إنتقام الجَمَل

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

بقعة رملية مسيّج عليها من الجهات الأربع، تتقلّى تحت وطأة الشمس الحارقة في ايام صيفية متطاولة، الصحيح انها مخلوطة ببعض التراب الأغبر. رمال، رمال، الناقة وصغيرها رشَما الأرض بأخفافهما، لليوم الثالث. من أين جاءت كل هذه الرمال؟ هل كانت حجارة وتصادمت وتطاحنت مع مرور الايام، والربع الخالي والدهناء والكبرى العربية كانت حجارة!!

أنا جائع، ولا نقطة دَرّ في الدِّرّه.

نعم نحن في ضائقة، وشيمتنا الصبر، لنا الكثير الكثير من الأسماء، وتاريخ طويل، سفينة الصحراء. في البقعة المحاصرة لا شيء يؤكل، نبات القيصوم مقضوم من الجذور، ولا حتى شوكة واحدة، ولا قشة، فقط آثار أخفاف معرَت الارض الغبِرة الغبراء، صغيرة وكبيرة مخلوطة.

لكن أين ما اتغذى به!!

نعم نحن في ضائقة وورطة.

دائما تتطلعين الى فوق، الى السماء.

أشكو. لمن!! إهدأ!! لنا الكثير من الفضائل على البشر، بيوت وعباءات، شعراء. اهل الوبر، لنا اقارب من هنا الى بلاد المغول والأولان.

خارج السياج والحصار، كلأ وماء،. لمن!! لهم. والرجل منهم يأتي وينظر الينا ويضحك. هو في بقعة خضراء.

وما هذا في السماء والصوت!! طائرة. وكيف تطير!!

بترول. أي شيء هو!! نفط. وما يعني نفط!!

الذهب الأسود، أعرف الأسود وما الذهب!! من جثثنا نحن والناس، من شحمنا ولحمنا ودمنا. وهو كثير، لا ينضب، القتلى اليوم يصيرون ذهبا أسود.

الى أين راحت الطائرة!! لتقتل. والرجل الغريب يضحك لها. لكنني جائع.

البريق في العيون يتكدّر ويخبو، والوبر يذبل، تتساقط منه خصلات ناشفة.

لنا تاريخ وأمثال وأقوال: في الصيف ضيّعت اللبن، وحيث بركت الناقة مكان مقدس. ذبحوا ناقة صالح، قامت حروب البسوس. وبفضلنا يتعرف البشر على حاتم طيّ، والى القدس وصل الخليفة على ظهرنا.

لا تداعبيني أنا جائع، ولا قشة ولا شوكة في هذه البقعة المحاصرة.

في الحداء أناقة وطلاقة، الجمَل حقود، يعني!! غضوب.

متى: عندما يعيل الصبر. عادت الطائرة. قتلت. الرجل الغريب يضحك. علينا وعلى حالنا، أنظري في يده ضمة عشب يلوح بها، يدعونا. تقدمي. خذيها أنا جائع. إهدأ قلت.

النظرات نارية برّاقة.. لماذا تهدرين ما هذا الصوت!! 

لست طائرة إهدأ.

إهدأ إهدأ!! 

لا استطيع الوقوف. أنا جائع الى أقصى حد!!

اُبركْ، من لا يقف يبركْ، ومن يبرك تكثر سكاكينه.

وتتقدم الأم بخطوات ثقيلة تترك أثرا عميقا على الرمل، والرجل يلوّح بضمة الطعام. تتناوله الأم من كتفه اليمنى، وتلوحه بغضب عارم متراكم، عارفة من أين تؤكل الكتف، تلوحه بقسوة، بمنتهى القسوة، وينخرق السياج، وتبرك عليه. وتقع ضمة الكَلأ بمهانه. تنوء عليه بكَلكلِها.

  • ما هذا الذي يتكسر!! عظامه. تقتلينه. هو قاتل نفسه.

لا. كيف!! تكبر وتعرف. كلْ فقط من العشب المزروع.

طائرات. ذاهبة لتقتل. تقتل من!! نحن، لماذا!! لأنهم هُم، ونحن نحن، والبترول النفط الذهب الأسود الوقود من أين: عيب.

طريقنا أنتَ تدري

  شوك ووعر عسير..

والموتُ على جانبيه

  لكننا سنسير، الى الأمام، الى الأمام...

تبكين!! كلما ذكرت هذا النشيد، أبكي، لكنها دموع الاقتحام وليس الحزن.

ويستمر الحوار بين الحوار والأم.

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية