تربط السلطة علاقة شائكة بل متناقضة مع المعرفة. من هنا تقدّسها، تحميها بكل ما تملك من قوّة وأدوات، وتحيطها بهالات غيبيّة تدبّ الهلع حتى في قلوب من أتيحت لهم ملفّات "سريّة" صدفة، بلا تخطيط منهم ولا قصد. أما من هناك، فتنظر السلطة للمعرفة ببغض ورعب وترى فيها قنبلة ماحقة الوقع يجب إبقاءها بعيدًا عن أيدي عموم الناس. كيف يستوي هذا الحب مع ذاك البغض؟ يتعلّق الأمر بذروة هرم القداسة: الملكيّة. لو كانت معرفة مملوكة بقبضة السلطة فهي جوهرة تنزّ بركات ومكاسب. إما لو شاركها مشاغبون في هذه الملكيّة، فإن المعرفة تنمسخ، تتشيطن، تصبح المطلوبة رقم (1) على مهداف البنادق.
هذه القصة قديمة. حفظتها لنا نصوص ثيولوجيّة وميثولوجيّة. لقد كلّف تذوّقُ ثمار "شجرة المعرفة" المسكينَين الغافلـَين هناءَ حياتهما الفردوسية، فطُردا الى مملكة الشقاء الأرضية. لقد خشيت السلطة من أن تقودهما ثمرة المعرفة الى ثمرة "شجرة الحياة"، الى الخلود، وبالتالي التنافس على العرش.
أما طيّب القلب اليوناني بروميثيوس، فقد دفع بكبده ثمن ما أغدقه من سخاء على الإنسان: قبَس النار والنور، الكناية الأسطع عن المعرفة. وهو ما جعل سيّد الأوليمب الأعلى، زيوس، يستشيط غضبًا من احتمال تمرّد على مملكته بفضل "المعرفة الزائدة"، فيقرر معاقبته بتقييده على صخرة في جبال القوقاز وجعل النسر العملاق اثون ينهش كبده كل صباح قبل أن ينمو مجددًا فى المساء فيمسي عقاب بروميثيوس مؤبدًا.
الحكمة المخبأة في الحكايات العابقة بالتاريخ، بمعلوماتها وخرافاتها واستعاراتها، تحرّك سبابة ضخمة في وجوهنا الضئيلة كي تقول لنا: إحذروا المعرفة، أقنعوا بالعابر والسطحي. وها هو ملك اليمن القديم يردّد صدى هذه "الحكمة" لينبّهنا: الإكثار من المعرفة إكثار للمواجع.
مستندين على هذا الإرث الهائل والمهول، وفي قفزة يصل طولها بضعة آلاف سنين، نقف ونسأل: ما الذي فعله جوليان أسانج، صاحب موقع "ويكيليكس"، حتى يعتبره عضو في الكونغرس الأمريكي عام 2010 إرهابيًا؟ وما الذي دفع الناطق باسم البيت الابيض روبرت جيبس للقول حينذاك: "ليكن واضحا ان هذه المعلومات (التي كشفها ويكيليكس) تعرّض للخطر دبلوماسيينا والعاملين في اجهزة الاستخبارات، وشعوب العالم التي تطلب من الولايات المتحدة مساعدتها لنشر الديمقراطية". طبعا من لا يذكر وتذكر كيف لبّت واشنطن طلب الشعبين العراقي والأفغاني بشحنات هائلة مفخخة من الديمقراطية جو-أرض؟
لقد حصل أسانج على وثائق "سريّة" هي عبارة عن مكاتبات لسفارات أمريكية كشفت معلومات هامة، تدلّ على حقيقة المواقف الأمريكية. منها: قيام زعماء أنظمة عربية ترعى في الحظيرة الأمريكية بالضغط لمهاجمة إيران؛ أثرياء سعوديين مرضيّ عنهم من واشنطن يموّلون منظمات مسلحة بينها "القاعدة"، أكبر بعبع Made in USA في الألفية الثالثة؛ "تقييمات" لرئيس الموساد الاسرائيلي بأنه لن يتم توقيع أية اتفاقيات فعلية مع الشعب الفلسطيني؛ طلب الخارجية الأمريكية من دبلوماسييها في السفارات الامريكية في الاردن ومصر والسعودية وسوريا، بجمع معلومات شخصية عن مسؤولين كبار في السلطة الفلسطينية وحركة حماس؛ ضبط مسؤول أفغانيّ كبير في الحكومة الأفغانية التي تلعب بها واشنطن كما تشاء، يحمل 50 مليون دولار نقداً في رحلة خارجية؛ المساومة على إخلاء معتقل جوانتانامو غير القانوني، بواسطة الطلب من دبلوماسيين سلوفينيين استيعاب سجناء محررين منه، مقابل تنسيق مقابلة تجمعهم بالرئيس الأمريكي في حينه باراك أوباما؛ تهديد الولايات المتحدة لألمانيا عام 2007 لمنعها من إصدار مذكرات توقيف ضد عملاء في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) اختطفوا مواطنًا ألمانيًا؛ إصدار تعليمات من وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون لمسؤولين دبلوماسيين أمريكيين بالتجسس على رئاسة الأمم المتحدة؛ اتهامات واشنطن للحكومة الروسية بالعلاقة مع المافيا؛ حقيقة موقف النظام الأمريكي من قادة عديدين، هم أصدقاء لواشنطن عمومًا - فالرئيس الافغاني حامد كرزاي "ضعيف للغاية ومصاب بأوهام نظرية المؤامرة"، رئيس الوزراء الإيطالي "عديم الجدوي والفعالية"، الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي "القيصر العاري شديد الحساسية"، المستشارة الامريكية انجيلا ميركل "غير مبدعة"، الزعيم الليبي في حينه معمر القذافي "لا يسافر الا بصحبة ممرضات شقراوات من الاوكرانيات".
استنادًا الى وثائق ويكيليكس، كتب الصحفي البريطاني روبرت فيسك مقالا بعنوان "الآن نعرف أن أمريكا ليست مهتمة بالظلم الذى يحدث فى الشرق الأوسط" (أواخر 2010). الكم الهائل من الوثائق الدبلوماسية أثبت (لمن ينقصه إثبات!) أن الدعامة الأساسية لسياسة واشنطن المتعلقة بالشرق الأوسط هى التحالف مع إسرائيل وأن هدفها الرئيسي هو تشجيع العرب على الانضمام إلى التحالف الأمريكى الإسرائيلي ضد إيران. يقول فيسك: هناك "لحظة رائعة" فى المراسلات عندما أوضح بنيامين نيتنياهو لوفد الكونجرس الامريكي فى 28 نيسان 2009 أن الدولة الفلسطينية يجب أن" تكون منزوعة السلاح وليست لها سيطرة على مجالها الجوى والكهرومغناطيسى ودون أن تكون لها سلطة الدخول فى معاهدات أو تسيطر على حدودها". ويبدو أن أعضاء الكونجرس لم يقولوا شيئا حيال هذا الأمر على الإطلاق، يستنتج الكاتب.
المسؤولون الأمريكيون اعتبروا نشر ويكيليكس فعلاً "متهورًا" و "سلوكًا فوضويًا". مسؤول آخر اعتبر سلوك الموقع "فوضويًا وليس ديمقراطيًا". فما هو الفوضوي؟ هو ما يتحرّك بحريّة خارج قبضة السلطة. وما هو الديمقراطي؟ هو الذي يتحرّك بحريّة ولكنْ داخل قبضة السلطة. هذه القبضة هي ما يحدد محتوى التعريف، وبموجب إحداثيات العلاقة معها تتحدّد مضامين وقيَم وسياسات ومصائر.
ما فعله موقع "ويكيليكس" هو ممارسة دقيقة لمبدأ "حق الناس في المعرفة". وهو مبدأ يُفترض أن تتفاخر به جميع ديمقراطيات ما يسمى بـ "العالم الحرّ"، والأمريكية منها خصوصًا، المتبجّحة حتى الملل. لكن المبادئ تُطعج طعجًا سافرًا حين تخرُج ممارسة هذا الحق من أيدي المسيطرين على المعرفة، مع أن "العقد الاجتماعي" الشهير يفترض أنهم يعملون بتفويض من صاحب السيادة: "الشعب"، "الجمهور". وإلا فلا شرعية للدول أبدًا بالوجود، لأن الدولة تعبير عن إرادة مواطنيها الذين يحق لهم المعرفة كما تنص دساتير تلك الدول.
إذًا، فبأيّ حق يتم تحويل من يحترم ويمارس أحد أهم ركائز الديمقراطية الليبرالية في الدولة الحديثة الى متهوّر وإرهابي؟! الجواب: يجري هذا بحق الغطرسة، وليس أي شيء آخر. وبما أن الغطرسة ليست حقًا، بل هي عنف من الدرجة الأولى، فيجب مواجهته من أجل مصلحة جميع شعوب العالم، حتى تلك التي تمارَس الغطرسة باسمها وباسم مصالحها وبتفويض ديمقراطي منها.
.png)






.png)


.jpeg)



.png)

