حين بلغني نبأ رحيلك، يا نبيل، عادت بي الذّاكرة إلى لحظات طفولتي البريئة التي قضيتُها بجواركَ. لم تكن جارًا للطفولة فحسب، بل كان بيتكم هو بيتنا الثّاني، وكم كنّا نفضِّل البقاء عندكم على العودة إلى بيوتنا! لقد كانت أيامًا لا تُمحى من الذّاكرة، غمرها دفء تلك العائلة الرائعة، عمو أبو نسيم و"آنتي" أم نسيم، الذين غمرونا بكلّ حب واحتواء. كانت تلك الأيّام مليئة بالضحكات والفرح، وكم كان لقصصكَ الخياليّة سحرٌ خاصّ يأسُرنا!
كنتَ حكواتيًا لا مثيل له، نترقّب كلّ ليلةٍ "الحلقة التالية" من حكاياتك الممتعة. كنّا نجلس حولكَ ننصت بانتباهٍ شديدٍ لكلماتك التي كانت تنسج عوالمَ ساحرة في مخيّلتنا. لم تكن هذه القصص مجرّد تسلية عابرة؛ بل كانت البذور الأولى للقيم النّبيلة التي زرعتَها فينا دون أن ندري، وغذَّت أرواحنا الصّغيرة بالحكمة والإلهام. كنّا نتشوّق لسماعها ونعيش تفاصيلها كأنّها حقيقة نراها بأعيننا.
منكَ، يا نبيل، تعلّمنا معنى الصّدق الذي لا يتزعزع، والأمانة التي لا يشوبها شكّ، والإخلاص الذي ينير دروب الحياة. كنتَ لنا قدوةً حقيقيّة في كل هذه الصّفات. لكن الأهم من كل هذا، أنك علَّمتنا المعنى الحقيقي للإنسان الوطني الشريف؛ كنتَ مثالًا حيًّا للنّزاهة والشّرف، وللطيبة التي لا تعرف حدودًا. لقد تركتَ بصمةً لا تُمحى في قلوبنا وعقولنا، وأثرًا سيبقى محفورًا في ذاكرتنا إلى الأبد.
رحلتَ عنّا بجسدكَ، لكن ذكراك الطيّبة، وقيمك النبيلة، وصدى حكاياتك، ستظلّ محفورة في وجداننا. ستبقى قصصكَ رفيقة دروبنا، وسيبقى صوتكَ يتردّد في ذاكرتنا كلّما استرجعنا تلك الأيّام الغالية. نم قرير العين، يا نبيل، فما زرعَته من خير سيبقى يثمر في الأجيال القادمة، وينير دروبهم كما أنار دروبنا. وداعًا يا من علَّمتنا كيف يكون الإنسان إنسانًا بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى. نبيل، لقد كنتَ لنا بمثابة الأب أو الأخ الكبير، الذي يشعر بمسؤولية عميقة تجاهنا، ويرعانا بكل حبٍّ واهتمامٍ بالغ.
جارة الطفولة، حيفا






.jpeg)

.png)

