كيفما كتب الكاتب، كيفما تعامل مع حيثيات الكلمة، إلّا ونجد من ينتقده أو من يمدحه، وفي كلتا الحالتين يكون راضيًا، لا ينزعج، بينما هناك نمط لـ "كاتب" إذا وجّه له أحد القرّاء انتقادًا بناءً، يعود عليه بالفائدة، يمتعض منه ويقاطعه، كأنه سبَّبَ له إحباطًا نفسيًّا، أو أزمة مع أفكاره، يشعر أنّه "مسَّ بقيمته الأدبيَّة الرَّفيعة"!!، هذا "الكاتب"، عديم الثِّقة بكتاباته، لافتقاده لدعامة أدبية تسانده، لأن الكتابة ليست مجرَّد "جَرِّة قلم" ، لذا عليه أن يكتسب هويَّة مكتوب فيها تفاصيله الأدبيَّة، نشاطاته، مؤلّفاته وما شابه.
الكتابة تحتاج إلى أرضيَّة كتابيَّة متينة، قائمة على أدوات أساسيَّة كالفكرة الجديدة، الإلمام بالموضوع وخلفيَّة ثقافيَّة، لِما لها من دَورٍ في مساعدة ذلك الكاتب المبتدئ على الاسترسال السَّليم... الكتابة لها مقوِّمات لغويَّة واضحة لاكتمال المعنى، فيها دلالات وشارات مرور خاصة جدًّا، يفهمها الكاتب المتمكِّن، موجودة فقط في خياله، لها محفِّزات تعبيريَّة، ترشده إلى الهدف الإبداعي الصحيح الذي وضعه أمامه... ولكن للأسف معظم هؤلاء الشّبّان، يتعاملون مع موهبتهم "كتسلية"، لا يلجؤون لاستشارة ذوي الخبرة الأدبية الطويلة.
لا أحد يُنكِر أن أدب الشباب "المبدع" بلا ركيزة ثقافية ثابتة، لذلك أصبح إبداعهم مثل المجموعة الفلكية، محلِّـقًا بدون محور يجمع هذا التَّشَتُّت الفكري الحاصل، نتيجة عدم احتواء فكرة الموضوع المطروح بصورة فنيَّة، كذلك مرآة العين هي التي تعكس تَقَبُّلها للنَّص، وتمتلكُ قدرة على تشخيص سلامته من أول نظرة، وتُعتَبَر شريكة الكاتب في تجميع الكلمات بشكل مُنَسَّق في جُملة مفيدة.
للأسف لقد أصبح الأدب بلا هوية محدّدة، عقب انتشار ظاهرة "كُتّاب الفيسبوك"!!، الذين يستمدّون الإعجاب من أعضاء "مجلس الأدب الاجتماعي الرّقمي"، الذي يقدِّم لهم شهادات اعتراف مزيَّفة، بينما في الماضي كان الكتّاب يبذلون جهدًا كبيرًا في الكتابة، ينتظرون أيّامًا أو أسابيعَ ليتأكّدوا أن مادتهم قد نُشِرَت في الصحيفة... صقلوا موهبتهم بصورة صحيحة... لم ينظروا للمدى البعيد، بل شعَروا بدفء الانتشار يسري في نجاحهم رويدًا رويدًا، هكذا بنوا مسيرتهم بعد عناء وكفاح قلميّ جَاد، ونالوا اعترافًا وشُهرةً، بعد فترة طويلة.
اليوم أي "كاتب عنكبوتي" ينشر مقالته" على صفحته وقتما يريد، فيُصبِح مشهورًا خلال ثوانٍ، ولكنّ سرعان ما تنطفئ لهفته، بسبب عدم تمهله في "النشر"، لأن ما كتبه كان هشًّا، سينهار بسرعة من تحت أرضيّته الافتراضيَّة، لتهاون ذلك الكاتب المُدَّعي، واعتماده الكلِّيّ على تقييم الجمهور المتواصل معه على مدار السّاعَة، لخدمة "أدبه الإلكترونيّ" السَّهل غير المدروس.
ما يهم المتسللين إلى حدود أرض الأدب الافتراضي، هو أن يلقوا طُعُم إبداعاتهم في محيط مواقع التواصل، فيقرأها "أتباعهم المُهلِّلين" لهم مجاملة، ولكن بعد أن يستوعبوا عواقب "إشادتهم"، يكونوا قد أذوا ذوقهم. بعض "المهتمّين الجدد" يرون بتدوينات بعض الكتّاب النرجسيِّين "منتجات كلاميَّة لطيفة لا تُضِر" معروضة أمام النّاظرين في مزاد الكلمات المبتدعة للاستعراض العبثيّ، يا خسارة!!
"العابثون باللغة" وقحون، يعلمون أن ما كتبوه لا يستحق أبدًا أي اهتمام من وسائل الإعلام الاجتماعيّة، ولكن وظيفتها خلق بلبلة بين النّاس، لتُسلِّط الضّوء بأي طريقة على هؤلاء الكتّاب الأذكياء ليس بالفطرة، بل بفن استغلال هواتفهم الذّكيَّة لتخريب الأدب، وبفضلها أصبح الجميع يكتُب عشوائيًّا، فتكاثر نسلهم "الإبداعي" بسرعة، موزّعين خلايا كتاباتهم على كافة مواقعهم!!
لا يدرك "حاملو راية الإبداع"، أنها ستنكَّس يومًا ما، سيكتشفون قريبًا أن أرضيَّة أدبهم المزعوم قد انهارت منذ اللحظة الأولى، لأنها بدون أسس، مسارها ضائع، ستُحطِّم جدران الأدب... لا يدركون أن الوصول إلى طريق العطاء الأدبي شاق، يحتاج إلى تأنٍّ، من أجل تثبيت دعائم صياغة اللغة نحوًا وصرفًا... تتطلَّبُ كثيرًا من الصبر حتى يصل "صنّاع الكلمة الشطّار" إلى الشهرة!!
.png)







.png)



