news-details
ملحق الجمعة

أخطاء لـ"المشتركة" وجب تصحيحها

أخطأت القائمة المشتركة طيلة فترتها الأولى، حين سلكت أحيانًا كما يسلك شباب العشرينيّات فما قبل. تبنّت وسائل التواصل الاجتماعي، ونجمها فيسبوك، منبرًا يكاد يكون وحيدا للتخاطب. والأنكى من ذلك أنه لم تكن هناك حتى صفحة موحدة مكثّفة المضمون للقائمة على مختلف المواقع، بل بات لكلّ عضو في قائمة المشتركة صفحة خاصة. وهكذا، فحتى أمام من ينحصر مصدر معرفتهم  عما يجري في العالم في هذه الوسائل، لم تتوفر لهم صفحة مكثفة تُخبر بما يجري. عمليًا، خصخص النوّاب العمل البرلماني وصار لكلّ منهم ومنهن ما يشبه كتلة خاصة.

وفي عالم يسود فيه وَهم أن المهمّ والناجع والمجدي والذي يترك في متلقّيه انطباعًا مثيرًا، هو فقط ذاك اللامع البرّاق المحدّث المُجدّد المفسبك المتَوْتَر المؤَنستغرَم وعلى هذا قس، فقد ضاع الاتصال والتواصل مع العالم، مع الناس، مع القواعد.

بل بات الوضع أكثر عبثية أحيانًا: حين يتوجه صحفي لتلقي تعقيب من برلمانيّ وسياسيّ وذي مسؤوليّة عامة،  في شأنٍ عام ساخن، صار هذا يوجّهه، أو بالأحرى صار مساعده/ا مساعدته/ا يوجهونه، الى ما أنشأه على صفحته/ا في فيسبوك المبجّل.

عصر السرعة مهم بل وخفيف الدم. لا بأس به وبما يفرضه ويتطلّبه. ولكن ليس من اللائق بمن نال ثقة ألوف الناس كي يصبح نائبًا وممثلا عنهم، ألا يلتقي بهم وجها لوجه طيلة سنوات الدورة الانتخابيّة، والمقصود لقاء سياسي منظم ومحدّد الغاية، وليس لمّة عرس ولا واجب جنازة أو عزاء، ولا مصافحة سريعة في الشارع.

كذلك، فليس هناك أيّ مبرّر للسماح باستمرار تكرار مزاعم كاذبة مثل أن "النواب العرب لا يهتمون بقضايا ناخبيهم" و أن ما يطرحونه في الكنيست هو "قضايا سياسية كبرى فقط".

وبالتأكيد - وبدون ترك حتى مساحة مليمتر مربع للالتباس – فمن أولى واجبات ممثلينا طرح حق وقضية شعبنا العربي الفلسطيني الذي، كوطننا، ليس لنا سواه انتماءً ومصيرًا مشتركًا، ويجب دوْس (بالصّرماي العتيقة) كلّ قوْل يجرؤ أن يعايرنا في هذا الواجب الذي يعلو فوق كل سواه.

إلى جانب هذا، فلماذا نواصل السماح بإعادة إنتاج ديماغوغية أن نوابنا "مشغولين بس بالضفة وغزة"؟ لو كان تداوُل هذا الزعم بين اليهود فقط لما كان سيتأثّر أحد. فإنتاج الوعي الزائف هو صناعة اسرائيلية بارعة تفوق صناعة الأسلحة. ولكن الطّامة الكبرى أن هذا الهُراء لم يعد مجّد هامش في جدلنا الداخلي، بل يقترب أحيانًا من تشكيل مساحة طاغية في الجدل.

أما ما يفلق فهو أن الدواء لهذا الداء بسيط. لماذا لا تصدر القائمة المشتركة (وتوصِل للناس بصيغة ورقيّة ملموسة)، مرة بعد كل دورة برلمانيّة منتهية برنامجًا مفصلا لما قدمه نوابها من مشاريع واستجوابات ونقاشات وطوشات دفاعا عن أكثر قضايا الناس عدالة وإلحاحًا؟

لماذا لا يتم انتاج نص مكتوب ومسموع ومصوّر وتعميمه؟ لماذا يجب أن نواصل الدوران في هذه الحلقة السخيفة البليدة والمفرغة؟ هذا لا يحتاج الى عبقرية ولا الى دهاء وحنكة سياسيين متميزين كي يتحقق. بل يحتاج أولا الى الكفّ عن النظر الى الناس على أنهم "في جيبتنا"، والخروج من الروتين المهيمن على كل العباد: طقّ الحنك على الفيسبوك. إن واجب من انتخبه وانتخبها مئات ألوف الناس أن يبادر كل شهر على الأقل لعقد لقاء مفتوح مع عموم الناس، بدعوة عامة ومفتوحة وجديّة، والتنقل من موقع لآخر، في المركز الجماهيري لهذه البلدة، والقاعة البلدية العامة لتلك، ومركز هذا الحيّ وتلك الحارة وتلك القرية وهذه الجامعة وذاك المعهد.

إن إحدى كبريات مشاكل اكتساب ثقة الناس في القائمة المشتركة بما تمثله وبمن تمثله وبـ اللماذا تمثله، هو انعدام التواصل السياسي المباشر المنظم المبادَر اليه مع الجماهير التي دعمت هذه القائمة وصنعتها. لا ينقص أهلنا وعيا ولا تجربة لإدراك ما يقف في درب قائمتهم الاتخابية من عوائق، ولكن من المهم بل الضروري والحتمي الحفاط على علاقة مباشرة مع الناس، وليس فقط لوضعهم في صورة ما يحدث، ولا لشرح مدى عنصرية المؤسسة التي يواجهها هذا الجزء من شعبنا، بل أيضًا والأهم لكي تُعاد صياغة ممارسة العمل السياسي من جذوره؛ كي يتجذّر من جديد ويُمارس ويُكرّس أنه لا يوجد عمل برلماني له أية قيمة تُذكر ما لم يكن مرتبطًا بفعل تثقيف وتسييس وتنظيم وتحشيد للناس في الشارع والبلدة والأرض والميدان. لا توجد قيمة لأي استجواب غير مدعوم بنضال جماهيري ميداني صدامي مع المؤسسة. وسيضيع أبهى وابهر خطاب يقتصر أثره على حدّة مفرداته، ولا يكون مرتبطاً بنفَسٍ كفاحي يردد صداه ويكثّف وقعه ومضمونه وتداعياته العمليّة.

يجب التنازل عن وَهم أن الفذلكات قادرة أن تحلّ محلّ صنع السياسات. وهذا لن يتم بالمرة من غير الاتكاء الى ظهر من فولاذ اسمه الناس، وبدون النّهل من نبع رقراق وناريّ معًا لا ينضب أبدًا اسمه الناس. نحن بحاجة الى الخروج من ضيق الأنا الى رحابة النحن. الى رمي الأنويّة التنافسية النجومية الضحلة السخيفة جانبا، والانسجام الواعي والمسؤول وبعيد النظر وبعيد الأفق فيما يجمع ويقوّي ويصنع. وللتوكيد ثانية وثالثة: كل نضال برلماني بلا ظهر وامتداد ومنبع ومصبّ شعبي ميداني، ليس فقط أنه لا يعوّل عليه، بل الخشية انه قد لن يستحق حتى العويل عليه بعد حين.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب