أن تكون عربيا في "دولة اليهود"- دراسة في رواية "نوار العلت"   (2-2) |  د. رياض كامل

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

بناء على عنصري المكان والزمان فالشخصيات مغايرة؛ الأبناء طلاب جامعيون، والأم مثقفة تعمل في التدريس، إذ كان معظم الشخصيات في أعمال محمد علي طه الأدبية عمالا وفلاحين وسيّدا ومسودا ومناضلا ومختارا وخواجا متجبرا. هنا الأنا والآخر يحملان صورة حديثة مختلفة عما هو مألوف، فالأنا هنا واثقة بذاتها، اعتمادا على ما اكتسبته من علم ومن تجربة، رغم الخسائر المتتالية؛ خسر العربي الأرض، وخسر في كل المعارك، لكنه لم يخسر إيمانه بصدق قضيته ورسوخِها. يعارك العربي كي يستعيد ذاته وكرامته وكيانه كإنسان يدرك جيدا هول ما كان، فيعمل بإصرار على استعادة وعيه وهويته، مدركا هول الصدمة، رافضا أن يتابع في نفس طريق من سبقوه، يغيّر التكتيك والاستراتيجية في التعامل مع الواقع الجديد. يلملم الفلسطيني شظاياه في ظل ظروف عالمية ومحلية غاية في التعقيد؛ عالَم عربي مهشَّم، متفرّق ومشتَّت، ومواطَنة منقوصة الحقوق، أراض صودرت وحيز حريّة ضيق، ومع ذلك لا يفقد البوصلة، يرى إلى البعيد إلى الضوء الذي ينبثق من آخر النفق.

يعمل الروائي محمد علي طه على تصوير اليهودي، من زاوية أخرى تعكس، إلى حد بعيد، مركبات "هوية" المجتمع اليهودي الإسرائيلي، فكريا واجتماعيا وسياسيا، وهي صورة أخرى مغايرة لليهودي عما عرفته الرواية العربية عامة والفلسطينية خاصة. في الرواية شخصيات يهودية متنوعة ومركّبة، فيها "اليساري" و"اليميني المتطرف"، "المتدين" و"العلماني" و"الشكنازي" و"السفرادي"، ومن خلال هذا الخليط من الشخصيات تبرز صورة "دولة اليهود" المتطرفةِ في نظرتها الاستعلائية العنصرية، ورفضِها التعايشَ مع الفلسطيني، لدرجة عدم قبول إقامة علاقة حب بين فتاة يهودية وشاب عربي. 

يلفت نظر القارئ حين يدخل في عمق النص، للتعرف إلى الشخصيات عن قرب، اهتمامُ الراوي والروائي معا في الخوض في تفاصيل حياة الشخصيات. فالعربي ولد في بلدة فلسطينية، ورث أرضه عن والده، كما ورثها هو الآخر عن الجد يتعيّش من خيراتها، يكدّ جميع أفراد العائلة من أجل الحصول على لقمة الخبز الشريفة يحدوهم أمل بتحقيق أحلامهم وإنهاء الدراسة الجامعية. في حين تشير تفاصيل حياة الشخصيات اليهودية إلى أصول أوروبية أو شرقية وصلت البلاد بعد هجرتها إليها من بولونيا وتشيكيا والعراق ورومانيا على سبيل المثال، ومن هذا المزيج تولّد المجتمع اليهودي الإسرائيلي الصهيوني، وتم التعارف بين بعض هذه الشخصيات أثناء الخدمة في الجيش، أو في وظائف حكومية. كما تتضح صورة الصراع الطبقي الخفي بين اليهود من أصول غربية ومن أصول شرقية، حيث ينظر الغربيون (الإشكنازيون) إلى الشرقيين (السفاراديم) نظرة فوقية استعلائية. 

لا يستطيع القارئ أن يمرّ على مثل هذه التفاصيل مرّ الكرام، فلكل كلمة في النص دور ولكل معلومة تضاف إليه هدف، كما يدعي ميخائيل باختين، وما على القارئ إلا أن يبحث عن دلالة كل معلومة وأن يقوم بملء فراغات النص دون العودة إلى تنظيرات إنجاردن وإيزر أو إيكو وغيرهم من أصحاب نظريات "جماليات التلقي"، هذه المعلومات حين يطرحها الراوي الرئيسي المشرف الكلي المعلق تكشف بما لا يقبل الجدل عن موقفه المنحاز للعائلة العربية. فالأم العربية تستقبل صديقة ابنها في بيتها بحفاوة، وترى في عينيها لون نوار العلت، رغم أنها أمّ مهجرة من قريتها الطنطورة.

"نوار العلت" رواية تستلهم أحداثها من الحاضر، من الواقع الراهن، حيث الصراع يأخذ منحى جديدا بناء على عاملي الزمان والمكان وما تولد عن ذلك، فالجيل الحالي يتزوّد بعلم وثقافة ورؤى فكرية مؤدلجة، يستفيد من الماضي ويتعلم من تجارب السابقين، وبالذات من أخطائهم. لا تتوصل الرواية إلى حل نهائي، كما يتمنى البعض، وليس من شأن العمل الأدبي والعمل الفني أن يعملا على حل قضايا كبرى، يعمل الفن على معاينة الماضي والحاضر للاستفادة منهما. لكن ما لا شك فيه هو الإصرار على التمسك بالهوية العربية الفلسطينية بكل مركباتها، رغم تبدل الزمان وتغير صورة المكان وما عليه.

 

التخييل الروائي

تحدثنا أعلاه عن بعض عناصر الرواية ومركباتها، وقلنا إنها تمتح أحداثها من الواقع، ومن صلب الصراع الفلسطيني اليهودي، فأين الجديد إذن؟ إنّ هذا الصراع لهو واقع نحياه كل يوم، نقرأه ونسمعه عبر كل وسائل الإعلام، ونشهد أحداثه دون أية وسيلة مساعدة. إنّ الرواية عمل فني في أساسه، وليست صورة طبق الأصل عن الواقع، وبالتالي لا تصوِّر الحياةَ في شكلها المتكامل، بل هي تقتطع منها صورا وأحداثا، تماما كما يفعل الرسام حين يصور يدا مقطوعة، أو وعاء طعام فارغا، أو يرسم طفلا تدمع عيناه. 

فالتخييل أساس العمل الأدبي والفني، وبدونه سيكون العمل الروائي سردا تاريخيا أو كلاما مباشرا، "معلوم أنّ التخييل هو ما تتفتّق عنه المخيّلة من صور ومشاهد تستمدّ عناصرها من الواقع المحسوس والمرئيّ، ولكنّها تعيد صياغته وتوليفه بحسب الموقف أو الحكاية المبتدعة التي يتوسّلها الروائي لينسج عالمه الخيالي ذا الصلة بالعالم الخارجي... ونتاج التخييل هو ما نسميه المتخيَّل وعلى رغم أنّ المتخيل هو عالم مستقل، قائم الذات نتيجة للغة والرموز والأخيلة، فإنّ صلته بالمرجعية الخارجية تنتظم عبر اللغة والدلالة والتقاطع بين الواقعي والرمزي في مجرى الحياة". (برادة، محمد. الرواية العربية ورهان التجديد. دبي: مجلة دبي الثقافية، 2011. ص80)  

اعتمادا على قول الباحث محمد برادة، أعلاه، فإننا بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم "الواقع"، وفي بيئة الفنان ومحيطه. إذ بات البعض يعتقد طبقا لذلك أنّ الفنان/ الروائي لن يكتب إلا بناء على الواقع الذي يراه، وبناء على البيئة التي يعيش فيها. نعود لنؤكّد على أنّ الفنّان يقتطع من واقعه مشاهد وأحداثا، لكنه لا يرسمها وفق الأصل، ولا يصوّرها صورة فوتوغرافية.

على الروائيّ، أيّ روائي أن يُقنع القارئ بشخصياته التي خلقها، وذلك من خلال منطوق هذه الشخصيات التي تتحدث بلسانها وفق واقعية الأحداث الداخلية لا الواقعية الخارجية، لأنّ العمل الفني يخلق منطقا خاصا به، وليس ذلك مقتصرا على العمل القصصي بل هو سمة هامة من سمات الشعر أيضا. لكنّ ذلك لا يعني بتر العمل الأدبي نهائيا عن الواقع الخارجي فهو، كما قال بعضهم "المرآة والنافذة"، بكل ما يحمله هذا القول من عمق ودقّة. فهل على القارئ أن يرى إلى الحدث الرئيسي كإشارة إلى شبيه له في الحياة اليومية؟ وبالتالي هل يرمي محمد علي طه إلى معالجة قضية زواج العربي من يهودية؟!!

لو كان هذا هو الموضوع الحقيقي لكان أولى بالكاتب أن يعبّر عن رأيه من خلال مقالة اجتماعية يقوم بنشرها في بعض المواقع يعطي فيها رأيه مباشرة، لكنّ أساس العمل الأدبي هو قدرته على التشظّي، وتوظيف لغة غنيّة قادرة على السرد والتوصيف والترميز، وفتح باب التأويل على مصراعيه، وخلق فجوات نصية يملأها القارئ وفق ثقافته، وبالذات القارئ "السوبر"، كما يقول ميشيل ريفاتير، أو النموذجي والموسوعي، كما يقول غيره،. 

ينشغل محمد علي طه، مثل معظم الأدباء والمفكرين الفلسطينيين بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي بكل أبعاده المباشرة وغير المباشرة. لكنه، كروائي، لا يدخل في تفاصيل الصراع ولا في أسبابه ونتائجه فذلك دور المؤرّخ لا الأديب. فقد فتح غسان كنفاني النقاش مع الآخر على مصراعيه في روايته "عائد إلى حيفا"، وكان حوارا على أكثر من مستوى، جمع فيه بين المرأة اليهودية وبين سعيد وزوجته صفية، وأجرى بينهم حوارا إنسانيا، كان في خلفية هذه المواجهة حوار خفيّ مع الحركة الصهيونية حيث لا مهادنة. يدير طه في "نوار العلت" حوارين: الأول بين أناس عاديين ينتمون لقوميتين وديانتين مختلفتين، قد يختلفون فيما بينهم في أمور الحياة اليومية وقد يتفقون، والثاني بين أيديولوجيتين متضادتين متناحرتين ليس الحب حلا لهذا الصراع الأيديولوجي، وهذا هو الجانب الأقوى في عملية التخييل، حين يجمع بين الشاب العربي الفلسطيني والطالبة اليهودية صدفة في مقصف الجامعة ويتحابان، فكانت النهاية درامية؛ مقتل الشابة اليهودية، وما يحمله ذلك من دلالات وأبعاد فكرية واجتماعية وسياسية. 

قد تكون فكرة الرواية المباشرة مستمدة من خبر في إحدى وسائل الإعلام التي تحدثت عن مقتل صبية يهودية واتهام شاب عربي بتنفيذ ذلك حتى قبل القيام بعملية التحقيق. هذا الخبر يشبه في حياتنا اليومية، بهذا الطرح، خبرا عاديا، لكنه حين يتحوّل إلى عمل روائي عمدته التخييل تصبح "القصة" أكثر أهمية، وذلك من خلال توظيف تقنيّات فنية تعتمد على تهشيم الزمن، وعلى سرد ووصف عمادهما اللغة الفنية بمستوياتها المختلفة، وإقامة حوارات حاذقة، والانتقال من مكان لآخر وفق الضرورات الفنية، مما يجعل النص قابلا للتصديق بفضل عوامل التخييل وتقنيّاته المتعددة. 

يتغيا الروائي محمد علي طه من خلال هذا العمل، كما ذكرنا، أن يتحدث عن موضوع حارق يتعلق بحياة العربي اليومية وما يتعرض له من ظلم وضيم نتيجة السياسة العنصرية، فاختار الحديث عن مقتل فتاة يهودية في منطقة عربية، لتبدأ عملية البحث عن الجاني، ثم تتشظّى الحكاية وتتفتّق عن عوالم تجمع بين الواقع والخيال، وتبنى الأحداث وفق منطق المبنى الفني الروائي مع التشديد على أهم الميزات الخاصة التي تتعلق بحياة العربي ومعاناته اليومية في أكثر من مجال، بحيث يصبح النص "منطقيا" وفق عاملي المكان والزمان، واعتمادا على سارد قادر على الحفاظ على بُعدٍ ما من الحكايات، بحيث يبدو محايدا، يساعده في ذلك توظيف تقنيات رواية تيار الوعي التي تحيّد السارد الرئيسي، ومن ثم تحيّد الروائي، وذلك من خلال المونولوج، والحلم والذكريات والاستطراد، أو الوقف أحيانا، وخلق الفراغات النصية ليصبح القارئ جزءا من عملية الخلق لا مجرد مستقبل سلبي. وكي تتحقّق عملية التخييل وظّف الروائي المفارقات الزمنية وتهشيم التسلسل الزمني وحاول جاهدا توظيف أكثر من صوت عبر تعدد الضمائر وتسليم السرد لرواة ثانويين بهدف خلق رواية ديالوجية، وهي خطوة نحو الأمام مقارنة مع روايته الأولى "سيرة بني بلوط" لكنّه لم يرخ للرواة العنان، ولم يفلتهم من عقاله فكانت حرية مقيدة. 

لقد أجاد محمد علي طه في توظيف كل هذه التقنيّات بالذات في توصيف المكان بكل ما يحمله من ميزات محلية خاصة، لذلك كنت أتمنى على الروائي أن يسلك أكثر سبيل الإيجاز والتلميح بعيدا عن الإطالة والاستطراد أحيانا.

يسلك الكاتب في هذه الرواية سبيل المغامرة، وقد تجلى ذلك في أكثر من جانب، بدءا من الموضوع ذاته، نظرا لما فيه من حساسية. أما المغامرة الكبرى فهي في مجال الحوارات بين شخوص الرواية بهدف تعدد الأصوات، وهي في معظمها أصوات متناقضة تمس صلب القضية الفلسطينية في بعدها الأيديولوجي، مما يفسح المجال للآخر المختلف أن يقول رأيه بوضوح قد لا يروق لبعض القراء، لكنّ الروائي، عملا بتعدد الأصوات فتح باب الحوار على مصراعيه بكل ما فيه من تناقضات بين كل الأطراف. في محاولة منه خلق رواية ديالوجية (حوارية) لا رواية مونولوجية (أحادية الصوت). 

 

خلاصة وأكثر

"نوار العلت" واحدة من الروايات الفلسطينية الحديثة التي تعمل على زرع الثقة يالذات، وتساهم مع بعض الروايات في معاينة ومتابعة الصراع العربي اليهودي في إطاره اليومي، وفي حدود الفكر الأيديولوجي على أرض الواقع بعيدا عن التاريخ، قريبا من الواقع اليومي المعاصر. نشر محمد علي طه عدة مجموعات قصصية تناولت القضية الفلسطينية منذ الانتداب البريطاني مرورا بالنكبة والنكسة وما تبعهما. لكن اللافت حقا أنّه يحسن الإفلات من التاريخي باتجاه الفني، من ناحية، ويدخل في عمق الحياة اليومية للإنسان الفلسطيني في أبعادها الاجتماعية والفكرية من ناحية أخرى. وهو يفاجئنا، بعد تجربته الطويلة، حين يعالج قضايا شبابية، لكنها، بلا شك، نابعة من حكمة الكبار ونضوجِ تجاربهم التي تجعلهم حريصين على مواكبة كل صغيرة وكبيرة بقلق وانفعال يحدوه الأمل بمستقبل أفضل.  

يتعدى محمد علي طه في روايته الجديدة مواضيعه التقليدية، التي أجاد فيها، ودخل في مغامرة جديدة حين حمّل روايته بُعدا بوليسيا، عبر تحقيقات تمتدّ على حيز واسع من الرواية، هذه التحقيقات التي تضع "الجاني" نصب عينيها لإلصاق التهمة به نظرا لانتمائه القومي، دون حاجة إلى برهان أو دليل يدينه، لكن المتهم يخرج هذه المرة من التهمة بريئا، ويحقق نصرا على خصمه رغم عدم توازن القوى. 

لا تقدم الرواية نصرا فلسطينيا مجانيا، ولا تتحدث عن "نصر" دون معاناة، ولا عن بطولة خارقة لشاب قادر على الوقوف في وجه دبابة، أو في وجه جندي مدجّج، بل رسمت صورة للمعاناة اليومية التي يتعرض لها المواطن العربي هنا، وإمكانيةِ الوقوف في وجه الآخر بثقة وثبات شريطة التسلح بالفكر الاجتماعي الواعي الحر، دون الاكتفاء بالفكر السياسي التنظيري فقط. إنها واحدة من روايات المقهورين الذين لا يفقدون الأمل.

إن صمود الأخوين في وجه المحققين، رغم ممارسة كل وسائل الضغط والترهيب، وانتزاعَهما البراءةَ وسجنَ القاتل اليهودي الفاشي يحمل رسائل وإشارات واضحة تصوّر العربي الفلسطيني الذي يواجه "دولة اليهود" مواجهة فكرية، لأن الصراع الحقيقي هو صراع فكري، قبل أن يكون صراعا آخر. ولم تكن النكبة والنكسة لتحدثا لولا ضعف الفكر العربي وانعدام الوعي. رواية "نوار العلت" واحدة من الروايات الفلسطينية القادرة على محاورة الآخر، بسلاسة، وقادرة على إقامة نقاش بين مؤيد ومعارض لدى القراء على اختلاف الانتماءات الفكرية والعرقية، في حال ترجمت إلى لغة يقرأها الملايين. لم يكن عفوا أن تترجم رواية "عائد إلى حيفا" إلى أكثر من لغة لأنها طرحت قضية مقتطعة من واقع مؤلم يمكن أن يُحرِّك مشاعر أي إنسان حيثما كان، وعرضت حوارا إنسانيا بين أناس عاديين ينتمون لأيديولوجيات متناحرة، بعيدا عن التشنجات والصراخ رغم صعوبة الموقف.  

يحاول محمد علي طه أن يقيم مشروعا روائيا يعاين من خلاله مسيرة العربي الفلسطيني بدءا من المواجهة مع الانتداب البريطاني، مرورا بالنكبة وانتهاء بالصراع الفلسطيني اليهودي اليومي بناء على المتغيرات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وذلك من خلال رواية "سيرة بني بلوط" (2004)، والسيرة الذاتية "، نوم الغزلان" (2017) ورواية "نوار العلت" (2021)، فحملت هذه المؤلَّفات وجهة نظر الروائي الذي عاش أهم الأحداث السياسية منذ النكبة وحتى اليوم.

تعالج الرواية الصراع العربي اليهودي من زاوية أخرى تلائم جيل أبناء القرن الواحد والعشرين، من خلال المواجهة اليومية المباشرة، وبالتحديد من خلال حياة الطالب العربي الذي يدرس في الجامعات الإسرائيلية وما ينتج من صراع داخل البيت الواحد؛ نقاشات الطلاب العرب، واختلاف انتماءاتهم الفكرية والسياسية، والنقاش مع الآخر؛ اليهودي الصهيوني، سواء انتمى للفكر "اليساري" أو الفكر "اليميني". يبحث الفلسطيني عما يعوّضه عن الانكسارات والهزائم، فذهب باتجاه تثبيت الإيمان بصدق قضيته والحفاظ على الهوية بمفهومها الواسع. عمل الروائي على إبراز أكثر من صوت لتوضيح الصراع الحاد بين الخصوم، وقد عمد، أحيانا، إلى كشف بعض ملامح الشخصيات عبر سرد مباشر بعيد عن اللغة الشاعرية الروائية، وبرأيي أن ذلك لم يساهم في تعدد الأصوات، إذ هناك تقنيات قام الروائي بتوظيفيها بصورة رائعة في مواقع أخرى تعتمد على التلميح والترميز.

بناء على عالم رواية "نوار العلت" واختلاف المكان والزمان والشخصيات فقد تجرأ الروائي على إقحام مشاهد جنسية لم نألفها في كتاباته، أو في كتابات معظم الروائيين الفلسطينيين، فقد يكون وجود شخصيات يهودية تنتمي لثقافة أخرى وبيئة مختلفة عاملا مساعدا يتيح للكاتب ولوج هذا الجانب، مما يساهم، برأينا، في تبيان الفرق بين فكرين لا يقتصر اختلافهما على الرؤية السياسية، بل يتعداه إلى الجانب الاجتماعي.

هذا المزيج من الأصوات ومن الآراء ووجهات النظر الاجتماعية والسياسية يستدعي توظيف لغة تتجاوب مع هذا التناقض الفكري. تستحق الرواية وقفة مطولة مع اللغة وتعدّد مستوياتها من ناحية وتوظيف ما أسماه باختين وغيره "التهجين" كأسلوب يساهم في توليد لغة جديدة خارج إطار اللغة الفصيحة المعيارية التي تُوظَّف في كتابة الرواية والقصة القصيرة التقليدية، فقد وجدنا الروائي يقحم مزيجا من اللغة الفصحى والعامية، وما يسمى بالعامية المفصحة، وهذا ما اعتمده الكاتب في إنتاجاته السابقة. كما نجد أن الروائي يقحم كلمات "عصرية" أو "حديثة" من عالم لغة الشباب تتعلق باللباس والعطور والمأكولات وغيرها تعكس كلها، معا، الفكر الشبابي.   

نحن أحوج ما نكون إلى بناء عالم روائي متكامل يرصد المكان والزمان وأبعادهما الاجتماعية والسياسية والفكرية، ويكمل مشروعَ الروائيين الفلسطينيين الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا المشروع الكبير، يقوم به مجموعة من الروائيين، ويبدو لي واضحا أن محمد علي طه يدرك جيدا أهمية هذا المشروع فكتب "نوار العلت". 

لا يكتب الروائي اليوم من أجل تغيير يقتصر على بيئة محلية، فهو اليوم يكتب مخاطبا هذا العالم "الصغير" الذي لم يعد شاسعا وبعيدا ومشتَّتا وفق شريعة الجغرافيا وقوانينها الحدودية التي تفصل بين مناطق ودول وقارات، فالعالم متشابك متداخل تراه أمام عينيك مُجتمِعا في كفة يديك. وبات الكاتب اليوم عرضة للتأثّر والتأثير بعد أن كان رهين محيطه البيئي الضيق.  

(انتهى)

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-13 07:57:20

ما وراء اعتراف إسرائيل بأرض الصومال

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-13 07:36:20

النظام الدولي يحتضر: غزة الشاهد والشهيد

featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة