من "جينات" تنظيميْنا السياسيين، حزبًا وجبهة، بناء أوسع التحالفات الكفاحية والمساهمة المنهجية لإنضاج ظروفها. فمع المدّ القومي بقيادة الزعيم الكبير جمال عبد الناصر، ومع أوّل انتفاضة شعبية في أيار 1958 التي قادها الشيوعيون في الناصرة وأم الفحم شارك فيها أيضًا المئات من خارج هاتين البلدتين، دعا الحزب الشيوعي إلى بناء "الجبهة الشعبية" بين الشيوعيين والقوميين. هذه الشراكة لم تصمد. ولكن بعد يوم الأرض الخالد 1976 والنضوج الوطني العميق أثناء التحضيرات له ورفع الجهوزية الشعبية، جدّد الحزب الشيوعي دعوته الاستراتيجية إلى بناء التحالفات فبنى الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والجبهات المحلية، وقد صمدت! ومن على بُعد أربعة عقود ونيّف نستطيع إدراك قوة الفكرة ورسوخها شعبيًا!
لكن هذا النضوج لدى الجماهير العربية لم يقابله نضوج حدّ أدنى لدى الجماهير اليهودية، رغم أن الحزب الشيوعي ومن ثمّ الجبهة بقيادتهما التاريخية بذلا جهدًا استثنائيًا، ومن هذه الجهود، لا كلّها، أن يكون يهوديًا المرشّحُ الأوّل للقائمة البرلمانية طيلة أربعين عامًا. ومن المفارقات أن يشغل "جبهويّ" غير شيوعي، سطحيّ القناعات والأداء مثل تشارلي بيطون، أربع دورات شبه كاملة، المقعدَ الثالث قبل الموقع الرابع الذي شغله فارس الجماهير العربية القائد الفذ توفيق زيّاد. هكذا كانت تفكّر وتتفانى القيادة التاريخية بمحاولاتها المخلصة لاختراق الشارع اليهودي أو قطاعات منه، ولكنّ النتائج لم تأتِ إلا بالنزر اليسير، اليسير جدًا!
* * *
للحزب الشيوعي بالأساس ومن ثمّ الجبهة نجاحات تاريخية مجيدة، وأبرزها: عبقرية البقاء في الوطن، التثقيف على النضال والهامة المرفوعة، مأثرة الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيزها، صناعة الأيام الكفاحية، مقاومة الفكر الظلامي وذاك الطائفي التفتيتي. وكلها مجتمعة إنجازات عزّ مثيلها في العالم العربي.. أيّ مجد هذا؟! مأثرة ومفخرة حقًا، وعلينا أن نواصل.
مع ذلك فهنالك جانب لم يحظَ بالنجاح، أو لنقل النجاح الواسع، وهو إقناع شرائح واسعة من الجمهور اليهودي بصحّة خطّنا وتجنيدهم للنضال من أجل القضايا المشتركة من خلال تنظيم واسع مشترك. إن كتابتي هذه لا تنافي وجود نجاحات منهجية وعينية، فإصرار الحزب الشيوعي والجبهة على هذه الشراكة رغم كل الظروف هو انجاز تاريخي، وأكتب "انجازًا تاريخيًا" لأن هذه الشراكة صمدت رغم أصعب الامتحانات القومية، ورغم حدوث انقساميْن مؤلمين (ثورة 1929، 1936، الانقسام على خلفية قومية 1943، النكبة الكبرى، انقسام 1965 حول الموقف من الامبريالية بشكل أساسي، حروب 1956، 1967، 1973، 1982، الانتفاضتان..) وقد حققت هذه الشراكة إنجازات بالوعي الشعبي، وإنجازات عينية مثل تنظيم "كامبوس" في الجامعات منذ أواسط السبعينيات حتى أواسط الثمانينيات ودوره المركزي جدًا حيث كان ندًا حقًا بالحياة السياسية في الجامعات. ونستطيع أن نشير إلى الفعاليات الشعبية المنهجية لحركة "تعايش" المنطلقة سنة 2000 ضد الاحتلال ومساندة الشعب الفلسطيني، وكذلك شراكات عينية متقطّعة طيلة عشرات السنين وآخرها المظاهرة الكبرى ضدّ الضمّ، ومع ذلك فالنجاح الجماهيري المنهجي بقيَ محدودًا، محدودًا جدًا..
لا نقاش داخلي بين رفاق الحزب والجبهة حول فكرة الشراكة اليهودية العربية وأهميتها، فهو، مرة أُخرى، من "جيناتنا" الفكرية. كذلك، جميعنا يتفق أن هناك تحركًا يهوديًا غير مسبوق، أؤكّد أن أبعاده غير مسبوقة، كتصويت نحو عشرين ألف يهودي للقائمة المشتركة (بمركباتها الأربعة!) والقناعة التي ترسّخت أنه: لا شيء ممكن بدون المواطنين العرب! وأن "اليسار الصهيوني" انهار بالانتخابات الأخيرة، وهذا الانهيار تاريخي وغير مسبوق منذ العام ١٩٤٨ وهناك مئات الألوف يبحثون عن عنوان، وبطبيعة الحال نحن لا يمكن أن نكون عنوانًا لجميعهم، ولكننا بالتأكيد عنوانٌ محتمل لجزء كبير منهم. وأذكر أن مظاهرة تل أبيب ضد الاحتلال والضمّ قد فاجأت الكثيرين، ونحن الذين نمثّل جماهيرنا في البرلمان نشعر بهذه الأجواء وهذا التحوّل في الشارع والفضاء العام والندوات.
هذا الأمر يحتّم علينا بمسؤولية وطنية، وأيضًا كأبناء مخلصين لشعبنا ولهذا النهج، أن نفكّر كيف يمكن استيعاب هذا التحوّل، والمساهمة بتحويله إلى قوة عربية يهودية بمواجهة التحديات، والمساهمة بفولذة قناعاته وتوجهاته.
• نضال حول المتفق عليه ونقاش حقيقي حول المختلَف عليه!
بدايةً لست متقيدًا بفكرة واحدة، ولكن الأساس هو أن يقرر الحزب والجبهة، لأن كل قرار بهذا الشأن يجب أن يصدر من هذيْن التنظيمين وليس بالالتفاف عليهما، وأكتب ذلك لسببين: أولا الانتماء إلى هذين التنظيمين، وثانيًا لأنه لن يُكتب النجاح لأية فكرة يهودية عربية دون موافقة وقيادة هذين التنظيمين.
هذه هي الظروف التي بها ملامح نضوج لإقامة جبهة يهودية عربية عريضة وفضفاضة من أجل السلام، المساواة، الديمقراطية والعدل الاجتماعي. اقترح لهذه الجبهة (أو الائتلاف أو..) أن تتفق على ما تتفق عليه، وما لا يقلّ أهمية أن تتفق أيضًا على ما تختلف عليه. الاتفاق يجب أن يكون على انهاء احتلال العام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية، وبالنسبة للمساواة، الديمقراطية والعدل الاجتماعي يجب كتابة بنود واضحة حول ماذا نتفق.
ويجب أن نتفق أيضًا على ما نختلف عليه لسببين:
1. لأن توضيح الاختلافات يساهم بتوضيح الاتفاق، ويساهم بمعرفة إذا كانت نقاط الاختلاف جوهرية بحيث تتناقض مع نقاط الاتفاق المرحلية.
2. لأننا مصرّون على المجاهرة بكل برنامجنا، وإقناع المختلِف معنا بطرحنا الاستراتيجي وليس فقط بهذه النقاط الأربع!
على الأرجح أن نكون مختلفين حول: الصهيونية، يهودية الدولة، النكبة، اللاجئين والمساواة القومية والتوجه الاقتصادي حتى نظام الحكم.. وطبعًا متفقون على إقامة دولة فلسطينية بحدود الـ67، والمساواة والديمقراطية والعدل الاجتماعي بخطوط عريضة متفق عليها.
* لا نتنازل عن ثوابتنا، بل نصرّ على مناقشتها!
هنا إلى جانب النضال المشترك حول المتفق عليه وهي القضايا الأهم والأكثر إلحاحًا بالسنوات القريبة، فإننا نعقد طاولة مستديرة دائمة لمثقفين عضويين، يهود وعربًا، يناقشون المسائل الاستراتيجية المختلف عليها. ومن تجربتي المكثفة بالسنوات الأخيرة بالحوار مع مجموعات يهودية (لنسميها يسارية) فمعظمهم يفهم المساواة القومية أنها مبنى دستوري ثنائي القومية أشبه بكندا أو بلجيكا، بحيث يشمل وجود برلمانيْن للعرب ولليهود، وحكم ذاتي للعرب. ولكن بتوضيح بنود المساواة القومية من أبسطها حول مكانة اللغة العربية، أو الحق بالتأثير الجوهري على مضامين التعليم إلى الاعتراف بالغُبن التاريخي من حكم عسكري ومصادرة أراضي ومجزرة كفر قاسم ويوم الأرض وأكتوبر 2000 وحتى مسألة الاعتراف بالنكبة وقضايا المهجّرين، بالإضافة إلى حقيقة أن دولة إسرائيل أقامت سبعمئة تجمّع جديد فقط لليهود مقابل صفر للمواطنين العرب، فتجد هنا إمكانيات كبيرة جدًا للاتفاق حول أجزاء واسعة جدًا من المساواة القومية.
تبقى أمور عالقة بالتناقض البنيوي مع فكرة الدولة اليهودية، ولكن أيضًا موضوع يهودية الدولة هو أمر مركّب، فإلى جانب رفضنا الجوهراني والفعلي لأية فوقية يهودية جماعية وفردية داخل الدولة أو على الدولة، وبالأساس داخل وطننا نحن أو عليه! توجد أيضًا مساحات للتقدّم بين من يريد يهودية الدولة بمفهوم معنوي حول تجسيد الحقّ بتقرير المصير للشعب اليهودي دون أن يناقض ذلك جوهريًا المساواة القومية والمدنية، وبين الفكر الذي يدعو إلى الفوقية الاثنية مثل "قانون القومية" أو حتى الفكر التهجيري الذي ما زال معششًا في العقول العنصرية. وكل هذه الأسئلة خاضعة للنقاش المباشر المتكافئ الذي نهدف من خلاله إلى تعزيز قناعاتنا، ولكننا لسنا محاورين بيزنطيين، وإنما مناضلون شعبيون من أجل المتفق عليه ومحاورون عضويون لفولذة أعمق ما يمكن من المفاهيم.
أردت أن أوضح بحدة أن فكرة الجبهة العربية اليهودية (أو اليهودية العربية) تهدف إلى الاتفاق حول الأمور الجوهرية الملحّة للسنوات القادمة كمناهضة الاحتلال والفاشية وغيرهما، وبالوقت ذاته أن لا نعفي شركاءنا من الأسئلة الجوهرية والاستراتيجية مثل الصهيونية ويهودية الدولة وحقوقنا القومية كأهل هذا الوطن.
خلاصة
- الأمر الأساس أننا نحافظ ونطوّر مؤسساتنا الحزبية والتنظيمية، حزبًا وجبهة.
- نخوض الانتخابات القادمة بالقائمة المشتركة بأربعة مركبيها.
- هنالك تطوّر موضوعي لدى الجمهور اليهودي ومن معالمه تصويت نحو عشرين ألف مواطن يهودي للقائمة المشتركة، وهو عدد غير مسبوق. وترسيخ القناعة أنه لا يمكن تغيير الوضع القائمة بدون المواطنين العرب، بدون شراكة يهودية عربية. والحقيقة الثالثة والتاريخية هي انهيار "اليسار الصهيوني" ووجود مئات الألوف من اليساريين بدون بيت سياسي أو عنوان.
- الجبهة اليهودية العربية (أو الائتلاف أو المعسكر الديمقراطي) هي جبهة شعبية ميدانية غير برلمانية، نتفق بها على القضايا الكبيرة الأهم للسنوات القريبة القادمة وفي صُلبها إنها الاحتلال والانتصار على الفاشية، ونعقد مع شركائنا حوارات منهجية للاتفاق وترسيخ مفاهيمنا الأعمق والأكثر استراتيجية.
//الصورة
المظاهرة الكبرى ضدّ الضمّ في 5 حزيران الأخير



.png)

.png)






.png)

