كَانَ مِنْ بَيْنِ الذُّهُولِ وَتَبَارِيحِ الرَّدَى... وَالشُّحُوبِ وَالنُّحُولِ.. يَتَبَدَّى مَارِدَا
تَتَغَنَّى شَفَتَاهُ بِحَدِيثٍ كَاللَّهِيبْ..... وَتُنَادِي قَبْضَتَاهُ.. لِلْكِفَاحِ لَا الطَّبِيبْ
لَيْتَ مَنْ يَبْكِي عَلَيْهِ وَيُوَاسِي النَّائِحِينْ..... ضَمَّ لِلْحِزْبِ يَدَيْهِ.. حِزْبُ كُلِّ السَّائِرِينْ
حَسِبُوهُ مَاتَ ضَاعَ..... إنَّهُ يَحْيَى بِنَا..... إنَّهُ حِينَ تَدَاعَى.... صَاحَ عاشَ حِزْبُنَا
فَلتَعِشْ ذِكْرىَ صَلَاحٍ.... رَمْزُ حِزْبٍ لَا يَلِينْ.... فَلْنُعَبِّرْ بِالْكِفَاحِ... عَنْ أَمَانِي الشَّهِيدْ
من نشيد " صلاح" في ذكرى صلاح بشرى عدلان من الحزب الشيوعي السوداني
الحُضُورُ الكَرِيمُ، الرَّفِيقَاتُ وَالرِّفَاقُ، بِدُونِ حِفْظِ الأَلْقَابِ وَالمَقَامَاتِ كَعَهْدِي بِنَبِيلٍ.
لَمْ أَرَ إِجْمَاعاً مُتَطَابِقاً وَمُحْكَماً عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ - نَبِيل نَاصِر عُوَيْضَة. أذ جاء في الكتاب "سيرة لا تحترق": فَنَّانٌ وَإِعْلَامِيٌّ وَمُبْدِعٌ، النَّبِيلُ، يَتَحَدَّى الغِيَابَ، المُقَاوِمُ، ألمانيّ التربية في الدقّة، سَبَّاحُ المَسَافَاتِ الطَّوِيلَةِ وَالقَصِيرَةِ، إِنْسَانٌ، حَامِلُ الفِكْرِ، الطَّيِّبُ، شِيُوعِيٌّ أَصِيلٌ، عَلَامَةٌ فَارِقَةٌ، قَائِدٌ ثَوْرِيٌّ، مُنِيرُ الدُّرُوبِ، الأَبُ، رَجُلُ المَبَادِئِ وَالقِيَمِ.... وَغَيْرُهَا. وَهَذَا غَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ.
وَفِي هَذِهِ المُنَاسَبَةِ سَأَسْتَمِيحُكُمْ عُذْراً لِأَتَمَكَّنَ مِنِ اسْتِخْدَامِ مَنْهَجِيَّةِ الدُّخُولِ وَالخُرُوجِ مِنَ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ (لِنُسَمِّهَا الأَمْكَنة وَالتَّزْمِينَ حسب د. أليف فرانش) لِأَسْتَحْضِرَ -أَوْ قُلْ لِأَنْفَصِمَ- لِعِدَّةِ شَخْصِيَّاتٍ مِنْ خِلَالِهَا أَسْتَطِيعُ الوُصُولَ إِلَى تِلْكَ العَلَاقَةِ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَ نَبِيلٍ.
فَتَارَةً سَأَكُونُ ذَلِكَ الشِّبْلَ مِنْ أَبْنَاءِ الكَادِحِينَ، وَتَارَةً مِنْ أَعْضَاءِ الشَّبِيبَةِ، وَأُخْرَى هَا أَنَا، أَنَا الآنَ ابْنُ الخَمْسَةِ وَالسِّتِّينَ عَاماً. كُنْتُ أَسْمَعُ وَمِنْ نَبِيلٍ بِالذَّاتِ مُصْطَلَحَاتٍ مَا زَالَتْ تَطِنُّ فِي أُذُنِي: اجْتِمَاعُ كَادِرٍ، مُيُوعَةٌ تَنْظِيمِيَّةٌ، الخَلِيَّةُ، اجْتِمَاعُ "أَكْتِيف"، الالتزام الحزبي، تَوْزِيعُ مَنْشُورِ "تَيَّار"، تَوْبِيخٌ شَدِيدُ اللَّهْجَةِ (كُنْتُ أَقُولُ: وَلْ.. شُو السِّيرِي؟)، الِانْتِقَادُ وَالِانْتِقَادُ الذَّاتِيُّ، المركزية الديمقراطية، أَبْنَاءُ الكَادِحِينَ.
تَوْزِيعُ مَجَلَّةِ "الغَدِ" أَيَّامَ السَّبْتِ فِي الفُرَيْدِيسِ وَجِسْرِ الزَّرْقَاءِ وَعسْفِيَا وَالدَّالِيَةِ. مُظَاهَرَةٌ وَتَظَاهُرَةُ رَفْعِ شِعَارَاتٍ، لَجْنَةُ الفَرْعِ، المِنْطَقَةُ، الغَابَةُ الحَمْرَاءُ، المُعَسْكَرُ الِاشْتِرَاكِيُّ وَعَلَى رَأْسِهِ الِاتِّحَادُ السُّوفِيَاتِيُّ العَظِيمُ، الاستعمار، الِانْتِخَابَاتُ، الِاعْتِقَالَاتُ وَالإِجْرَاءَاتُ القَانُونِيَّةُ، مِهْرَجَانُ الصَّحَافَةِ، مُؤْتَمَرُ الحِزْبِ وَالشَّبِيبَةِ. طَبْعاً أَسْتَحْضِرُ هٰذِهِ الْعِبَارَاتِ لَيْسَ تَهَكُّماً، بَلْ حِرْصاً عَلَى الدِّقَّةِ وَالْأَمَانَةِ التَّارِيخِيَّةِ، ولَوْلَا هٰذِهِ الْمُصْطَلَحَاتُ وَمُمَارَسَتُهَا لَما.....بقينا ...انتو كملو !!!
وَلَوْ كَانَ نَبِيلٌ الآنَ بَيْنَنَا لَقَالَ: "شُو قَاعِدِين بِتْسَوُّوا هُون يَا رِفَاق؟ في توزيع مناشير!
الرفاق بَسَّام حداد وهشام روحانا وسلوى نقارة – بُكْرَة السَّبْت تَوْزِيع مجلة الغَد وصحيفة الاتحاد فِي عسفيا والدَّالِيَة.
مَاجِد ومازن خمرة ورفيق الصلح وَعِصَام زين الدين وَخَالِد تركي -فِي الفُرَيْدِيس وَجِسْر الزَّرْقَاء.
جَمَال عَاشُور وَأَنْوَر وَجُول جَمَال وهيفا زريق ولميس حبيب - تَوْزِيع مَنْشُور فِي الواد والهَدَار وَسُوق تَلْبِيُوت". هكذا!
وَجَدْتني فَتًى فِي تِلْكَ البِنَايَةِ، فِي بُسْتَانِ الشِّيُوعِيَّةِ الَّذِي أَرَادُوهُ بُسْتَاناً لِلْبَلَدِيَّةِ، لَكِنْ "رَاحَتِ" كلمةُ البَلَدِيَّة..... وَبَقِيَتِ الشِّيُوعِيَّةُ فكرا متجسدا في هذا البستان. كُنْتُ يَافِعاً حِينَ سَلَّمَنِي نَبِيلٌ الرَّبْطَةَ الحَمْرَاءَ وَمَعَهَا بِطَاقَةُ الِانْتِسَابِ إِلَى اتِّحَادِ الشَّبِيبَةِ الشِّيُوعِيَّةِ. قَالَ لَنَا يَوْمَهَا: "هَذِهِ لَيْسَتْ بِطَاقَةً تُوضَعُ فِي الجَيْبِ، إِنَّهَا شَهَادَةٌ لِلنِّضَالِ لَهَا مَكَانٌ فِي العَقْلِ وَالقَلْبِ".
وَفِي الِاجْتِمَاعَاتِ، كَانَ صَوْتُهُ عَقْلَانِيّاً لَكِنَّهُ لَا يُسَاوِمُ. فِي المُظَاهَرَاتِ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَحْمِلُ الرَّايَةَ وَآخِرَ مَنْ يُغَادِرُ السَّاحَةَ. وَفِي كُلِّ لَحْظَةٍ، كَانَ نَبِيلٌ يُجَسِّدُ المَعْنَى الحَقِيقِيَّ لِلوَطَنِيَّةِ، لِلأُمَمِيَّةِ وَالطَّبَقِيَّةِ. لَمْ يَرَ النِّضَالَ مَسْأَلَةً مَحَلِّيَّةً ضَيِّقَةً، بَلْ جُزْءاً مِنْ مَعْرَكَةِ شُعُوبِ العَالَمِ ضِدَّ الِاسْتِغْلَالِ وَالتَّمْيِيزِ وَالِاحْتِلَالِ.
عَلَّمَنَا نَبِيلٌ أَنَّ الصِّدْقَ مَعَ الذَّاتِ هُوَ أَسَاسُ الصِّدْقِ مَعَ الجَمَاهِيرِ، وَأَنَّ الصَّلَابَةَ لَا تَعْنِي التَّشَنُّجَ، بَلِ الثَّبَاتَ الوَاعِيَ عَلَى المَوْقِفِ، حَتَّى حِينَ يَكُونُ الثَّمَنُ بَاهِظاً. كَانَ يُرَدِّدُ دَائِماً: "نَحْنُ لَا نَخْتَارُ الطَّرِيقَ الأَسْهَلَ، بَلِ الأَصْدَقَ". وَهَذِهِ الكَلِمَاتُ لَا تَزَالُ تَتَرَدَّدُ فِينَا كُلَّمَا اشْتَدَّتِ العَوَاصِفُ وَتَعَدَّدَتِ الإِغْرَاءَاتُ.
وَالآنَ أَذْكُرُ أَنَّ كُلَّمَا انْتَهَيْتُ مِنْ إِلْقَاءِ كَلِمَةِ المُبَارَكَةِ لِلطُّلَّابِ الخِرِّيجِينَ مِنْ مَدْرَسَةِ "مَارِيُو حَنَّا" الإِنْجِيلِيَّ وَأَعُودُ إِلَى مَقْعَدِي، كَانَ يُوَشْوِشُنِي: "كَمِّلْ، عَفَاكَ يَا رَفِيق!". فَكُنْتُ أَهْمِسُ فِي دَاخِلِي: "مَا زَالَ قَائِداً يَحُثُّنَا وَيُشَجِّعُنَا". وَعِنْدَمَا قُمْنَا قبل سنة أو أكثر بِتَحْضِيرِ مُحَاضَرَاتٍ فِي المَارْكِسِيَّةِ بِمُبَادَرَةِ عُلَا الابْنَةِ، كَانَ يَقُولُ: "كَمِّلْ كَمِّلْ، شَفَيْتَ غَلِيلِي يَا رَفِيق". لأنه كان شغوفا ومؤمنا بقوة الثقيف النظري.
وَإِنْ أَنْسَ فَلَنْ أَنْسَى نَظَرَاتِ نَبِيلٍ الأَبِ عِنْدَ إِشْهَارِ دِيوَانَيْ ابْنَتِهِ "أَجْرَاسُ عَاصِفَةٍ" وَ"لَيْلٌ لَا يُشْبِهُ اللَّيْلَ" فِي 11/7/2024، وَمِنْ عَلَى هَذَا المِنْبَرِ حِينَ كُنْتُ أَحَدَ المُتَحَدِّثِينَ جَلَسَ نَبِيلٌ بَيْنَ الجُمْهُورِ مَعَ جِهَازِ التَّنَفُّسِ، وَكُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ لِأَتَفَرَّسَ فِي عُيُونِهِ الإِعْجَابَ وَالتَّشْجِيعَ. نِعْمَ الأب.
رَحَلَ نَبِيل عُوَيْضَة، لَكِنَّ رُوحَهُ لَا تَزَالُ حَيَّةً فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا حَيْفَا الحَمْرَاءِ حلما، وَفِي كُلِّ رَفِيقٍ وَرَفِيقَةٍ يَحْمِلُونَ الشُّعْلَةَ وَيُكْمِلُونَ الطَّرِيقَ. لَقَدْ تَرَكَ لَنَا إِرْثاً لَا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ: الإِيمَان بِالإِنْسَانِ، بِالحُرِّيَّةِ، بِالعَدَالَةِ وَالِاشْتِرَاكِيَّةِ، وَبِأَنَّ النِّضَالَ الصَّادِقَ لَا يَمُوتُ، بَلْ يَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ جِيلٍ جَدِيدٍ.
وَدَاعاً يَا نَبِيل، لَمْ تَرْحَلْ فِعْلًا، بَلِ ازْدَدْتَ حُضُوراً. فهيا الى النضال!






.jpeg)

.png)

