أمريكا راس الحية| توفيق كناعنة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

عندما شن حكام إسرائيل حربهم على غزة تحت شعار "القضاء على حماس" رأينا ان هناك بعضا من رؤساء الدول الاستعمارية قد توافد الى إسرائيل، ليس لإيقاف هذه الحرب البشعة بل من أجل دعم حكام اسرائيل في عدوانهم وكانت بمقدمتهم أمريكا التي هي شريكة مباشرة في هذه الحرب. ومعهم حضر مسؤولون من بريطانيا وفرنسا وايطاليا والمانيا وجميعهم قدموا الدعم المادي والعسكري والسياسي والإعلامي لحكام اسرائيل.

عندما رأيت كل هذه الدول تتوافد لدعم اسرائيل، قلت في نفسي: ربما قطاع غزة أصبح دولة عظمى تمتلك ترسانة عسكرية تضاهي هذه الدول الخمس الكبرى بالإضافة لاسرائيل، وانا لا أدري كيف يمكن هذا مع اني أعلم جيدا ان مساحة هذا القطاع لا تساوي اكثر من 365 كم مربع الذي يعني ان مساحته الكلية اقل من 1.5% من مساحة فلسطين التاريخية. "وهذول كلهن مستكثرينهن" على اهالي قطاع غزة، هذا القطاع الذي يفوق جميع دول العالم من حيث الكثافة السكانية.

ان زعماء هذه الدول يعرفون هذا جيدا وفي الوقت نفسه يعرفون انهم سبب جميع الحروب التي جرت في منطقتنا وهم في الأساس سبب المأساة التي حلت بشعبنا العربي الفلسطيني عندما اجتمع الثلاثي الدنس: الاستعمار والرجعية العربية والحركة الصهيونية ضد هذا الشعب المسالم والمحب للحياة، الشعب العربي الفلسطيني وتآمرهم هذا هو الذي ادى الى نكبة هذا الشعب في سنة 1948، بالرغم من انه قبل الانتداب البريطاني وقبل بلفور المشؤوم، كان سكان فلسطين من مختلف الاديان والطوائف يعيشون جنبا الى جنب بمحبة وتآخي، ولكن عندما جاءت بريطانيا استعملت اسلوبها الدنيء "فرق تسد".

ان حكام هذه الدول يعرفون جيدا ان حكام اسرائيل هم الذين يحتلون الاراضي الفلسطينية ويعرفون جيدا انه لا يوجد حتى اليوم اي احتلال عسكري في العالم مثل الاحتلال الإسرائيلي، وان حكام اسرائيل يرفضون تنفيذ اي قرار من قرارات الامم المتحدة، وهذا بدعم كامل من الولايات المتحدة الامريكية التي تستعمل حق النقض دائما على كل قرار يدعو الى وقف الحرب على الشعب الفلسطيني. ويكتب الصحفي شلومو شمير بعد هذا الفيتو الامريكي في جريدة معاريف مقالا يوم الأحد بتاريخ 10.12.2023 تحت عنوان "فيتو على النازية".. بديش أعلِّق على مثل هذا العنوان، بس بدي اقول انه أضحكني كثيرا وإشمأزيت كثيرا من هذا الاسلوب المتعالي وفي الوقت نفسه يتمادى مندوب اسرائيل على السكرتير العام للامم المتحدة. ولا أريد ان أعيد ما قاله لأنني أخجل بإعادة هذا الكلام السيء من رجل "دبلوماسي" لا يفقه معنى الدبلوماسية، وهذا الاسلوب هو اسلوب مميز لحكام اسرائيل باستعلائهم القومي.

ان حكام اسرائيل يريدون فرض روايتهم المزيفة على العالم تحت شعار محاربة حماس وهم في الحقيقة يريدون التخلص ليس فقط من سكان غزة، بل برنامجهم هو التخلص من كل الشعب العربي الفلسطيني، ومن هنا نرى الأعمال الوحشية التي ترتكب ضد السكان في الضفة الغربية من قتل وهدم واعتقالات يومية في جميع انحاء الضفة الغربية.

ان هذه الحرب المستمرة هي في الواقع حرب على كل الشعب العربي الفلسطيني والتي بدأت من الناحية العملية منذ قرن من الزمن وبأشكال مختلفة حتى يومنا هذا، وفي هذه الايام هي الاعنف لان حكام اسرائيل يعتقدون ان هذه هي فرصتهم للقضاء على حلم الشعب الفلسطيني لإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، خاصة عندما وجدوا هذا الدعم الهائل من قبل امريكا بشكل خاص ماديا وعسكريا واعلاميا، وعملوا حتى الان على منع وقف الحرب بالرغم من انه حتى الان قد سقط اكثر من 20000 شهيد واكثر من 50000 جريح، هذا عدا عن الذين ما زالوا تحت الأنقاض واكثريتهم المطلقة من الاطفال والنساء والشيوخ. هل هؤلاء حماس؟ هل المباني والكنائس والجوامع ايضا حماس؟ صحيح، رأيت على شاشة التلفزيون شخصا يقول ان هؤلاء الاطفال هم "المخربون" وان الطفل الذي في بطن أمه الفلسطينية هو ايضا "مخرب" الذي يعني انه يحلل قتل الاطفال.

ان كل انسان مع ضمير حي يقول وبصوت عال، كفى للحروب كفى لسفك الدماء. امريكا تستطيع لو ارادت ان تفرض على اسرائيل وقف شلال الدم الذي يسيل يوميا من كلا الشعبين ولكنهم لا يريدون لان من مصلحتهم الاستعمارية استمرار هذا الصراع، وان امريكا كانت قد استأثرت بالوساطة بين الاسرائيليين والفلسطينيين على مدار سنوات طويلة، وفشلت لانها ارادت ان تفرض على الفلسطينيين الأجندة الإسرائيلية، وهذا يعني انهم لا يريدون حلا عادلا بالرغم من ان محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية وضع كل اوراقه في السلة الامريكية وكان ترامب قد قدم مشروعه للحل الذي عرف "بصفقة القرن" ولكنها رفضت بشكل مطلق من قبل الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير وجميع الفصائل الفلسطينية، لأنه منحاز كليا وبشكل مطلق لصالح حكام اسرائيل ولذلك ارسل هذا المشروع لمزبلة التاريخ ونزعت الثقة بأمريكا من قبل الشعب الفلسطيني نتيجة لدورها المنحاز، وعرف انها ليست وسيطا صادقا.

ولذلك لم تكن صدفة ان يقول الرفيق طيب الذكر توفيق زياد منذ زمن طويل ان امريكا راس الحية، وهذا ما نراه اليوم أكثر من اي وقت مضى ولكن الحكام العرب لا يريدون فهم هذه الحقيقة.

ان حكام اسرائيل يحلمون ان بإمكانهم اسكات الجماهير العربية والقوى الديموقراطية اليهودية في داخل اسرائيل الذين يطرحون البديل الحقيقي الديموقراطي والانساني الصحيح من اجل الخروج من شلال الدم الذي يُسفك من كلا الشعبين، لأنه لا توجد اي قوة يمكنها اسكات هذا الصوت العربي اليهودي المسؤول والواعي لخطورة الوضع الذي نحن فيه، ولذلك سيبقى صوته عاليا ينادي بوقف الحرب والانسحاب الكامل من جميع الاراضي الفلسطينية المحتلة ومن الاراضي السورية المحتلة ايضا، فهذا هو الطريق الوحيد للسلام العادل في هذه المنطقة، وفي العالم، الشعب العربي الفلسطيني لم ولن يكف عن المقاومة الا بتحقيق حقوقه المشروعة بكنس الاحتلال واقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، ولن يكف عن المقاومة ولن يساوم على حقه في الحرية والاستقلال والعيش الكريم حيث قال شاعرنا طيب الذكر الرفيق سميح القاسم في احدى قصائده: "لن أساوم، والى اخر نبض في عروقي سأقاوم".

ان شعبنا العربي الفلسطيني دائما كان وما زال يريد السلام ولذلك لم تكن صدفة ان يتوجه الرئيس الفلسطيني الخالد ياسر عرفات نحو السلام هو واسحاق رابين وعقد اتفاقية اوسلو التي لو نفذت لكانت قد وفرت دماء كثيرة من كلا الشعبين. ولكن القوى الظلامية قد قتلتهم وقتلت عملية السلام، وبعدهم جاء حكام في اسرائيل عرقلوا ومنعوا هذه العملية من الاستمرار بل واكثر من ذلك يقول رئيس الوزراء الحالي نتنياهو انه هو الوحيد القادر على منع قيام الدولة الفلسطينية، هذا الانسان الذي يسير حسب مبدأ "انا ومن بعدي الطوفان" وكما قال ايضا الشاعر الوطني طيب الذكر راشد حسين: "سنفهم الصخر اذا لم يفهم البشر، ان الشعوب اذا هبت ستنتصر" وشعبنا العربي الفلسطيني سوف ينتصر لانه صاحب حق في الوجود والاستقلال والحرية ولأنني على يقين ان القوى الديموقراطية والعقلانية بين الجماهير الاسرائيلية هي التي ستنتصر ايضا في النهاية، لأنها ستعمل بصدق من اجل السلام والعيش المشترك، وعندها سيعيش الشعبان في دولتين مستقلتين بأمن وسلام، وحينها سيفهم الجميع، ان الشعب الذي يحتل شعب اخر لا يمكن ان يكون هو نفسه حرا، وهذا ما اؤمن به وكلي ثقة انه سيحصل عاجلا ام اجلا، واريده عاجلا لأني اريد ان احتفل انا ورفاقي واصدقائي اليهود الذين احبهم واعزهم والذين تربطني بهم منذ زمن طويل علاقات رفاقية وانسانية جيدة دائما، لانه سيكون انتصارا لكلا شعبي هذه البلاد.

في النهاية أقول أوقفوا هذه الحرب المدمرة، الحروب لا تجلب السلام انما تنمي الحقد والكراهية ونحن نريد ان ننمي الحب والتآخي والعيش المشترك القائم على الاحترام والثقة المتبادلة بين شعبي هذه البلاد وان ننبذ مشعلي الحروب الذين ينكرون حق الشعوب في الحرية والاستقلال.

هذا ما نريده من اجل مستقبل ابنائنا واحفادنا وجميع اطفال العالم لأننا نريد مستقبلا لعالمنا خاليا من الحروب والعنصرية والكراهية بين بني البشر، حتى يصبح عالما يطيب العيش فيه. او كما قال الشاعر طيب الذكر الرفيق محمود درويش: "على هذه الارض ما يستحق الحياة" ونحن وجميع البشر نستحق الحياة الامنة والكريمة.

 

عرابة البطوف

قد يهمّكم أيضا..
featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية