نسمع في الآونة الأخيرة أصواتًا وطرحًا يشجع الحكومة على الإعلان عن منظمات الإجرام كـ"منظمات إرهابية". نحن نحذر بشدّة من هذا التوجّه. صحيح أنّ هذا الطرح يأتي أحيانًا من باب اليأس والغضب وحتى الشعور بالعجز أمام استفحال الجريمة ومسلسل الدماء ، إلا أنه في جوهره، بوعي او بغير وعي، يخدم الحكومة الفاشية ومخططاتها ويمنحها شرعية ودعما خطيرا لتوسيع أدواتها القمعية، ويمنح غطاءً لمعاملة الجمهور العربي برمّته كـ"تهديد أمني أو إرهابي للدولة"، بل يعزز التوجه اليميني الذي يصف الجماهير العربية كلها أنها "داعمة للإرهاب" .
طرحت لجنة الأمن القومي البرلمانية في الأشهر الاخيرة ممثلة برئيسها النائب تسفيكا فوغل، عضو حزب المأفون بن غفير، اقتراح قانون يدعو الى ذلك. ولكن بعد جلستي نقاش وبعد ان أكد مندوبو الوزارات المختلفة، القضاء وحتى الشاباك معارضتهم الشديدة للقانون وحذروا من تبعاته القاسية والصلاحيات غير المسبوقة التي يمنحها لوزير الأمن القومي، اضطر فوغل الى اجراء تعديل الغي فيه مصطلح "منظمات الارهاب".
كمن أتابع هذا المسار عن كثب، من الواضح ان هناك هدفا لدى هذه الحكومة يتلخص باستغلال النضال ضد الجريمة لشن معركة ضد الجماهير العربية نفسها. هدفنا واضح: محاربة منظمات الإجرام فعليًا، لا تكريس سياسات التجريم الجماعي للمجتمع العربي.
ان الشرطة بقيادة بن غفير يهمها موضوع الجريمة فقط بقدر ما يمكن استغلاله فيه لتوسيع صلاحياتها وتعزيز ادواتها القمعية. اذ ان استماتتهم في طرح قانون ونظريات الإرهاب سيفتح الباب أمام تفعيل أدوات استثنائية وخطيرة. من بين هذه الأدوات إمكانية حرمان المعتقل من المثول أمام قاضٍ ومنعه من لقاء محامٍ لفترات قد تصل إلى 21 يومًا، وهو مسّ خطير بالحق الأساسي في التمثيل. كما سيسمح بتوسيع صلاحيات التنصّت، واختراق الهواتف الذكية ونسخ كافة محتوياتها، بما في ذلك الرسائل، الصور، الملفات والمحادثات، دون تمييز كافٍ بين المشتبه به وأشخاص آخرين لا علاقة لهم بعالم الجريمة أصلًا، من أفراد عائلة، أصدقاء، زملاء عمل. كذلك قد تُستخدم وسائل تكنولوجية متقدمة للمراقبة وجمع المعلومات بشكل واسع، ما يحوّل المجتمع بأسره إلى ساحة رصد دائم ويُضعف الحق في الخصوصية والحياة الخاصة، ويتيح تحت بند الحق بالحفاظ على سرية الادلة وعلى الاستناد الى معلومات استخباراتية تحويلنا جميعا الى ملاحقين لا نملك حتى وسائل الدفاع عن انفسنا.
هذه الأدوات، التي طُوّرت أصلاً لمكافحة الإرهاب، قد تُستخدم ضد مواطنين في قضايا جنائية عادية، مما يمسّ بالخصوصية والحقوق الأساسية ويخلق سابقة خطيرة لتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية على حساب الحريات المدنية.
نحن نرفض تحويل أزمة الجريمة إلى ذريعة لتكريس سياسات استثنائية دائمة. المطلوب خطة شاملة تعالج الجريمة والبنى التحتية التي تنمو عليها ، المطلوب ان تقوم الشرطة بأداء دورها بشكل مشابه لما تقوم به في الناحية اليهودية.
وأمر آخر لا بد من الالتفات له واتخاذ الحيطة تجاهه، هو أن النضال الشعبي والسياسي المتصاعد في مجتمعنا العربي وبدء اختراق الصمت الذي أحاط بقضية الجريمة وحجب المعلومات عن الشارع اليهودي، ونجاح هذا النضال في طرح القضية على الرأي العام الاسرائيلي مع كل ما يحمله هذا النضال من رسالة قوة ووحدة، بدأ يقلق المؤسسة الاسرائيلية واذرعها المختلفة وبدأنا نرى محاولات لاحتواء هذا النضال وخفض سقف مطالبه وعلينا أن نحاذر من هذا ايضا.
هذا النضال الجماعي الذي عززته المبادرات الشعبية هو ملك لهذه الجماهير، ولا يحق لأي كان ان يبادر الى مبادرات فردية قد تؤدي، ولو بحسن نية، الى مصائب ترافقنا لأمد طويل.







.jpg)

.png)



.png)

