قيل وكُتب عن طيب الذكر رفيقنا محمد نفاع الكثير، وأعتقد جازما انه هو بذاته لم يقل بعد كلمته الأخيرة لإخراج مكنوناته الدفينة في طيات ذاكرته الحادة، التي تلامس جليليته وعروبته وماركسيته وصدق سلوكه، الذي يحرك الغيرة لدى الآخرين ويستدعيهم لمحاكاتها، سواء كانت ساذجة او ناتجة عن جيناته ومكونات شخصيته.
كانت لي أحاديث عامة وخاصة مع رفيقنا، قسم منها دوّناه في صحيفتنا الغراء الاتحاد، حين اُتيح النقاش ايام البيريسترويكا، حيث شحذنا أقلامنا وذهوننا لنستنبط ونستنجد في النظرية لتفسير ما جرى في حينه من تفكك وانهيار الاحلام امام اعيننا، فأخذنا بالديالكتيك وقوانينه الثلاثة الاساسية مرجعا لتفسير ما حصل، باشرنا بالتحليل والنقاش حتى مللنا، لنعود الى حياتنا اليومية ومشاغلها الكثيرة جدا.
كان ان اجتمعنا في أحد الأيام، اذكرها مناسبة عزاء لنسمح لأنفسنا بالتساؤل: إذ كيف يقوم الماركسيون بتقديم التعزية وقد وُصفوا بالملحدين؟! أيقولون "الله يرحمه، عظم الله أجركم، إنا لله وإنا اليه راجعون؟ الرب أعطى والرب أخذ، هو الحي الباقي..."
في الحقيقة تلعثمنا انا والرفيق نفاع وتخبطنا كثيرا، لجأنا الى مقالة نادرة للينين في هذا الشأن "الشيوعية المحاربة" فلم تُفدنا، فعدنا الى التخبط، إذ كيف للماركسي قول مثل هذه الامور وهو غير مؤمن بجوهرها، كيف ستتوافق وتتزن المواقف؟ فمن ناحية، الماركسية لا تتماشى، وأقولها بلطف ولين، مع جواهر اقوال التعازي لا بالعربية ولا بالأعجمية، ولكن في نفس الوقت تحتم عليك الماركسية بجدليتها المادية ان تتلاءم مع الاجواء، مع التراث والعادات والتقاليد، التي لا تعيق تطور البشرية، فما معنى ان نسأل كيف الحال ونجيب: "الحمد لله" و"نشكر الرب". أحقا الماركسي المجيب يشكر ويحمد الله؟ وتطورت اسئلتنا مع أبي هشام حتى التعقيد للنقاش فيما إذا كان الماركسي متعدد الوجوه حيث يعزي بأقوال متلائمة مع اصحاب العزاء، فإذا كان الدين والتدين سيد الموقف قالوا "الله يرحمه" وإذا كان الموقف السائد علماني قالوا "يضل عمرك" "ولكم من بعده طول البقاء" وغيره.
في الحقيقة لم نصل الى نتيجة وبقيت الامور على نصابها، الا ان رفيقي محمد نفاع اراد انهاء الحديث معي، فأخذ نفسا من لفافة دخانه المشهور نوبلس (نابلس) ونفثها بوجهي قائلا:
"الله يسامحك يا رفيق!"
*حيفا



.png)

.png)






.png)
