"ذاكرة حاضرة في غياب الوطن" (2-2)

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

قراءة في رواية "غربة الحجل"- دلال عبد الغني

تنتقد الكاتبة على لسان فرح المهاجرين العرب في السّويد الّذين لا يسعون للاندماج على الرّغم من كلّ ما قدّمه لهم هذا الوطن من احتضان ومحبّة واحترم لإنسانيّتهم، تلك الإنسانيّة الّتي سلبت في أوطانهم الحقيقيّة، وكأنّها تؤكّد أنّه إذا كان المنفى ومجتمعاته من يمنح الحبّ والحرّيّة للإنسان المهاجر فهو بالضّرورة سيمسي له وطنًا بالمفهوم الحقيقيّ للوطن. ولذا تؤكّد على أنّه يجب على المهاجر منح الحبّ والاندماج لهذا الوطن. كما تنتقد تعامل الرّجال العرب مع نسائهم في ظلّ ثقافة جديدة مقابل أعراف ومفاهيم مترسّخة في أذهانهم، فتقول: "الحقيقة كنت أشفق على بعضهم، فعدا مقاعد الدّراسة الّتي تضع قدرات المرأة والرّجل على الملأ، ظلّ خوفهم من تأثير ثقافة البلد الجديد على عقول نسائهم وبناتهم يضيق مداركهم. على الرّغم من أنّ الدّراسة فرصة في أي زمان، خاصّة وأنّها تقترن بأنّ يتقاضى الدّارس أجرًا ظلّت غير محبّبة للكثير من الرّجال. لا أدري إن كان اللّوم كلّه يرمى على العقليّة الّتي لا تؤمن بقدرة النّساء. لقد ظلّ جزء كبير من الرّجال يميل إلى منع النّساء من الخروج إذا ما سنحت لهم الفرصة"(ص 213). فتتساءل: "لماذا لا أرى الشّوق للتّعلّم وتقويم الذّات؟.. الكلّ يريد أن يثبت للآخر أنّه يكره عادات البلد الجديد، ولديه ما يضيف، في كوننا أفضل منهم، وبلادنا أفضل من بلادهم (الكافرة). يتباهون بما ليس بهم.. وكأنّ أهل البلد المضيف الّذين يطعمونهم ويحترمون إنسانيّتهم هم أعداؤهم الحقيقيّون"(ص97). كانت فرح ترى غربتها في كافيتريا الجمعيّة بألوان شتّى، فأمثال خالد ينسبون فشلهم للمجتمع السّويديّ، وأمثال أحمد يصرّون على أنّ الدّين لا يسمح بخروج النّساء من البيوت، فيلجؤون إلى التّعصّب الدّينيّ كملاذ لفقدانهم السّيطرة على زوجاتهم وبيوتهم، وتكتمل الحلقة بنساء أمثال خديجة، أقصى طموحهنّ قلب رجل أو بطنه (ص 213). إنّ الخلل برأيها يكمن "بحقيبة السّفر الّتي تلبسنا باسم العادات، وفي أوهام عن مجد كاذب لبسناها تحت جلودنا.. ما زلنا أمّة انحدرت ولم تقرأ، أجهضت أحلامنا وما زلنا نلهث وراء أطلالها"(ص213). 

ومن جهة أخرى لا تنفكّ ذاكرة جسد فرح عن الصّراخ في كلّ مرّة تتذكّر فيها عدد المرّات الّتي وقعت فيها في الفخّ، فخّ الرّجل العربيّ المغتصب الّذي ينظر إلى المرأة على أنّها جسد يثير الشّهوة فيسوّل لنفسه الاعتداء عليها، فتتذكّر وهي في سيّارة الأجرة، وبعد خروجها من السّجن، وحين يعتريها خوف من أن يكون هذا السّائق فخًّا آخر، محاولات الاغتصاب والاعتداءات الّتي تعرضّت لها من الرّجال في فترة مراهقتها وفي فترة دراستها في الجزائر. 

في أدب السّجون

يتوفّر في هذه الرّواية حضور واضح لكلّ من ركائز أدب السّجون الأساسيّة، أهمّها: السّجن، السّجّان، السّجين، التّعذيب الجسديّ والمعنويّ وغيرها. تكتب دلال لتعرّي وتبوح، وفي بوحها شهادة ووثيقة.

في السّجن تتولّد ثنائيّات متناحرة تحاصر الإنسان في دوائرها، وكلّها تنبثق عن جدليّات السّجن والحرّيّة، فلا تتجلّى الحرّيّة في مكان ما أكثر من السّجن، بل هي سؤال السّجن الأعظم؛ و"في ظلمات السّجن يقطن عشّاق الحرّيّة". 

لا شكّ أنّ المرأة السّجينة تتحوّل داخل قضبان السّجن إلى سجين له سلوكيّاته النّمطيّة المعروفة، فتشبه أيّ سّجين في تصرّفاته وسلوكيّاته حين تسلب حرّيّته. ففي ظلّ عزلتها اللّاإراديّة في السّجن لا بدّ للوعي والخيال أن ينفتحا ويعملا كردّ فعل طبيعيّ على هذا القيد الجسديّ. كما أنّ الصّمت والوحدة يوقظان ذاكرتها ويشعلان فكرها وخيالها. فإنّ السّجين غير القادر على تغيير المكان وزمانه يضطرّ بالضّرورة، وبغريزة البقاء، إلى تغيير واقعه، أو بمعنى آخر أن يتأقلم مع مكان السّجن وزمانه، فيخلق له مكانًا وزمانًا وهميين، بلا وعي وبآليّة الدّفاع السّايكولوجيّ. وهذا لا يحدث إلّا في المخيّلة وأحلام اليقظة. هكذا يصبح الذّهن وعاء يستوعب هذه القمعيّة فيخفّف من وطأتها بالانفتاح على الأفكار والخيالات ومناجاة النّفس. إذًا هي محاولات للبحث عن معنى للحياة ولإثبات الحضور في ظلّ الغياب. وحتّى يتمّ هذا الانفتاح يجب الانتقال من القصّ الخارجيّ إلى القصّ الذّاتيّ الدّاخليّ من خلال تيّار الوعي. وعليه، ليس غريبّا أن تبحث هذه الشّخصيّات المهشّمة عن زمن آخر، فتنفصم عن الزّمن الخارجيّ وتعيش زمنًا نفسيًّا يمنحها القدرة على التّحرّر من قيود السّجن المغلق. من هنا تعتمد روايات السّجن على زمنين متصارعين هما: زمن السّجن (الزّمن الخارجيّ) وزمن الحرّيّة (الزّمن النّفسيّ)؛ الزّمن الخارجيّ الموضوعيّ- زمن السّجن البائس الّذي يقاس بالدّقائق والسّاعات ويدرك بالحركة في المكان، مقابل الزّمن النّفسيّ الشّعوري الدّاخليّ- زمن الحرّيّة والأحلام والذّكريات. إنّ الزّمن الخارجيّ هو زمن ثابت، هو ملك السّجن والسّجّان ومتآمر معهما. أمّا الزّمن النّفسيّ فهو زمن السّجين الّذي يتدفّق بسيولة وبتحوّل دائم بحركة الوعي الحرّة، وذلك باستحضار الماضي، بالعودة إليه وجلبه إلى الحاضر، ثمّ تأمّل الحاضر والحلم بالمستقبل. تدرك فرح، كغيرها من السّجناء، أنّ خارج ذاتها هو السّجن، وبحركة انسحاب من الخارج إلى الدّاخل يكون الاحتماء، بعكس طبيعة الحياة الّتي تنبثق من الرّحم. تنسحب للبحث عن معنى للحياة حين يمسي الخارج مساويًا للموت. فالرّوح ملك لها، فكرها وملاذها. أمّا الجسد فيستطيعون النّيل منه: "فعيب الإنسان في جسده، إذا ضعف الجسد وتهاوى سقطت روح الإنسان وتفتّتت إرادته" مثلما يقول رجب في شرق المتوسّط للكاتب عبد الرّحمن منيف.

 

إنّ رواية "غربة الحجل" نصّ حداثيّ يتقاطع فيه أدب السّجون مع الأدب النّسويّ. إنّ محاولة المرأة الكاتبة في الأدب النّسويّ للانفلات من الشّكل الكلاسيكيّ للرّواية باتّجاه شكل فنّيّ جديد ينبع من رغبتها في الثّورة على المضامين والتّقنيّات الفنّيّة الأدبيّة الذّكوريّة. هي محاولة للوصول إلى موازٍ لحرّيّة المضمون على صعيد النّصّ الأدبيّ بامتلاك حرّيّة الشّكل. في ظلّ هذا الواقع الصّادم وقضبانه المعنويّة والمادّيّة تعي الكاتبة أنّ عليها أن تثور على واقعها

 

حين يشتدّ الألم يكون ملاذها في استدعاء حلم أو ذكرى، فكانت في تخيّلاتها كأنّها تشتري لنفسها تذكرة تنقلها خارج قضبان السّجن، فتعود بهذه التّذكرة وتدور بها عجلة الزّمان إلى الماضي القريب، إلى تلك المرّات الّتي كانت تهتاج الأحاديث بين الطّالبات في غرف السّكن الجامعيّ، عن الحبّ والحرّيّة. تنسحب فرح إلى أحلام اليقظة أحيانًا فتحلم أنّها تمارس علاقة حبّ وتتحوّل إلى طائر لا يعترف بالقضبان ولا بحدود، طائر لا يوقفه جنديّ أو محقّق. تهرب بهذه الأحلام تبحث عن حبّ ظلّ أسير أحلام يقظتها وشهادة مخدّتها، فتستعيده في زنزانتها بين القضبان، تعيشه في مخيّلتها وتمارسه بلهفة التّعطّش إلى الحبّ. وفي أحيان أخرى تستحضر "حوريّة"، تلك الشّخصيّة الوهميّة الّتي انبثقت من داخلها وباتت لا تتركها، أو تستحضر صديقتها فايزة الّتي جرّبت السّجن قبلها فتتخيّلها بجانبها تعينها على التّعامل مع سجّانها وأساليبه، تلهمها الفكرة والسّبيل، فتجد لديها الشّجاعة الّتي تفتقدها. وكم من مرّة ناجت ليال أو نادرة لدعمها ولتعزيز عزيمتها حتّى لا تنهار مثلما يريد سجّانها! 

لقد لعبت هذه التّخيّلات والذّكريات والاسترجاعات دورًا هامًّا في تعزيز عزيمتها وإعادة الأمان والثّقة إلى نفسها. إنّها الحريّة الروحيّة التي تمنحها التّوازن الدّاخليّ الّذي افتقدته. فتمسي آليّات تيّار الوعي آليّات تعويضيّة. إنّها آليّات تعويضيّة طالما حرّيّة الجسد غير ممكنة، يبحث الفكر عن أي شيء يلهيه ويقتل من خلاله عدوّه الوقت. هي الحرّيّة الرّوحيّة الّتي لا يمكن لأحد أخذها من السّجينة، وهي الّتي تجعل للحياة معنى وهدفًا خلف القضبان.

إنّ كلّ هذا يحدث بلا تسلسل منطقيّ، وتقلّ فيه السّببيّة المباشرة وتنكسر حركة الزّمن الخارجيّة الّتي تسير في خطّ مستقيم، من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، وبإيقاع متغيّر غير ثابت، وذلك لأنّه يقوم على الشّعور والخيال، وهذان متعلّقان بالسّجين، والسّجين شعور وروح، والرّوح زمان نفسيّ، زمان غير جامد وغير متسلسل منطقّيًا، بل ثائر وحرّ. وهنا يتأكّد لنا مضمون روايات أدب السّجون: جدليّة البحث عن الحرّيّة وكسر قيود السّجن- المكان. ولمّا كانت هذه الرّوايات تستدعي الأزمنة في حركة حرّة وتعتمد آليّات تيّار الوعي، كالمونولوج والاسترجاع والحلم والتّقطيع الزّمانيّ والمكانيّ وتفتيت الحبكة التّقليديّة وغيرها، فإنّها تشير إلى تجانس الشّكل الفنّيّ مع المضمون. وكأنّ تفتيت الحبكة التّقليديّة والبحث عن الحرّيّة على صعيد الشّكل الفنّيّ هو انفتاح وحلم بالحرّيّة على صعيد المضمون، وتعبيرًا عمّا يدور في وعي السّجينة، ومحاولة لكسر مبنى السّجن وشكله الهندسيّ الثّابت. لا غرو إذًا أن نجد هذا المبنى مهشّمًا متشظيًّا كتعبير فنّيّ وشكليّ للواقع المتشظّي. 

وفي السّجن يكبر التّيه والتّشظّي، فتسأل نفسها: "من أنا؟ هل أنا الّتي رغبت أن تكون أم أنا الّتي أجبرت على أن أكونها؟"(ص185). ولا يختلف السّجّان/ الجلّاد في هذه الرّواية عن صورته النّمطيّة، فهو تلك الشّخصيّة القاسية يسعى إلى سحق السّجينة وإذلالها، مستخدمًا كلّ آليّات العنف الجسديّ والنّفسيّ. فتتعرّض فرح كغيرها من السّجينات إلى الاغتصاب، تجرّد من إنسانيّتها، تسلب الإرادة والحرّيّة. وبالمقابل تحاول الصّمود، رافضة السّماح له بإذلالها أو النّيل من كرامتها، باحثة عن كلّ قوى الصّبر في نفسها لتتماسك في وجه مغتصبها. ولا شكّ أنّ الاغتصاب أو الاعتداء الجنسيّ بالنسبة إلى المرأة في ظلّ مجتمع شرقيّ يرى بعفافها أثمن ما تملكه هو أفظع ألوان التّعذيب وأشدّها وطأة وإذلالًا. إنّ اغتصاب جسدها هو معادل موضوعيّ للنّكبة والتّهجير. وحدها هالة تعيد إليها الثّقة: "لقد أخذ منّي عدوّي أغلى ما لديّ". فتردّ هالة: "لا يهمّ من منّا اغتصب، المهمّ ألّا تلومي ذاتك ولا تخجلي، فهل أسفل جسدك أغلى من أعلاه؟ من غزا جسدك قد دنّس شرف العرب كلّهم قبل أن ينال منك. أنت يا غاليتي بما نالك أشرف نساء العالم وأكثرهم عزّة، فها هي الأيام والأشهر تمرّ، وعلى الرّغم من كلّ ما حصل لم ينالوا منك حرفًا تخونين به وطنك.. لو نظرت حولك وفي الخارج سترين الخونة يعيثون فسادًا، لا تحزني، إنّ شرف العروبة قد بيع في المناقصات العلنيّة قبل أن تنتهك حرمتك"(ص156).

تلعب الرّائحة الكريهة وقذارة الزّنزانة ومساحتها الّتي لا تتجاوز المترين ووجود الصّراصير والفئران دورًا آخر في تعذيبها نفسيًّا، ويصل خوفها إلى درجة باتت فيها تتمنّى لو أنّها لم تعارض أمّها الّتي حذّرتها من العودة فتقول: "ليتني بقيت جاهلة بكوني نازحة، ليتني بقيت أعيش في اللّا وطن، ليتني لم أحلم بحرّيّة أنوثتي، فلا وطن تحرّر ولا نساء خلعن عنهن السّواد. لقد ظلّت العتمة والغربة وطنًا أنا فيه لاجئة حبيسة"(ص 67). 

لم تعد فرح في الزّنزانة الانفراديّة تدرك مرور الزّمن، كانت تعدّ الأيّام في البداية لكنّها ملّت العدّ، أو فلنقل: نسيها الزّمن. فمن يسقط في قاع الحياة وقاذورات الأمكنة لا يدري به الزّمان، لا بل ينساه. ولعلّ ذلك هو السّبب الّذي يدفع فرح حين ترى نفسها تأكل كالحيوانات ما يجود به السّجان من طعام بائس جافّ، متنازلة عن الاهتمام بقاذورات تلك الزّنزانة الحقيرة، تقول: "وضعت إنسانيّتي في صندوق أقفلته، ثمّ ألقيته في حفرة المرحاض ليسبح هناك مع الفئران والصّراصير"(ص108). في السّجن تدفعها غريزة البقاء في ظلّ عيشها بين الفئران والصّراصير لاكتساب عادة جديدة هي هزّ قدمها في جلوسها ونومها لإبعادهم عنها. والمفارقة أنّ صداقة تتولّد بينها وبين هذه الحيوانات والحشرات. وحين لا تكون معلّقة ليتسلّى بها المحقّق كانت تعدّ النّقاط السّوداء الّتي تكوّن شكل البلاط في الأرض حتّى تنام من شدّة التّعب. لم تكن فرح بطلة بالمفهوم التّقليديّ للبطولة، رغم محاولات تمرّدها وصمودها، فلم تجد إلّا الانكسار في زمن الهزائم والقهر. وأحيانًا كانت أمنية الموت من أجمل الأماني في السّجن.

بعد أن يفقد السّجّان الأمل باعتراف يريده، يطلق سراحها وترحّل إلى حدود الأردن. وهناك تبحث عن أبي هاني، من أبناء قريتها، فيساعدها ولكنّه يحذّرها بضرورة خروجها من الأردن بسرعة، تركب سيّارة أجرة وتتفاقم مصيبتها حين تنزف في السّيّارة عار الاغتصاب وتخرج ما تبقّى في رحمها من حياة. كيف ستخفي عارها دون أن يلاحظ السّائق ما ستتركه وراءها من مصيبة؟ وحين تخبره أنّها نفيت من وطنها ولا تملك مالًا بخلاف ما أوصاها أبو هاني. يحاول السّائق إنزالها لكنّها تأبى ذلك، ثمّ تحاول السّقوط من السّيّارة والانتحار، لولا أنّ ذراعها الأيمن علق بالحزام الواقي. وفقط بعد محاولة الانتحار الفاشلة يضطرّ إلى إيصالها إلى بيت قريبة زوجها في عمّان، تلك القريبة الّتي كانت قد اتّهمتها بأنّها بلا شرف، لأنّ السّيّدة الشّريفة لا تترك البيت دون زوجها، فكيف لها أن تسافر وحدها! ولم يكفها هذا حتّى يكوي أذنيها ما قاله السّائق: "أكيد عاملتلها عملة وحطتها بسيّارتي، بنات الحرام هالأيّام كتار، دايرات على حلّ شعرهن، أستغفر الله من قرف النّساء"(ص 268).

 

تتمّم فرح سرد حكايات صناديق ذاكرتها، وتنهي روايتها بتساؤلها: "يظلّ السّؤال: هل ظفرت بيوسف ليفسّر الحلم أم ما زال الباب موصدًا دوني؟"(ص278). لا شكّ أنّها نجحت في الإجابة عن سؤاله واستطاعت كشف أسباب هجرتها إلى المنفى، ذاك المنفى الّذي استطاع أن يمسي لها وطنًا بديلًا، ويمنحها كلّ ما افتقدته من أمان وكرامة وإنسانيّة، لكنّها تؤكّد: "مهما عشت في وطني الثّاني من سنوات طويلة سيظلّ السّؤال مطروحًا"

 

تنجح فرح بالعودة إلى المنفى الخليجيّ حيث أهلها، محذّرين إيّاها من فتح فمها بكلمة حول ما جرى لها. وظلّ جرحها النّازف يغلي ويفور، وتتفاقم أزمتها حين يخطّ أحد ضبّاط الضّفّة الشّرقيّة على جواز سفرها: "يمنع تجديده"، حتّى جاء وقت الحساب لتضطرّ إلى مراجعة فرع المخابرات باستمرار، مخاطبة نفسها: "إن خرجتِ حيّة من هنا ستظلّين تركضين لاهثة كالكلاب الضّالّة وراء جواز سفر. إليه أضيف قلقي على أطفال أنجبتهم لمستقبل مظلم بلا أوراق بلا علم ولا مدرسة، لم أجد أمامي سوى المجهول أدقّ بابه علّني أجد لنا سبيلًا لوطن وأمان"(ص271). "بعد فقدان الأمل بالعيش في سلام في آخر معاقل العرب، بعد أن سقطت الشّعارات، ترنّحت الكرامة والحقّ، وأغلقت كلّ الأماكن أينما ولّيت وجهك، وحين لفظتك وبترتك رابطة العروبة والدّين، فرض عليك الفرار بأقلّ الخسائر. وحين صفعك الماضي لتمضي وتصبحي العائد الّذي لا يعود لا يبقى لك سوى الجري بعيدًا، لاهثة تلملمين بقايا إنسانيّتك المنتهكة في اللّجوء إلى المجهول"(ص272). 

تنتهي حكاية السّجن في الفصل قبل الأخير تلك الّتي حدثت كما يبدو في بداية الثّمانينيّات، فعلى الرّغم من أنّ الكاتبة لم تذكر أيّ تفاصيل تتعلّق بفترة السّجن أو مدّتها، إلّا أنّنا نستنتج، ووفقًا للمعطيات النّصّيّة، أنها سجنت لأشهر عديدة، وخرجت بعد حدوث مجزرة "صبرا وشاتيلا" في لبنان. الأمر الّذي قد يعني أنّها سجنت بين عام 1982 و 1983. تعود الكاتبة في الفصل الأخير، وبمبنى دائريّ لتغلق حكاية الهروب من سورية، تلك الّتي بدأتها في الفصل الأوّل، والّتي حدثت في نيسان 2015. إذ تهبط الطّائرة بفرح وزوجها وولديها في الأرض البولونيّة فتتلقّفهم هناك أيدي المهرّبين العرب، وتنهب منهم المال مقابل أيّ معلومة يحتاجونها لمواصلة الرّحلة. وتكشف لنا فرح أنّها بعد عناء ثلاثة أعوام من تقديم رشى لم تثمر، ومحاولات تجديد جواز ختم بالأحمر لم تجد أيضًا، استطاعت وزوجها الظّفر بجواز مزوّر وتمّ إلصاق صورة جماعيّة للأسرة في صفحة التّعريف، لتعيش صراعًا آخر بعد أن هبطت طائرتها تسابق الزّمن بألّا يولد طفلها حتّى لا تزداد العائلة فردًا إضافيًّا ويفقد جواز السّفر جدواه. كانت فرح قد حصلت على شهادة طبّيّة تقول إنّها حامل في الشّهر السّادس، رغم أنّها كانت على وشك الولادة، فتسنّى لها السّفر على متن الطّائرة. هو سباق مع الزّمن ومع الحيطان الّتي لها آذان عملاء أجهزة الأمن. تصف فرح لحظة وصولها إلى المحطّة الأخيرة حيث الحدود البحريّة قائلة: "البحر أمامنا والسّجن وراءنا، تهمة لا تشبه إلّا تهمة الذّئب بقتل يوسف"(ص 276)، "الخوف هو الخوف، والتّهمة ما زالت التّهمة، ويوسف ما زال في البئر يصرخ: يا أبتاه، والصّرّة هي الصّرّة، تحوّلت فقط إلى حقيبة سفر، والشّاحنة تحوّلت إلى طائرة وقارب مطاطيّ في القرن الّذي تلاه"(ص 277).

هكذا تتمّم فرح سرد حكايات صناديق ذاكرتها الّتي انثالت عليها بلهفة السّجين إلى الحرّيّة، وتنهي روايتها بتساؤلها: "يظلّ السّؤال: هل ظفرت بيوسف ليفسّر الحلم أم ما زال الباب موصدًا دوني؟"(ص278). لا شكّ أنّها نجحت في الإجابة عن سؤاله واستطاعت كشف أسباب هجرتها إلى المنفى، ذاك المنفى الّذي استطاع أن يمسي لها وطنًا بديلًا، ويمنحها كلّ ما افتقدته من أمان وكرامة وإنسانيّة، لكنّها تؤكّد: "مهما عشت في وطني الثّاني من سنوات طويلة سيظلّ السّؤال مطروحًا"(ص133). 

هي فرح في كلّ عتبات حياتها كانت تبحث عن ذاتها، عن أناها، تلك الأنا الّتي تخلّت عن حبّها لقمع والدها وأعراف مجتمعها، تلك الأنا الّتي تشرّدت في منافي الوطن، من هجرة لأخرى، ولا تزال تبحث عن ذاتها الضّائعة، عن الخلاص، عن الحرّيّة. إنّ البحث الدّائم عن الحرّيّة هو البحث عن الحياة وأسباب الفرح. وفرح كانت تبحث عن معنى حروف اسمها، تلك الحروف الّتي لم تعرف منها إلّا لفظها. لكنّ فرح كانت قد أكّدت في رواية "ظلّ التانغو" أنّ هجرتها إلى السّويد أصبحت قبلتها وهويّتها.. فيها انتهت غربتها عن ذاتها( ظلّ التّانغو: ص39). وفي "غربة الحجل" تقول في الفصل الأخير من الرّواية: "سأحلم لا لأصلح أيّ معنى خارجيّ، بل كي أرمّم داخلي المهجور"(ص 272).

**وقفة أخرى في الميزات الفنّيّة والشّكل

إنّ رواية "غربة الحجل" نصّ حداثيّ يتقاطع فيه أدب السّجون مع الأدب النّسويّ. إنّ محاولة المرأة الكاتبة في الأدب النّسويّ للانفلات من الشّكل الكلاسيكيّ للرّواية باتّجاه شكل فنّيّ جديد ينبع من رغبتها في الثّورة على المضامين والتّقنيّات الفنّيّة الأدبيّة الذّكوريّة. هي محاولة للوصول إلى موازٍ لحرّيّة المضمون على صعيد النّصّ الأدبيّ بامتلاك حرّيّة الشّكل. في ظلّ هذا الواقع الصّادم وقضبانه المعنويّة والمادّيّة تعي الكاتبة أنّ عليها أن تثور على واقعها من خلال تقويض الجنس الأدبيّ، فتتّكئ على أساليب وتقنيّات فنّيّة عديدة، فتجعل روايتها هويّة متعدّدة الفنون وسردًا اختراقيًّا متمرّدًا، تمزج فيها آليّات متعدّدة، كالتناصّ، الميتاكتابة، المونتاج تيّار الوعي وآليّاته، اعتماد اللّغة الشّعريّة المجازيّة والمزاوجة بين الفصحى والعاميّة وتفتيت الحبكة وتهشيمها. يأتي كلّ ذلك بدافع التّمرّد ضدّ النّموذج الأبويّ الصّارم ومقاومة هيمنة الكتابة الذّكوريّة والتّيّار الرّئيسيّ التّقليديّ الّذي أسّسه الرّجل. ولا شكّ أنّ تداخل هذه الفنون والآليّات تهشّم الشّكل تمامًا مثلما هي الرّواية مهشّمة بمضامينها.

في هذه الرّواية الّتي تنتمي إلى أدب السّجون أيضّا، والّتي كتبت بقلم امرأة، تدور حول المرأة ويأتي الحكي فيها بلسان المرأة، ممّا يجعل المرأة تكون راوية الحكاية وموضوعها في الآن نفسه، مهيمنة على سلطة السّرد وعلى عالم الرّواية. الأمر الّذي يشير إلى محاولة هيمنة المرأة على الواقع ولو على مستوى الخيال من خلال هيمنتها على النّصّ. كما يعمل على تعزيز مكانة المرأة بجعلها المسيطرة على عالم النّصّ. فإذا كان صوتها في الماضي عورة ومنعت من حقّ البوح وحرّيّة التّعبير والكتابة، فها هي تجهر بصوتها بقوّة، لا بل تقوله مباشرة ودون مواربة، وبضمير الأنا. من أهمّ المظاهر الّتي يتقاطع فيها الأدب النّسويّ مع أدب السّجون هي هيمنة الشّخصيّة المركزيّة على النّصّ. فإذا كان السّجين المقموع هو الشّخصيّة المركزيّة وهو الرّاوي في معظم النّصوص، فكذلك المرأة في السّرد النّسويّ هي الشّخصيّة المركزيّة وهي الّتي تتولّى سرد الأحداث بضمير الأوّل فتسيطر بذلك على الأحداث وعمليّة السّرد. ويعتبر التّمحور حول الذّات وبروز ظاهرة الأنا هو الّذي يحوّل كتابات المرأة الرّوائيّة إلى نوع من أدب الاعترافات الّذي يقوم على البوح والاستذكار والتّداعي في استدعاء مكوّنات السّيرة الذّاتيّة. وكنّا قد أشرنا إلى إمكانيّة وجود عوامل أوتوبيوغرافيّة كثيرة تعتمدها الكاتبة حيث تنبثق من سيرتها الذّاتيّة وسيرة غيرها من النّساء. يعتبر استخدام ضمير المتكلّم مؤشّرًا إلى اقتحام القضايا المطروحة بجرأة وجدّيّة، ودليلًا قاطعًا على سرد مضامين محظورة بجرأة. فإنّ الكاتبات العربيّات يقصدن منح الأسبقيّة للذّات الأنثويّة، لذلك يستخدمن الضّمير الأوّل باعتباره أفضل وسيلة لتحقيق ذلك في الأدب، فهو أقدر على خلق ملاءمة بين الحياة والأدب. 

 تكثّف الكاتبة من أسلوب الحوار وتطعيم اللّغة الفصحى باللّغة المحكيّة الفلسطينيّة، كما تكثّف من استخدام اللّغة الشّعريّة المجازيّة، فتأتي لغتها خاصّة لإثبات خصوصيّة لغتها وتجربتها، قادرة على احتواء مشاعرها ومعاناتها، وكوسيلة مقاومة للّغة الذّكوريّة. إضافة إلى سعي الكاتبة بتكثيفها للتّناصّ، من الدّين والشّعر والأدب وغيرها، إلى خلخلة شكل الجنس الأدبيّ وزيادة في غموضه ورمزيّته، فإنّها تسعى كذلك إلى تأكيدها على سعة أفقها الفكريّ والثّقافيّ. وممّا يضمن لها كذلك انتهاك نظريّة الأدب الرّسميّ التّقليديّ، مثلما انتهكت شخصيّات الرّواية على صعيد المضمون، وتمامًا مثلما انتهكت قيود السّجن بآليّات الخيال والوعي. تتوق إلى الحرّيّة في خلخلة البنية التّقليديّة محطّمة الثّوابت الكتابيّة الشّكليّة، تمامًا كتوق الشّخصيّات الأنثويّة إلى الحرّيّة. 

وفي النّهاية نقول: تبدأ الرّواية بالسّؤال، وبالسّؤال تنتهي، ويبقى الجواب معلّقًا، وتبقى النّهاية مفتوحة.. فمتى يكون الخلاص؟

 

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية