حين حاولت الخوارزمية أن ترسم الذاكرة، فشلت في فهم الفلسطيني الذي يعيش خارج القالب

A+
A-
صورة من مسيرة العودة التي أُقيمت قبل أربعة أعوام في قرية ميعار المهجَّرة (تصوير الاتحاد).

صورة من مسيرة العودة التي أُقيمت قبل أربعة أعوام في قرية ميعار المهجَّرة (تصوير الاتحاد).

في الأيّام الأخيرة، اجتاح إنستغرام وبقيّة منصّات الخفّة الثقيلة ترندٌ جديد:
 اطلب من "تشات جي بي تي" أن يرسم لك صورة كاريكاتورية "كما يعرفك".

ملامحك كما تُرى،  هويّتك كما تُختصر،
 وروحك كما تُضغط في إطارٍ مربّع، صالح للنشر والمباهاة.

العمّ تشات، هذا الكائن العارف بكلّ شيء، لا يبخل:
 يرسمك أنيقًا، مُلهمًا، مبتسمًا، متوازنًا نفسيًا، ويمنحك ملامح إنسان طبيعي يعيش في عالم طبيعي،
 له بداية ونهاية، وقصّة قابلة للفهم.

لكن حين وصل الدور إلينا—نحن فلسطينيّي الداخل—
 انهارت الخوارزمية.
 تعثّرت اللغة.
 وتكسّرت الأقلام الرقميّة.

فلسطينيّ الداخل ليس خطأً لغويًا،  بل خطأ في النظام.

تشات جي بي تي، بكلّ ذكائه الاصطناعي، لم يستطع أن يضعنا في قالب.  ليس عيبًا فيه،
 بل شهادة لنا.

نحن فائضون عن القوالب،  و"زائدون" عن الحاجة في منطق الدولة، ونقصٌ مزمن في نشرات الأخبار، وشذوذٌ دائم في تعريف "المواطَنة".

قد يعرف تشات مهنتنا:
 ناشطون، صحافيون\ات، محاضرون\ات، عمّال وعاملات، مربّون\ات، أمهات اباء….

قد يعرف اهتماماتنا:
 السياسة، الذاكرة، العدالة، القهر، والبحث المزمن عن لغة لا تخوننا.

قد يضع في أيدينا كتابًا، أو ميكروفونًا، أو كاميرا،
 لكنّه لا يعرف أين يضع الخوف. القلق المستمر، الامل، العجز ،القهر ،الدافعية الانهزام والعزم

وهنا يبدأ العجز الحقيقي.

تشات جي بي تي لا يستطيع أن يرسم
 الخوف الموروث؛
 ذاك الذي لا يأتي من تجربة شخصيّة فقط، بل يُورَّث كما يُورَّث لون العينين.

صدماتنا ليست أحداثًا،
 بل بنية تحتيّة.

لا يستطيع أن يرسم ذاكرةً بلا متحف، ولا هويّةً بلا اعتراف، ولا وجودًا مشروطًا بحُسن السلوك السياسي.

لا يستطيع أن يرسم
 كيف نعيش في وطنٍ يُدار ضدّنا، وكيف نحمل أسماء قرانا أسرارًا عائلية كأسرار أمنية،
 وكيف نمرّ على أراضينا  كما يُمرّ على مقابر بلا شواهد:
 نراها، نعرفها، ونُمنع من لمسها لأنها فجأةً صارت "منطقة عسكرية مغلقة"، كأن الذاكرة خطرٌ أمني.

تشات جي بي تي لا يفهم
 كيف تكون مواطنًا ومتَّهَمًا في آنٍ واحد، كيف تكون "جزءًا من الدولة" وموضوعًا دائمًا للتحريض،
 كيف يُطلب منك الاندماج ثم تُعاقَب كلّما اندمجت أكثر ممّا يجب.

لا يستطيع أن يرسم
 سياسات "فرّق تسُد"، لأنها لا تُرى بالعين، بل تُرى في الشقوق:
 بين القرية والمدينة، بين العائلة والعائلة، وبين الفلسطيني ونفسه.

ولا يستطيع—وهذا الأشدّ فداحة—
 أن يرسم الإجرام المنظّم الذي يُترك لنا كهدية مسمومة، سيفًا داخليًا يؤدّي الوظيفة  دون أن يترك بصمات رسميّة.

نُقتَل، ولا يُعتقَل القاتل، فنُتَّهَم بأننا لا نحسن إدارة حياتنا.

كيف سيرسم تشات جي بي تي
 أننا أوّل من يُقتل بصواريخ ليست لنا، في معارك لم نخترها، داخل دولة تُتقن اختراع الحروب  وتفشل في حماية البشر؟

كيف سيرسم
 أننا نعيش في أماكن "مفتوحة"، لكن حياتنا مغلقة بالأوامر، والتصاريح، والاشتباه، والتأجيل الدائم للعدالة؟

قد يحاول تشات الفنّان
 أن يضيف إلى صورتنا
 جزءًا من غزّة،
 وظلًّا من الضفّة،
 وشبحًا من الشتات.

لكن هذه ليست إضافات تجميليّة، هذه شروخ وجوديّة.

نحن لسنا "هويّة مركّبة" فقط، نحن هويّة مُرهَقة.

لسنا قصّة واحدة  يمكن اختصارها في كاريكاتير،  بل قصص متراكمة،
 تتناقض، تتصادم، وتُبقي الإنسان معلّقًا  بين ما هو عليه  وما يُراد له أن يكون.

لهذا أقول:
 تشات جي بي تي فشل.

وكان يجب أن يفشل.

ليس كلّ ترندٍ يصلح لنا،  وليس كلّ قالبٍ يتّسع لنا، وليس كلّ ذكاء— ولو كان اصطناعيًا— قادرًا على رسم شعب
 يعيش خارج المعادلة ويرفض أن يُختصر.

نحن لا نُرسَم.
 نحن نُقاوِم الرسم.

قد يهمّكم أيضا..
featured

حين حاولت الخوارزمية أن ترسم الذاكرة، فشلت في فهم الفلسطيني الذي يعيش خارج القالب

featured

ورشة إعمار غزة وفك القبضة الإسرائيلية

featured
مارون سامي عزامم
مارون سامي عزام
·2026-02-07 07:18:50

صُنّاع الكلمة الأذكياء ما زالوا بلا أرضيَّة متـينة!!

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-02-06 13:27:56

الكوميديا الدّامعة

featured

معالجة التاريخ بين غسان كنفاني ووليام فوكنر

featured
يوسف جمّالي
يوسف جمّال
·2026-02-06 13:15:24

وقائع نضالات خالي حسن

featured

العصفر وهادي العلوي والشيخ مصطفى

featured
مفيد صيداويم
مفيد صيداوي
·2026-02-06 13:09:33

الدكتور محمود عبّاسي عضو هيئة تحرير مجلة الإصلاح يغادرنا ونحن بحاجة لأمثاله