببعض النّصوص ولم تبخل باعطائي رأيك، وكنت ممن حضن كتابي الأوّل، وكنت أوّل الحاضرين لنادي حيفا الثّقافي لتشاركني فرحتي بإشهار مولودي هذا، وتكبدّت عناء السّفر وقلت من أجلك وأجل كتابك أتيت حيفا.
أبو هشام صاحب المبدأ، يا انسانًا لبس ثوب التّواضع وانحنى ... يا رسول العطاء والمحبّة.. كنت رفيق درب أثناء تدريسي في بيت جن، وكنت تعتبرني ابنة للقرية التي أحببتها وأحببت العمل فيها.
أمّا عن خسارتنا بموتك فهي كبيرة تمامًا كسقوط شجرة وارفة الظّلال في يوم قائظ وجفاف ينبوع ماء في صحراء قاحلة. خسرنا إنسانًا يقول الحقّ ولا يفنى ما يقول، خسرنا قائدًا ومعلّمًا، خسرنا انسانًا لا يمكن ان يملأ مكانه أحد.
الأرض تبكيك وتبكي مصيرها بعدك، والسّماء تفرح بلقائك. كيف ننساك؟ كيف أنسى مشهد لقائي بك يوميًّا وأنت تحمل المعول وألى الأرض تشدّ الرّحال تعانقها وتقبّل ترابها فلا تبخل عليها ولا هي عليك.. فعشقتها ودافعت عنها. يا رمزًا من رموز الانسانيّة.. يا شمعة جمعت هيشر الحقل وما حرقته إلا بدموع العرق.
موتك كان صدمة كبيرة لم أستوعبها إلى ان جففت غزير الدّمعات ولملمت حزني... وجمعته حزمة وعصرتها وشربت من مائها وأدركت ان محمد نفّاع قد انتقل من الأرض التي أحبّها إلى السّماء التي نادته...ليرقد مع القديسين.
نم يا رفيقي نم قرير العين فمن خلّف ما مات. نم قرير العين، المحبون كثر وقد غزلوا لك من محبّتهم ملابس الرّثاء وجميل الكلام... وأظنّك تعرفهم واحدًا واحدًا فلكل واحد معزّة ومحبّة كنت قد منحته اياها من محيط محبّتك وعمق تفانيك.
نم قرير العين... فقد أعادوا لنا كلّ المقابلات التي اجروها معك عبر وسائل الاعلام المختلفة واستمعنا اليها ثانية.. وثالثة ...لتؤّكد وجودك العظيم.
نم قرير العين يا ابا هشام.. فتكريمك كان وانت حيّ تُرزق.. صافحنا وقتها خشونة يديك والتقطنا معك ومع تجاعيد ثورتك أجمل الصّور. نم قرير العين... ودع عيني تدمع وتدمع... والقلب من مكانه ينتفض.. نم قرير العين.. فكتبك مقالاتك لغتك المغايرة كلّها تشهد عنك. نم قرير العين يا سنديانة الجرمق وعطر الزابود وأنفاس الجليل.
نم قرير العين فها هي أم هشام تبكي وتبتسم، بكاؤها ابتسامة لعظمة وجودك. والأبناء الاعزّاء يشكرون ويعانقون محبّيك ببسمة وامتنان.
نم قرير العين يا رفيقنا ...فها نحن ننشد مع الدّرويش: "وحبوب سنبلة تموت.. ستملأ الوادي سنابل".
عوّدتنا الحياة أن نشرب نخب المحبّة وننام وها أنت ترفع الكأس عاليًا وتقول وداعًا يا رفاق الدّرب.. وداعًا وعلى الخير تصبحون. فهنيئًا للسماء بهذه الهديّة، لروحك السّلم والأمان.. لروحك السّلام. تعازيّ القلبيّة للإنسانية جمعاء بهذا الفقدان الجلل.
قانا الجليل



.png)

.png)






.png)
