إميل توما في النّقد الأدبي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

الأدب والسّياسة حلقتان متداخلتان.

الكتابة والسياسة نشاطان يقع في مركزهما الإنسان، والعلاقة بين الفرد والكلّ علاقةٌ سياسيّةٌ.

 

لا نستطيع أن نفصل بين إميل توما الإنسان وبين انتمائه الفكريّ والسّياسيّ،إذ جمع بين الفكر والممارسة، بين القول والفعل. كذلك لا يمكننا أن نفصل بين كتابات توما وبين الصّحافة الحزبيّة (خاصة الجديد) ودورهما، آنذاك، في نهضة حركتنا الثقافيّة وتوجيهها.

 

كان لإميل توما مساهمات فكريّة، سياسيّة، تاريخيّة وأدبيّة، حيث تفرّعت اهتماماته وكتاباته، منها كتابات في النّقد الأدبيّ. لقد تابع الحركة الأدبيّة العربيّة الفلسطينيّة، كتب عنها وعبّر من خلالها عن رؤيته وموقفه من الأدب بشكلٍ صريحٍ، والأدب المنشود في نظره هو الأدب الواقعيّ الملتزم.لأنّ الأدب ينمو من أرض الوطن، من الواقع ولا يولد من فضاءٍ بعيدٍ او من برجٍ عاجيّ. عبّر إميل توما في كتاباته عن ضرورة الالتزام بالواقع.وعليه، كان مطلبه الأساسيّ من الكُتّاب: الأمانة؛ الأمانة للواقع وللمجتمع.

والأدب الواقعيّ الذي نادى إليه، أدب ينقل الأحداث ويتحدّاها.

كذلك، أشار إلى أنَّ الأدب غير الواقعيّ والنّقد المثالي غير الواقعيّ يخدمان الرجعيّة، لأنّهما لا يواجهان الواقع ويشجعّان على الكبت الفكريّ. معنى ذلك، أنَّ الانشغال عن البيئة السياسيّة، الاجتماعيّة والاقتصاديّة المحيطة، تساهم في تضليل وعي الجماهير للظروف المعيشة، الأمر الذي يؤثّر سلبًا على تطوّر المجتمع. تتجلّى هذه الفكرة في مقولة كارل ماركس: "الفقر لا يصنع ثورةً، وإنما وعي الفقر هو الذي يصنع الثورة، الطاغية مهمته أن يجعلك فقيرًا، وشيخ الطاغية مهمته أن يجعل وعيك غائبًا". 

 

إنَّ انتماء إميل توما الفكريّ كان البوصلة التي تسلّح بها في نقده الأدبيّ، فاتبع المنهج الواقعيّ الاشتراكيّ الذي يقوم على علم الجمال الماركسيّ. ينظر هذا الاتجاه إلى الأدب على أنّه تصوير للواقع، فالواقع بجميع مستوياته: الاجتماعيّة، السياسيّة والاقتصاديّة، هو جوهر العمل. وتتجسّد مهمة الكاتب الفنان في إدراك الواقع وكيفية التعبير عنه بشكلٍ يرتقي إلى مستوى الشّاعريّة، فيكون العمل شكلا من أشكال العمل الفكريّ.

إنَّ فعاليّة الأدب، وفق هذا الاتجاه، تتحقّق عند انغماس الفنان بالواقع وتحميل تجربته الفنيّة بأفكار التحرّر. إنَّ نظرية علم الجمال الاشتراكيّ لها تأثير إيجابيّ على تطوّر الفنّ الاشتراكي، لأنَّ هذا الفنّ يسعى إلى بناء ثقافةٍ فنّيّةٍ تحمل رغبة الجماهير وذلك بهدف تحقيق حياةٍ أفضل.

     إنَّ الاتجاه الاشتراكي الماركسي يرى في الفنّ (الأدب) شكلا من أشكال الوعي وله القدرة على تغيير حياة الناس. إلا أنّ ذلك لا يتحقّق إلا إذا اتصل العمل الأدبيّ بالجماهير، بالمجتمع، بالأحداث الاجتماعية والسياسيّة المحيطة. فالأدب ظاهرة اجتماعيّة تعبّر عن المجتمع.

 

تمتاز المقالات النقديّة التي كتبها إميل توما، في جوهرها، بالفكر السّياسيّ الذي تقوم عليه وبثقافته الواسعة، أمّا من حيث اللّغة فكانت كتاباته تميل إلى الوضوح والبساطة.

إنَّ مقالات توما النّقديّة تفاوتت بعمقها وبجرأتها.

كان يبدأ نقده باستعراضٍ للعمل الأدبي، لمضمونه، ويبحث عن الواقعيّة في العمل. لم تقتصر ملاحظاته على المضمون فقط إنما تجاوزت ذلك نحو الأسلوب كذلك. فأشار إلى الأمور الحسنة في النّصّ وإلى تلك التي أضعفته من وجهة نظره.

     لم تكن الواقعيّة المنظار الوحيد الذي أطلّ به توما على الأعمال الأدبيّة، إنّما استند على المقوّمات الأدبيّة باختلافها؛ فنجده ينتقد عمل الكاتب محمّد علي طه "لكي تشرق الشّمس" لابتعاده عن الواقع من جهةٍ ولافتقاره لمقوّمات القصة من جهةٍ أخرى. كما قدّم نقدًا حول قصّه "علكة الخروف" لتوفيق زيّاد بسبب النّواقص الفنيّة فيها، على الرّغم من فكرتها ورسالتها الواقعيّة. 

إنَّ كتابات إميل توما النقديّة لم تنطلق من وجهة سياسيةٍ بحتة، ولم تنحصر في إطار النظريّة الواقعيّة، إنما دمجت بين الجانبين: الرؤية السياسيّة والمقوّمات الفنيّة للنّصّ الأدبيّ.

 

كان نقده مباشرًا، بعيدًا عن الفذلكات اللُّغويّة، كما أنّه لم يدخل باب المدح الزائف ولم يقع في وحل الرّياء والتملّق لإرضاء الكاتب، إذ لم يجعل للعلاقة الشّخصيّة مساحةً في كتاباته.ولم يبارز الكاتب في نصّه، أيّ لم يحوِّل نقده إلى نصٍّ إبداعيّ ينافس به الكاتب ولم يحمّله أكثر مما يجب.

تميّزت كتاباته بالجرأة فلم يلن في نقده وملاحظاته خاصةً لأولئك الذين اشتدَّ عود أدبهم، نحو ما كتبه في "دروب ومصابيح" لنجوى قعوار فرح، وما كتبه في بعض أعمال حنّا إبراهيم، توفيق زيّاد، مصطفى مرار، توفيق فيّاض، محمّد علي طه، محمّد نفّاعوغيرهم.

 

نعتقد أنَّ هذه الصّراحة وعدم التملّق، كانت سببًا في توجيه الإنتاجات الأدبيّة، كما أنّها شكّلت حدًّا لفوضى الإنتاج التي نعاني منها اليوم، ولزَيْف النّقد الأدبيّ الذي تتضارب أمواجه بين العلاقات الشّخصيّة، المواربة، التحفّظ والإنشائيّة،إلى جانب تحميل العمل الأدبيّ أكثر مما يأتي به!!

إنَّ نقده الأدبيّ، الذي تسكنه الواقعيّة الاشتراكيّة، شكّل نشاطًا أيديولوجيّا فكريّا، يتطلّع إلى المستقبل ويسعى إلى التطوّر الثقافي. فالتطوّر الثقافي، كما جاء عند لينين، إنّما هو جزءٌ من القضية البروليتارية العامّة في الحزب.

كم نحن بحاجةٍ اليوم إلى مثل هذا الصّوت، الصّوت الصّادق، الصّوت المحمّل بالفكر والمعرفة، الفكر الذي لا يكبّل عقله بقيودٍ بالية. كم نحن بحاجةٍ إلى صوتٍ صريح لا يعرف المجاملة، وإلى نقدٍ واضحٍ شفيف يخضع لقواعد النّقد الأدبيّ، لا يُثقل ظهره بمدح مكثّفٍ، لا يدخل في مسارب التلوّن والتملّق ولا يتكبّر على النّصّ الأصلي بلغته.

كم نحن بحاجةٍ اليوم إلى أناسٍ مثل إميل توما، تجمع بين الفكر والممارسة، بين القول والفعل؛ كم نحن بحاجةٍ إلى شخصيّةٍ تنهزم فيها الأنا، تتكسّر عندها الانتهازيّة؛ شخصيّة تزرع في غور السّماء هدفًا،في عقول أبنائها فكرًا وفي أرضها عملا.
 

* نص الكلمة التي ألقيت في أمسية إطلاق مئوية المؤرخ والقائد الوطني والشيوعي المؤسس الدكتور إميل توما

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية