ورشة إعمار غزة وفك القبضة الإسرائيلية

A+
A-
طفل يجلس في مبنى متهدم جزئيا في حي الزيتون بجنوب شرق مدينة غزة في 27 كانون الثاني/يناير 2026. (شينخوا)

طفل يجلس في مبنى متهدم جزئيا في حي الزيتون بجنوب شرق مدينة غزة في 27 كانون الثاني/يناير 2026. (شينخوا)

في البند 4 من المقال الفائت أشرت لما يبدو عليه الحال من عدم، أو ضعف الاستيعاب لحجم وأبعاد ورشة إعادة إعمار غزة من جهة، كما لرؤية الآفاق التي سَتفتحها من جهة ثانية. كيف؟

تعداد سكان القطاع يزيد قليلا عن مليونين وثلاثمائة ألف. ربما لا نتجاوز الحقيقة إن قلنا إنه بقي لِلثلاثمائة ألف بعض السقوف فوق رؤوسها، وبعض المصالح التجارية والخدمية الأخرى، فيما فقد المليونان كل شيء. إعادة الإعمار تشمل أكثر كثيرا من إعادة بناء السقوف واستعادة الحياة الإنسانية لكل هؤلاء. ستطل علينا في صورة ورشة هائلة الأبعاد، متعددة الوجوه تعيد بناء مختلف الخدمات؛ التعليمية، الصحية، الإدارية، الأمنية، العدلية، الدينية، التجارية، البلدية، السياحية، الثقافية، التراثية.. إلخ. ولأن كل ذلك سيتم من خلال إعادة بناء المدن، القرى، المخيمات، المزارع … وبتفاصيل كثيرة متنوعة ومتشعبة. ستغدو كل مدينة، كل مخيم، كل قرية ورشة هائلة، بأبعاد متعددة، وحيث تتفرع عنها عشرات الورش الأصغر حجما، لكن الكبيرة في ذاتها، وحيث تأخذ القرية أو المدينة المعاد بناؤها السمات العصرية بديلا لحالة النشوء العشوائية السابقة. هذا يقودنا إلى الجانب الفندقي في إعادة الإعمار هذه، وهي التي أطنب ترامب وصهره كوشنير في وصفها بريفيرا غزة. لا أظن أن أحدا في غزة أو خارجها يجهل حقيقة أن الخدمات الفندقية؛ فنادق، مطاعم، مقاهي، منتزهات.. الخ كانت قائمة على طول شاطئ بحرها ومنذ زمن طويل. والطبيعي أن تكون إعادة البناء الجديدة أكثر تقدما من حيث السمات الجمالية على سالفتها. نعم قد تكون ريفيرا جميلة، ولكن ريفيرا لأهلها وإن بنى وامتلك بعضها أو قسما منها مستثمرون عرب وغير عرب كما هو حاصل في كل الدنيا.

لا أريد إطالة الحديث عن إدارة هذه الورش، وضبط جودة عملها، وهي مدار عمل واختصاص اللجنة الوطنية، ولا عن جماهير العمال المهرة من مختلف التخصصات، وعن طواقم المهندسين والمحاسبين والمحامين، تحديد الأجور، توقيتات صرفها، وتوفير الحاجات المعيشية والغذائية في الأسواق، بما سيرورة تخفيض معدل البطالة من مائة بالمائة إلى صفر بالمائة، وانعكاس ذلك في استعادة للكرامة الإنسانية التي طال أمد هدرها.

ما أريد التذكير به، ونحن هنا ما زلنا نتحدث عن الجانب المادي الصرف من إعادة الإعمار، أن القطاع لا تتوفر فيه وله، باستثناء الأيدي الماهرة والرمال، أي من مواد إعادة الإعمار هذه. إذ لا جديد إن قلنا أن لا ماء، لا كهرباء، لا إسمنت، لا حديد، لا خشب، ولا أي من مئات المواد الضرورية الأخرى. ليس سرا أن توفير مواد الإعمار هذه، وبعضها سيتجاوز مئات آلاف الأطنان، واٌقلها بحجوم وأوزان هائلة، سيكون من خلال استيرادها.

قبل عدوان الإبادة والتهجير كانت إسرائيل تحتكر التصدير للقطاع، كون اقتصاد الأخير ملحق باقتصادها من جهة، وكون القطاع مغلق على العالم من جهة أخرى. استمرار هذا الحال من إعادة الاعتماد على المعابر والمنتجات الإسرائيلية ينتج حالا كحال من يضع يده في فم الضبع ويتصور أنها ستخرج سليمة. لذلك كان من حسن الطالع أن الممولين والمخططين من الأشقاء العرب، مهما قيل فيهم، لا يعملون خدما عند أميركا وإسرائيل. هم أيضا، كما الأمريكان وغيرهم، يفكرون في تحقيق الأرباح لِمصانعهم، لِشركاتهم العقارية ولِوسائل نقلهم. ذلك يعني أكثر من فك جزئي، في البداية، للاحتكار الإسرائيلي لسوق القطاع، والذي قد يتحول إلى فكاك كلي في النهاية. كيف؟

آخذين في الاعتبار النوايا الإسرائيلية المعلنة والمبيتة لتعطيل أو تبطيئ مسارات عمليات الإعمار، وتصادمها مع تطلعات الربح لشركات المقاولات متنوعة الجنسية، نرى كيف يُنظر من الآن لضعف قدرة المعابر الإسرائيلية، حتى لو حسنت النوايا الإسرائيلية، على توفير انسيابية مقبولة لحركة وصول المواد، وللأضرار المحتملة لحركة الإعمار والربح للشركات. هكذا بتنا نسمع عن أفكار لإضافة معابر لا تخضع للرقابة الإسرائيلية، مثل ميناء ومطار. وقريبا سنسمع عن بدء كسر آخر في الاعتماد على البضائع الإسرائيلية، وفي مقدمتها بناء محطات تحلية للمياه وأخرى للكهرباء. وفي ظني أن إسرائيل، أمام ما ستشكل إعادة الإعمار من مشاهد يسيل لها لعاب أشد المستثمرين تحفظا، إسرائيل ستسارع إلى ابتلاع كل نوايا التعطيل، سعيا وراء جزء من كعكة إعادة الإعمار هذه، ولكن..

لكن قد يقول قائل أن كل ما سبق لا يعدو كونه هلوسات وأضغاث أحلام متفائل لا يستقيم هوس تفاؤله مع الوقائع على الأرض. إسرائيل تواصل وحشية القتل ومن ثم النجاح في التعطيل. ومقدمات إعادة الإعمار لا شيء منها يحدث في الواقع المعاش. لا إزالة حتى الآن لطن واحد من الركام الذي يقدر بسبعين مليون طن. لا دخول لأي من مئات الجرافات والبواقر - البلدوزرات -، وآلاف قلابات النقل. ولا بدءَ لاستعادة البنية التحتية، وكلاهما ورشتان هائلتا الضخامة. وأقول: نعم كل ذلك صحيح. إذ من غير الممكن بدء الإعمار بدون محروقات، كهرباء، ماء وصرف صحي على الأقل، وبدون البدء في إزالة الركام من مواقع تشكل مساحات البدء في الإعمار. كما لا بدء للإعمار دون توفير مخازن آمنة، ودون حراسات أمنية فاعلة. بمعنى آخر بنية أمن وأمان مضمونة الفاعلية وكل ذلك وغيره ما زال بعيد المنال. لماذا؟ الجواب يتطلب صدقا قويا واضحا لا لبس فيه مع الذات. صحيح أن إسرائيل هي المسؤولة بالأساس عن التعطيل، ونحن لا نمسك السبع من ذيله حين نعيد قول الحقيقة بأن إعادة الإعمار تسقط المخطط الإسرائيلي أساس العدوان، وهو إنهاء القضية الوطنية من خلال عملية التهجير القاسية والواسعة للملايين الفلسطينية السبعة غرب النهر. لكن علينا الاعتراف بالحقيقة أيضا وهي أننا في ذات الوقت لسنا أبرياء. ونون الجمع هنا تعني نحن السياسيين، المثقفين، الكتاب والمفكرين من كل الأطياف، الساكتين عن الحق كشيطان أخرس، و الدائبين على التزمير والتطبيل لبهلوانيات الناطقين بلسان قادة حماس. ولأنه موضوع طويل سأرحل التفصيل فيه إلى مقال قادم، ولأختم بالسؤال: كل ما جرى الحديث عنه تناول الشق المادي لإعادة الإعمار، فماذا عن الشق الإنساني الأصعب والأشد وعورة؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

حين حاولت الخوارزمية أن ترسم الذاكرة، فشلت في فهم الفلسطيني الذي يعيش خارج القالب

featured

ورشة إعمار غزة وفك القبضة الإسرائيلية

featured
مارون سامي عزامم
مارون سامي عزام
·2026-02-07 07:18:50

صُنّاع الكلمة الأذكياء ما زالوا بلا أرضيَّة متـينة!!

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-02-06 13:27:56

الكوميديا الدّامعة

featured

معالجة التاريخ بين غسان كنفاني ووليام فوكنر

featured
يوسف جمّالي
يوسف جمّال
·2026-02-06 13:15:24

وقائع نضالات خالي حسن

featured

العصفر وهادي العلوي والشيخ مصطفى

featured
مفيد صيداويم
مفيد صيداوي
·2026-02-06 13:09:33

الدكتور محمود عبّاسي عضو هيئة تحرير مجلة الإصلاح يغادرنا ونحن بحاجة لأمثاله