مَن دعم القانون هو مَن يملك العلوية الأخلاقية ليسائل أخلاق المشعوذين | حسن مصاروة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر


ليس من المفروض أن يتطلب شجاعة فائقة أن تصوت على قانون طرح على طاولة الكنيست وفقًا لمبادئك الموجهة ومنطلقاتك الايديولوجية وأجنداتك السياسية والاجتماعية، بل توجهاتك الانسانية والأخلاقية. لكن في ظل هذه الهجمة الشعبوية الغوغائية التي تحركها وتقودها وتستغلها قوى رجعية تعمل على إعادة انتاج نفسها وشرعيتها ووجودها وهيمنتها على المجتمع وأخرى مأزومة تحاول كسب نقاط شعبية على حساب ضرب القائمة المشتركة، في ظل ضرب وتشويه وتزوير وتدليس للنقاش والحقائق، فكل التحية والدعم والتشجيع لنوابنا الذين صوتوا مع القانون رافضين أن يتم ابتزازهم بالشعبوية والتحريض القائم على عدم الاطلاع والتشويه الممنهج.

بغض النظر عن النقاش حول المثلية والمثليين ذاته، بالنسبة للهوية والميول والحرية والحقوق الجنسانية، وهو النقاش الذي يجب أن يخاض، في رأيي، على كافة المستويات المجتمعية وبصورة مباشرة وأن يفرض على أجندة النقاش في الحيز بدون تورية ولا تضمين وفي التحام مباشر مع الايديولوجيا المحافظة السائدة، ولا يوجد توقيت "مثالي" لخوضه، ولا يجب أن يسحق وأن يتم اسكاته تحت وطأة "أولويات النضال والصراع الرئيسة". لأن التحولات الاجتماعية في مجتمع السيولة الحداثية بالذات لا تلتزم بتوقيت ولا تنتظر مستكينة خلف الستار حتى يأتي دورها لتقدم عرضها على خشبة مسرح حينما يشير لها المخرج أو الفاعل الاجتماعي بذلك. ولنتكلم عن التشويه الشعبوي الذي يقوم به الغوغائيون ودونيتهم الأخلاقية في النقاش حول التصويت لقانون يجب أن يؤيده ويدعمه أي انسان "أخلاقي" يملك ذرة من الحس الانساني انتمى لأي تيار أو حزب أو فكر أو دين كان.

القانون يجرم ممارسة معينة معروفة للمطّلعين يدعى زورًا بأنها "علاجية"، وهي في الحقيقة "شعوذة" حقيقية لها تاريخ طويل في الغرب، وهي في شكلها المعروف من اختراع فرقة مسيحية أصولية أمريكية محافظة متطرفة، أقامت مركزا دينيا لاخراج ما ظنوا أنه "شياطين" تسكن المثليين في استحضار لمنهجية شعوذية في التفكير قادمة من القرون الوسطى المظلمة يتعامل مع المختلف على انه يحوي الشياطين في داخله. وتطورت من هذا المنطلق لتأخذ اشكالًا أخرى فيها من الوحشية والجهل والاعتداء على الانسانية ما لا يقبله أي انسان سوي. حتى قامت المؤسسات الطبية الامريكية بجميع انواعها وعلى تعدد توجهاتها بعد أن راجعت تفاصيل هذا العلاج وقررت بالاجماع بان "العلاج بالتحويل" ليس علاجا وانه تدمير لصحة الخاضعين لهذه الممارسة. وقد قامت اهم جمعيتين امريكيتين للطب العام والطب النفسي، بإصدار وثائق تدين وترفض "علاج التحويل" وتعتبره "شعوذة" واعتداء على الصحة العامة وطالبت كل الجمعيات بمنع هذا العلاج. ليتلقفها معاتيه المتطرفين والمشعوذين من المتدينين اليهود هنا في اسرائيل ويمارسون أشكالها الاجرامية على اطفالهم في مجتمعاتهم المغلقة. وفي الحقيقة المقصود بالقانون الذي طرح في الكنيست هو هؤلاء بالتحديد.

لكن في نهج الغوغاء وخلال لحظتهم الشعبوية المستفزة والمستنفرة الجنونية المرتجفة الفزعة الهستيرية التي يعيشونها ويفرضونها على الحيز العام في الأيام الأخيرة يغيب المنطق والأمانة والاطلاع الحقيقي والفهم الأولي والتدقيق البسيط وحتى فهم المقروء، ففي حال يصبح الاعتراض على دعوات المقاطعة لشركة عربية لكونها قامت بتبرع لجمعية معينة، ترويجًا للـ"شذوذ" والانحطاط المجتمعي وعداءً لقيم المجتمع والدين. يصبح التصويت مع قانون يمنع ممارسة اجرامية تسمى "العلاج بالتحويل" يعتبرها المجتمع العلمي ضربًا من ضروب "الشعوذة" وتؤكد كل الدراسات العلمية وكبار علماء النفس على ضررها بشكل تدميري على نفسية الخاضعين لها وقد تصل إلى الانتحار وفق ما تشير له كل الاحصائيات العلمية المعتمدة-يصبح هذا لوحده، في عرفهم الشعبوي الغوغائي ترويجًا للممارسات "الشاذة" وحربًا معلنة على المجتمع وقيمه وأعرافه وتقاليده وعلى الاسلام وحدوده، وربما يشكل خطرًا على وجود الله!- أهذا اعتراف ضمني أنكم تقدسون الوحشية والاجرام وتتخذونه عرفًا وعادة وتقليدًا؟

في الحقيقة هم حينما يدافعون، عن ممارسة "شعوذية"، تسمى "العلاج بالتحويل"، وهم لا يعرفون عنها أدنى الحقيقة اصلاً، تلك الممارسة التي اخترعها معاتيه المحافظين المتطرفين في الولايات المتحدة، فهم يتبنون اسلوبهم أيضًا في تشويه النقاش الاجتماعي والسياسي، ذلك الذي ناقشوه في الساحة الفكرية في السبعينيات هناك في امريكا-حيث حولوا المناظرة لتأخذ شكلا يضع كل ما يمكن أن يُفهم بوصفه تعبيرًا عن ذهنية معارضة على نحو يمكن أن يختلط في نتائجه مع هذا الضرب أو ذاك من "التطرف"، أي مهاجمة أطراف النقاش واتهامهم بشتى أنواع التهم "التكفيرية" والتخوينية والتدميرية بالمسميات فقط، بالقشور. فوضعوا رابطة مباشرة بين الحداثة وبين والعدمية، بين الدعوة لتدخلات الدولة في انحياز للفقراء وبين الشمولية والدكاتاتورية، بين نقد الإنفاق على التسلح بالاتهام بالخيانة والتواطؤ مع الشيوعية، بين النزعة النسويّة والكفاح من أجل حقوق المثليّين من جهة، وتدمير الأسرة من جهة أخرى، وبين اليسار بعامة والارهاب ومعاداة السامية والفاشية حتى. وهذا في تشويه لأساسيات للنقاش والمناظرة والمقومات الطبيعية لأي حوار حقيقي وتفريغه من مضامينة وملئه بالاتهامات والتحريض. وهذا ما يحصل هنا اليوم على يد الغوغاء وعلى رأسهم قادة الحركة الاسلامية ونشطائهم بالنسبة للنقاش في الاسابيع الأخيرة.

ولا يختلط علينا الأمر هنا، فان ما نراه منهم في هذه القضية ليس ظاهرة جديدة، ولا تخدعنا الـ"فزعة" الأخيرة وهذه الهستيريا المضاعفة حول هذه المسألة بالذات لما فيها من حساسية وتفجر بأن نتصور تفاقم أعراض ذات الظاهرة على انها أعراض لظاهرة أخرى. بل هي ذاتها الظاهرة القديمة والخدعة المألوفة وان اختلف موضوعها. قوى سياسية ايديولوجية رجعية تمارس ذلك الايهام عن تلك الثقافة والهوية المهددة والمتآمر عليها من جهات خارجية تحاول تدمير هذه الثقافة والهوية بأفكار "شاذة" وغريبة يحمل وكالتها فاعلون داخلويون في قلب ذات المجتمع المهدد. فتصور نفسها المدافع عن هذه الهوية المهددة أمام تلك الأفكار الشاذة، الفرسان المدافعون عن قلاع الهوية المحاصرة من التهديدات القادمة من الخارج مستهدفة ما يدعون أنه "قيم المجتمع" وهويته وثقافته. وهم يخلقون تماهيًا بين أيديولوجيتهم الرجعية وبين هوية المجتمع ويصورون أنفسهم المنقذ الوحيد لها في سبيل اعادة انتاج شرعيتهم وشرعية وجودهم في مواقعهم المسيطرة، واعادة انتاج هيمنتهم الايديولوجية على المجتمع والامساك بمفاتيح الايديولوجيا السائدة فيه. وهي اللعبة التي مارسوها ويمارسونها مع النسوية والنضال النسوي والمشاركة النسائية في الحيز العام الاجتماعي  والسياسي والجمعيات النسوية "الممولة من الغرب لتدمير مجتمعنا وقيمنا وتدمير أسرنا" كما يدعون، وضد كل القيم التقدمية والتنويرية  وضد كل حامل اجتماعي سياسي لها. تلك تمارس اليوم في استدعاء تهديد جديد، "فزاعة" جديدة يستطيعون بواسطتها احكام سيطرتهم على الجماهير الخائفة والمشوشة من عالم الحداثة السائلة والعولمة الثقافية الذي يتغير بسرعة من حولهم ويحمل معه تغييرات اجتماعية وثقافية جديدة.

لا يجب علينا أن نقع في الفخ الذي يضعونه لنا، لا يجب علينا هنا التراجع والاكتفاء بالدفاع في الزاوية التي تلتزم مسلماتهم ومنطلقاتهم الأيديولوجية والغوغائية التي يحاولون وضعنا فيها. نحن الذين نملك العلوية الأخلاقية هنا، النواب الذين صوتوا مع القانون هم الذي يملكون العلوية الأخلاقية هنا. لذلك نحن الذين نحاكم ونسائل انسانية وأخلاقية ومنطلقات اولئك الذين صوتوا ضد القانون واولئك المعترضين عليه والمهاجمين لمن يدعمه. أي مبدأ وأي اخلاق وأي دين وأي أعراف وتقاليد تلك التي تجعلك تدافع عن ممارسة وحشية اجرامية باعتراف كل العلماء والمواثيق الانسانية الدولية؟ نحن الذين نتهمكم هنا بالوحشية واللا أخلاقية واللا انسانية وتحطيم قيم المجتمع الانساني والعداء للتقاليد والأعراف الانسانية الكونية. فما هو دفاعكم؟

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين