من أدبيات مخيمات العمل: صديقي القديم الجديد لن يرمي معوله|فيصل طه

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

 

وجدت نفسي راغبًا وبحماس بالعودة لمحاورة صديقي الذي ما انفك يحمل معوله المغبر بغبار مخيمات العمل التطوعي حتى يومنا هذا، جاءني وكأننا على ميعاد، أتاني ووجهه يطفح معانِ وتعابير ناطقة سمعت هديرها الصاخب المنبعث من أعماق دواخله، صمت قاهر أحاطنا فضحه ارتجاف شفتيه وبريق دمع حبيس على ضفاف جفونه.

برهة صمت شابها انتظار فاق البرهة، لحظة صبر لم تكتمل ولم يحتمل كلانا عبئها، سبقني في فضها بكلمات مبعثرة مختنقة كدت لا أفهمها .. هل .. انتهى .. كل شيء؟

كنت في الماضي أقذف سمومًا مع الحاقدين والشامتين عليكم، كنت أُعرقل أعمالكم التطوعية دون فهم أو ادراك لدوركم، لطريقكم، لهدفكم، لإنجازاتكم، هكذا كنت، ثم علمتني محبتكم وأقنعني صدقكم واصراركم الكفاحي ومثابرتكم وأعمالكم التطوعية الجبارة والانسانية، ثم أقنعتني في نقاش سابق واقتنعت وتحديتني وقبلت التحدي فحملت معولي منذ المخيم السابع حتى يومنا هذا.

قل لي.. ماذا حدث لكم .. لنا، هل كل ما قمت به واياكم كان خطأ، كان كذبًا، ضحكًا على الذقون، لعبة، مسرحية، مصلحة ذاتية؟ هل كان كذلك؟ فهل تناثرت، تطايرت، تبخرت، تلاشت قطرات عرق جهدنا اللامتناهية، لحظات الجد والكد والعطاء اللامحدود والمتواصلة التي صنعتها ارادتنا، سواعدنا، هل ذهبت سدى وتناثرت هباء؟ برهة صمت أخرى اراد لها الانقطاع لسماع صوتي ورأيي فوجدتني أقول له: هل كنت مقتنعًا وصادقًا في عطائك وتطوعك في مخيمات العمل السابقة؟ بلى، كل الصدق والاقتناع أجاب، وأضاف: لم أجد ذرة واحدة من الجفاء والرفض والزيف والتمثيل من بين جموع المشاركين في الأعمال التطوعية، لم يلزمهم أحد، بل جاءوا عربًا ويهودًا وأجانب، ومن الاراضي الفلسطينية المحتلة، جاءت سواعد تقهر الظلم والتمييز تشمل نور الأمل والبقاء والحرية وتكاثفت سدًا منيعًا للحفاظ على ما أشعلته من نور ليبقى هاديًا لكل المتطوعين يجذبهم للاستمرار في الكفاح حتى الوصول إلى بر الأمان، هكذا شعرت ومنهم تزودت بطاقة العطاء الصادق.

اذن مَن كذب على مَن؟  ومَن مسح الجوخ لمَن؟

مَن هو ذاك الذي ارتسمت على كتفيه النياشين؟ ومَن منا يملك النياشين ليعلقها؟ رأيناها معًا وعلى أكتاف وصدور ووجوه الأبطال المجهولين، نياشين الاحترام والتقدير والعزة والكرامة الوطنية، نياشينهم كانت ما غمرهم من غبار العمل التطوعي ليس إلّا.

لأجل من تطوعت وتطوعنا؟ لأي هدف نناضل ونكافح؟ هز رأسه موفرًا عليَّ الاجابة، واتبعها بقوله: لم يذهب سدى، ولن يذهب جفاء، كل ما زرعته وصنعته وانتجته البشرية في طريق بقائها وحريتها وكرامتها وتقدمها نحو الأفضل دائمًا.

ان كل ما  ينفع الناس باق على الأرض، واما الزبد والهراء فيذهب جفاء، فأكملت أقواله بأقوالي، إن ما أنجزته مخيمات العمل التطوعية من مشاريع جبارة اصبحت بعد انجازها ملكًا أبديًا  لهذا البلد، الناصرة، لكل أهلها وهي باقية ولن تذهب سدى، وكل ما انجز وما سينجز سيبقى في خلد الناس ليحملوه طريقًا واسلوبًا لشق طريق الحياة الكريمة، ولن يكتب لطريق العطاء والتطوع الفشل، ولكن يحتاج ذلك للتنظيم والتوعية والهدف الصحيح فالطريق سليمة والعمل التطوعي صحيح وسليم أبدًا، ولكن هناك مَن أعيته مشقة الطريق فانحاز جانبًا أو سار بالاتجاه المعاكس، فتعاقب الأفراد وانتقالهم وحركتهم وتقلباتهم لا يفسد الطريق ولا يلغي مسار القافلة رغم نباح المعادين والشامتين والمرتدين.

ثم قاطعني بقوله: اذن لماذا هذا التغيير؟

قلصتم حجم المخيم من ناحية المشاريع والمشاركين والأيام وأُمور أُخرى؟

لقد هزني هذا التغيير الذي اراه  يسير نحو الغاء المخيمات التطوعية، فقلت له: اسباب عديدة دعت إلى ذلك التغيير فالعمل التطوعي باق، أما الاسلوب فقابل للتغيير بما يتلاءم والظروف الموضوعية والذاتية للفترة الزمنية نفسها، وعلينا صياغة أشكال لعملنا من جديد، علينا أن نكون جريئين وقادرين على ايجاد الشكل والأسلوب المناسبين في الوقت المناسب مع الحفاظ على مضمون  ومضامين مخيمات  العمل التطوعي، طالما بقيت الاسباب التي دعت إلى اقامته قائمة حتى يومنا هذا، إن  تغيير الاسلوب او تقليص العمل وشكله ليس تراجعًا عن المضمون التطوعي بقدر ما هو للحفاظ عليه، وكلنا يذكر المخيمات الأُولى كيف كانت تختلف في شكلها وحجمها واسلوبها عمَّا تبعها من مخيمات تطوعية.

ان ما انجزته الأعمال التطوعية في الماضي خفف الكثير من عبء المشاريع الباقية وساهم في الانتقال إلى مشاريع أقل ضخامة، لها أهميتها ورونقها وتأثيرها الجمالي على المدينة وتوفر الآليات وتقلص العامل البشري، واستعداد البلدية للقيام بمشاريع كبيرة خلال ايام السنة وبنفس الشروط وطرق التعامل المعمول بها في المخيمات التطوعية، وتطور ونجاعة العمل البلدي اليومي واهم من كل ذلك رغبة الناس، أهل البلد بالتغيير. كل هذه العوامل ساهمت مساهمة جدية في اتخاذ القرار الديمقراطي بتغيير حجم المخيم نحو مخيم جديد بدأنا بتحسس ملامحه التي ستكتمل مساء السبت ٣/٨/١٩٩١.

أنهيت كلامي فبدأ حديثه الممزوج بين الحفاظ على القديم وتقبل حذر للجديد بقوله: سأبقى أذكرها لحظات العمل التطوعي لحظة وأُغنية وسورًا وشارعًا وماسورة وأُمسية ومخيمًا مخيمًا، وأضاف والدموع تجلي عينيه وسأذكرها وردة وردة، زهرة زهرة، ثم أردف: غبار العمل التطوعي صفَّى هواءنا من الضغينة والتعصب بكل ألوانه، حنَّيْينا به ايادينا صبايا وشبابًا.

قام من مقعده واتجه نحو فتحة الباب وابتعد بنظراته نحو الأفق .. وقال: إني أنتظره بفارغ الصبر هذا المولود الجديد، متى سيبدأ مخيم العمل التطوعي القادم؟ سأحمل معولي وسأشق أساسًا لأحد الأسوار الضخمة، فقلت له ان مخيم العمل التطوعي السادس عشر قريب، قريب.

(وبانتهاء مخيم العمل السادس عشر، اختتمت هذه المخيمات الجبارة، وكان آخرها).

(تم نشر هذه المادة الأدبية في جريدة الاتحاد الحيفاوية بتاريخ ١/٨/١٩٩١)

(صفورية، الناصرة(.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين