بين النظام البوليسي والجريمة الوظيفية: قراءة في موجة الاحتجاج

A+
A-
ظاهرة الكبرى في تل أبيب ضد الجريمة وتواطؤ الحكومة والشرطة (تصوير الاتحاد)

ظاهرة الكبرى في تل أبيب ضد الجريمة وتواطؤ الحكومة والشرطة (تصوير الاتحاد)

يقرأ كل فعل احتجاجي على أكثر من مستوى، الأول هو مدى هذا الحراك، ومستوى آخر هو عقله وآليات اشتغاله، ويرصد هذا العقل من خلال جانبه المعنوي، أي خطاباته وشعاراته ومطالبه.

 لا أريد أن أبدأ من المواضيع التي قتلت بحثًا والتي تعتبر من المسلمات في فهم علاقة إسرائيل بنيويًا بالفلسطينيين أصحاب المواطنة الإسرائيلية، من الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري (الأبارتهايد) والجريمة كظاهرة استعمارية تقتات على تفتيت المجتمع في كل المراحل، بل من طرق إدارة هذه كله في المرحلة الحالية وما اختلف بعد السابع من أكتوبر. 

خلاصة المرحلة الممتدة منذ السابع من أكتوبر للقضية ككل هو إدخالها في مرحلة وجودية، بالمعنى القبيح للكلمة، وفي الداخل تشكيل نظام إدارة بوليسي، أو شبه بوليسي مباشر، تم قوننته وفق قانون الإرهاب بإعطاء صلاحية إدارة مباشرة ومصادرة ممتلكات للأجهزة الأمنية. 

يتم إحكام السيطرة على الداخل عبر ثنائية النظام البوليسي وعصابات جريمة وظيفية. يقوم النظام البوليسي على التغول في كل مناحي الحياة عبر القوى الأمنية وأجهزة الرقابة، ويفرض هذا النظام رقابة صارمة على مصادر القوة المستقلة اجتماعيًا سياسيًا ولا سيما في المؤسسات التربوية، وتعاد هيكلة جهاز الأمن الداخلي عبر سلسلة من التعيينات الأيدولوجية والزبائنية، وتسود ظاهرة المجتمع المراقَب والطاعة انطلاقًا من الرعب.

أما عصابات الجريمة المنظمة، سواء المتعاونين المباشرين أو العصابات الفرعية المنتشرة على النمط المكسيكي، فإنها تؤدي دورًا وظيفيًا قوامه دفع أكبر عدد ممكن إلى الهجرة عبر تهديد وجودها الفعلي.

في هذه الثنائية يؤدي النظام البوليسي وظيفة ضبط الوجود السياسي للأفراد عبر الهيمنة على المشاعر والطموحات وتخيس كل قيمة سامية كالإبداع والبطولة، وتعميم عدم الجدوى وعدم المعنى وإعطاء صلاحية العنف إلى العصابات الوظيفية، التي تؤدي وظيفة تهديد الوجود الفعلي للجماعة البشرية كما أسلفنا.

 الطبقات الوسطى والتجار في التجمعات الما بعد فلاحية، هم أكبر المتضررين من هذه الثنائية المقيتة وبالتحديد ظاهرة "الخاوة" (الإتاوة)، لذلك لا غرابة أنهم كانوا شرارة حركة الاحتجاج التي انطلقت من سخنين، على هذه الفئات يصطلح بالبرجوازية المدينية في حالات مشابهة.

في مظاهرة سخنين (27.1.2026) بُعث ما يمكن تسميته ب"مجتمع المظاهرات"، الذي حمل كل أنواع الهتافات والشعارات: هتافات الشوارع، هتافات وطنية، هتافات الوحدة الوطنية، شعارات التآخي الديني، هتافات الألتراس وحضورهم المهيب. 

مشهد "مجتمع المظاهرات" خلاب رغم بعض الملاحظات على إمكانية تعديل بعض الهتافات لتكون أكثر ملاءمة للمرحلة، مثل تغيير هتاف "الموت ولا المذلة" إلى "لا موت ولا مذلة"، فيما أراه أكثر ملاءمة للمرحلة.

بعد مظاهرة سخنين صعدت روح وثابة في التجمعات الما بعد فلاحية في شمال البلاد أكثر من غيرها عبر مبادرات لعدة احتجاجات، ورد فعل سريع على كل حادثة إجرام، وهذا ما شهدناه بإضرابات قرى طمرة وإعبلين الذي كان ردًا سريعًا على الجرائم الأخيرة في هذه البلدات.

وسط الاحتجاجات المتصاعدة تبرز المعارضة من شخصيات من الائتلاف الحاكم بالذات، بنفس الطرق الوضيعة واللئيمة التي تريد إعفاء إسرائيل من مسؤوليتها اتجاه العنف بتبريرات ثقافوية، وأي تبرير غبي آخر، وكل هذه التبريرات التافهة لا تخرج من منطق مقولة جولدا مئير: "لا نستطيع أن نسامح العرب أننا نقتل أبناءهم". 

وبالوصول إلى مظاهرة تل أبيب فالزخم لم يختلف عن مظاهرة سخنين، ولكن كان هناك نقاد للمظاهرة من باب ما اعتبر اتساخًا في الهوية الوطنية، بالنظر لوجود قوى يهودية ترفع شعارات ولغة تتناقض مع ما نعتبره أساسيات في نظرتنا للقضية. مظاهرة تل أبيب وفق التقديرات هي أكبر احتجاج جماعي عربي-يهودي منذ النكبة، رغم التجاذبات والتناقضات، واختلاف المنطلقات والرؤى.

الشعارات العربية كانت منضبطة ولم تفصل المشروع الصهيوني الإبادي عن آفة الجريمة، وخطاب رئيس لجنة المتابعة جاء منضبطًا بهذه المعايير والأساسيات.

أهمية مظاهرة تل أبيب، كمحطة ضمن مسار، في كونها تتحدى اللغة السياسية الإبادية التي تطبع حالة الجريمة، وتهدف إلى إزاحتها عن مركز اللغة السياسية (في هذا الموضوع بالذات) وزجها إلى الهامش، عبر تحقيق سيادة اللغة التي تُذَنِب إسرائيل بالكامل في موضوع ظاهرة الجريمة.

تكتسب اللغة الجديدة مشروعيتها في البداية من كونها وعدًا واقعيًا ومن ثم تنمو بكل إنجاز جديد تحققه حتى تحقق السيادة مكان اللغة القديمة، وتصير مقاومتها مقتصرة على العنصريين المنتفعين من الجريمة سياسيًا.

بتتبع تصاعد الفعل الاحتجاجي وآلياته، سواء المبادرات الأولى للحرمان الاقتصادي والمقاطعة، أو الدعوات العلنية لعصيان مدني سلمي، يكون الطريق بوضوح هدفه الوصول إلى انتفاضة شعبية سلمية تساهم في تغيير المعادلة، ومن المبشر أن هذا الحراك يضع الأسئلة الملحة أمامه لكي لا ينتهي فعلًا سطحيًا يعود أضداده أقوى من ذي قبل فور انتهائه، كما كان الأمر مع حراكات سابقة كحراك مكملين (2019) وحراك أم الفحم (2021) رغم استمرار الاثنين لفترة زمنية جيدة.

ربما لعب الحظ دورًا في تزامن الفعل الاحتجاجي مع موسم الانتخابات بما يقلل نفور المشاركين من "التسييس"، إذ كانت الخلاصة الأولى هي فرض تعهد بتشكيل القائمة المشتركة من جديد في ختام مظاهرة سخنين، في لحظة تشي بمزاج جماهيري يصوب أصابع الاتهام للائتلاف الحاكم والمؤسسة ويستهدف رموزه وبالذات بن غفير في شعاراته، ويريد إسقاط الحكومة اليمينية، وهذا ممتاز لأنه لا يوجد احتجاج يستمر إلى الأبد بدون تسييس، فكل فعل احتجاجي بعد انتهاء زخمه الجماهيري ينتج تحالفات سياسية وحزبية تشكل ظهيرًا وحاملًا لتصوراته وتطلعاته في حقل السياسة.

نشخص التصور السياسي وفق تشخيصنا الأول للمرحلة، وبالتحديد نخلص إلى نقطتين في المرحلة الحالية، تثبيت وجودنا السياسي كلاعب مستقل، وثانيًا بإسقاط حكومة اليمين.

هذه الحدود لما نرجو أن يتحول إلى انتفاضة شعبية سلمية والتي في مرحلتها التالية إذا ما تكلل لها النجاح عليها التفكير في أجوبة لأسئلة أعمق عن التعليم والتصنيع وفرص العمل وتكلفة السكن والبناء وقلة الأراضي المرخصة للسكن، وهذه كلها قضايا سياسية.

في الجانب السياسي معادلة لاعب سياسي مستقل وإسقاط اليمين هي الأكثر منطقية والمعادلة السياسية الوحيدة المطروحة، سيكون على الأحزاب -باستثناء الحركة الإسلامية الجنوبية التي حسمت خياراتها- أن تصيغ شكل علاقاتها بالائتلاف القادم وطرق التعاطي معه سواء كان معسكر الصهاينة الليبراليين العساكر أو ائتلاف من نوع ما يسمى الوحدة الوطنية، لكي تخرج المعادلة من قصور عدم الإجابة على "ثم؟" ولو أن حدود المعادلة السياسية سالفة الذكر كاف لهذه المرحلة.

وسيبقى أمام المجتمع نفسه أشواط في مسيرة التحديث ضمن بنية تدجين استعمارية، وستبقى أسئلة شبكات الأمان ومنسوب التضامن الاجتماعي ملحة خاصة حيث تفككت الروابط بشكل كبير في التجمعات الما بعد فلاحية.

المعركة اليوم هي على تثبيت وجودنا السياسي والفكاك من ثنائية النظام البوليسي والجريمة الوظيفية، وحراكنا قد يكون الرافعة التي تنقلنا إلى بر الأمان بأسرع ما يمكن.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-02-05 09:09:40

بين النظام البوليسي والجريمة الوظيفية: قراءة في موجة الاحتجاج

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-02-03 16:02:51

الإرهاب الداخلي لإدارة ترامب: الفوقية العرقية، عنف الدولة، والاعتداء على الديمقراطية

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-02-03 08:59:38

من استنفاد الماضي إلى بناء المستقبل: نحو صحوة وطنية

featured
تقرير خاصت
تقرير خاص
·2026-02-02 11:55:25

منح دعم ثقافية: موقع "تذكرتي" يطلق صندوق الأثر الثقافي لدعم الجيل الجديد من الإبداع العربي

featured
هناء محاميده
هناء محاميد
·2026-02-02 09:40:35

إسرائيل تقتُلُنا

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-02-01 18:09:00

الأرض "لسيدي وستّي مش لشارع 6"

featured

مجلس ترامب ومفتاح غزة

featured
با بكر الوسيلةب
با بكر الوسيلة
·2026-01-30 13:03:57

زهرةٌ لولدي من جُرح فلسطين