news-details

الأرضُ لها حكاياتُها: جَمالِيّاتُ دَيْرِ الأسدِ الجَلِيلِيَّة (الحلقة الأولى)| ميسون أسدي

ما الذي يحدّدُ، الهُويّةَ الوطنيّةَ، والموروثَ الثقافيَّ لأهلِ قريةِ دَيْرِ الأسدِ في منْطقةِ الجليلِ الأعلى؟ هل هوَ نوعُ التجربةِ الحياتيّةِ التي سَنَرْويها للقراءِ، أم الفكرةُ التي تخترعُها ملكاتُ الْمُخَيِّلَةِ والحَدْسُ والفهمُ معًا؟ أَهُوَ طبيعةُ القريةِ، المكانُ وموقعُها الجغرافيُّ، وملامحُ الناسِ هي الّتي تُحمّلُ النصَّ لونَه، ونبضَ أشيائِه، وتفاصيل حياةِ الناسِ الذين يولدونَ ويعيشونَ ويموتونَ فيه؟ إنّه المكانُ الواحدُ الذي صدرَ منه وعنه عددٌ من الأدباءِ والشعراءِ والمطربين والفنانينَ بأوْصافِهِمْ، وكلّ مبدعٍ له نصوصٌ أدبيةٌ متطابقةٌ مَعَ نِتاجِ الآخَرينَ، أو أنّ لكلّ شخص تجربةً خاصّةً ومخيّلةً متفرّدةَ وحَدْسًا ذاتيَّا مختلفًا، له قدرتُهُ المتميّزةُ على خلقِ فضاءاتٍ، تضافُ إلى ذلك المكانِ وتصبغُهُ بلونٍ له فَرادهُ؟

قريةُ ديرِ الأسدِ هي الرباطُ المقدّسُ لهذِهِ العَلاقاتِ كلِّها، بينَ بواطنِ الإنسانِ الداخليةِ بكلِّ ما يَخْتَلِجُها منْ صراعاتٍ نفسيّةٍ وفكريّةٍ واجتماعيّةٍ.

طمأنينة المنازل في حياة الطفولة:

منذُ نعومةِ أظفاري وأنا أسمعُ من الآباءِ والأجدادِ يُردّدونَ بفخرٍ أنّنا أحفادُ عبدِ القادرِ الجيلاني ويعتزّونَ بذلكَ في كلِّ مناسباتِهم ويُظْهِرونَ لهُ الكثيرَ من ضُروبِ المودّةِ. وَسمعت من والدي أنّ عمّي صالح طه الأسديّ... الذي هَرَبَ عامَ 1948 إلى مخيمِ عَيْنِ الْحُلْوَةِ في لبنانَ، ومنها سارَ إلى بيروتَ... عندما سُمِحَ له بزيارةِ قريتِه دَيِرِ الأسدِ عامَ 1965، ذهبَ لزيارةِ الشاعرِ أبي سُعودٍ الأسديّ، طلبَ منه صورةً لشجرةِ العائلةِ الأسديَّةِ، ليُظهرَ لأهلِنا في لبنانَ ارتباطَ العائلةِ بالعالمِ الكبيرِ، والمربي الشهيرِ الشيخِ عبدِ القادرِ الجيلانيِّ، فمدحوه وأطروا شمائلَهُ وأوصافَهُ، وحدَّثوا بلا حرجٍ عن حسنِ طلعتِه، وأناقةِ مظهرِهِ، وقد توجَّهَ عمّي صالح محمد طه الأسدي آنَذاكَ إلى الشاعرِ أبي سعودٍ الأسديّ الذي احتفظَ بصورةٍ لشجرةِ العائلةِ عَنْ أسْلافِه... وحينَ أُتيحَتْ لي مشاهدةُ شجرةِ العائلةِ المنسوخةِ أبًا عنْ جدٍّ، أدركتُ لماذا يعتزّونَ بِنَسَبِهِمْ وفَصْلِهم.

حتَّى هذهِ اللحظةِ ما زِلْتُ أسمعُ أُمِّي - ابنة السِّتَّةِ وثمانينَ عامًا - تُغنِّي بصوتٍ جميلٍ حنونٍ وَتُمَجِّدُ بَلَدَها بضروبِ الحفاوَةِ والسرورِ، في بِيئَتِنا الفلّاحية الهادئةِ وطبيعتِها ذاتِ المناظرِ الخلابةِ وَتَقولُ:

ديرُ الأسدْ بلا حسدْ شبابْها كلن جُدْعانِ

وبها الخيرْ ممدودْ للجوعانْ والشَّبْعان

يا ربّ تِحْمِيها من عكَا لْصَفَدْ ورجالْها غزلان

يا ربّ تِحْميها بِبَرْكَةْ سِيدْنا اْلِجيلاني

كنتُ وصديقاتي زهرات اكتملَ طالَعُها، وسطعَ عبيرُها، نَصْعَدُ إلى قمةِ "جَبَلْ الْمُغُر" قاصدات مَقرّ الْخَضِرِ في أعالي الجبلِ لِنُغَنِّي ونرقصُ، كُنّا نستريحُ بقربِ صَخْرَةِ "دَعْسَةِ بنتِ النَّبِي"، حُفرَتْ عليها صُورَةُ قدمِ امْرَأَة، ظَهَرَ مِنْهَا الاخمصُ والكعبُ، الصَّخْرَةُ ملساءُ مثلُ الرُّخامِ. وكنّا نتباركُ بهذهِ القَدَمِ، لأنها قدمُ فاطمةَ ابنةِ النبيِّ (ص)، وهاك صخرةٌ أخرى لَها المواصفاتُ نَفْسها بالطريق إلى قريةِ مجدِ الكرومِ. كنّا نضعُ كفَّاتِ أقدامِنا الصغيرةِ عليها فباتَتِ الدَّعْسَةُ ناعمَةً، وكنّا نسمعُ منْ جَدّاتِنا أن مَن تَدْعَس القدمِ تُباركْ بِالخيراتِ من مالٍ وصحَّةٍ وزواجٍ وأبناءٍ، وكلُّ ما تشتهيهِ، وما زالتْ هذهِ القصَّة والذاكرة ترافقني كما رافَقَتْ أمِّي وجدّاتِنا في القريةِ، لأنّها كانت تُسْعِدُنا ونخشعُ حينَ نقتربُ منها، وبعدَها نَعودُ إلى شَقاوتِنا الطُّفولِيَّة،ِ نقطفُ الزعرورَ والْميرامِيَّةَ وَالْبُطُمَ. ونركبُ على لوح دَرْسِ الْحُبوبِ وراءَ جَدِّي ونسمعُ الأغانِيَ وتَبادُلَ الأشعارِ:

يا بدياح يا بدياح --- وين خبيت الرياح؟

بين علمة وسلمى-- وبين عروق السيسبان

سيسبان ما سيسبان.. سيسبان خيل الموالي

وانقطع حزم الحصان.. من ورا ومن قدام

سردية ما سردية.. سردية بنت السلطان

 حاجبها بفرط رمان.. بفرط مد وربعية

زغرديله يا بنية..  كل زغرودة قوية

 الأدباءُ والشعراءُ منَ القريةِ وجوارِها كَثيرونَ، مِمَّنْ تَأثّروا بِالمكانِ وطبيعتِهِ وتاريخِهِ وجَمالِهِ. كانَ ارتباطُهم بالمكانِ وتأثّرُهم به وَصِلته بمثابة القَصَبَةَ الهوائيّةَ التي كانوا يتنفسونَ منها. وَامتازتِ القريةُ برواجِ الشعرِ في مجالِسِها، فَقَدْ أنشدَ الشاعرُ أبو سُعودٍ الأسديُّ يغني لدير الأسد:

 نحنُ بدَيرِ الأسدِ شيَّدنا دارْ

 عُنْوانُها مِنَ الزجَلِ والأشعارْ

 صارتْ بَلَدُنا ِللشِّعْرِ كَعْبَةً

يَقْصِدُ إلَيْها سائِرُ الزُّوّارْ

إن أهالي قريةِ ديرِ الأسدِ يَغْلِبُ عَلَيْهِم المَيْلُ إلَى الْغِناءِ وَالطَّرَبِ وَالموسيقا. وأَكْثَرَ من يمارس هذه الألوانَ هم من كبار السنِّ. وقد توارثتْها الأجيال جيلًا بعدَ جيلٍ.  وَجذورُ هذه الظاهرةِ تَعُودُ إلَى الْجَدِّ الأكبرِ لهم، الشيخ عبدِ القادرِ الجيلانيّ، الذي حضرَ من العراقِ، وكان عالمًا مُتَبَصّرًا يتكلّمُ في ثلاثةَ عشرَ علمًا من علومِ اللغةِ والشريعةِ، وهو من المتصوّفينَ، وقدِ امْتازتِ الصوفيّةُ بالدروشة بِالتَّواشيحِ في مدحِ الرسولِ والأولياءِ، وهذا ما ميَّزهم عن باقي المذاهبِ الدينيَّةِ الإسلاميَّةِ.

الصوفيةُ، وهي أحدُ مراتبِ الدينِ الثلاثةِ (الإسلامِ، الإيمانِ، الإحسانِ)، فمثلَما اهتمَّ الفِقْهُ بتعاليمِ شريعةِ الإسلامِ، وعلم العقيدةِ بالإيمانِ، فإنَّ التصوُّفَ اهتمَّ بتحقيقِ مقامِ الإحسانِ، وَمقامِ التربيةِ والسلوكِ، وَمقامِ تربيةِ النفسِ والقلبِ وتطهيرِهِما منَ الرذائلِ وتَحْلِيَتِهِما بالفضائلِ.

كانَ التصوّفُ الحقيقيُّ، في الصدرِ الأوَّلِ من عصرِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم، فالخلفاءُ الأربعةُ الراشدونَ كانوا مُتَصَوِّفينَ، التاريخُ الإسلاميُّ زاخرٌ بعلماء مسلمينَ انتسبوا للتصوّفِ مثل: الْجُنَيْدِ البغداديِّ، وأحمد الرِّفاعِي، وعبد القادرِ الْجِيلانِي، وأبو الحسنِ الشاذليِّ، وأبو مدين الغوث، ومحيي الدين بن عربي، وشمس التبريزي، وجلال الدين الرومي، والنووي، والغزاليِّ، والْعِزِّ بنِ عبدِ السّلامِ،  وَالقادةُ مثل: صلاح الدينِ الأيوبيِّ، ومحمد الفاتحِ، والأمير عبدِ القادرِ الْجزائِريِّ، وعمرَ المختارِ، وعزِّ الدينِ القَسّامِ.

 

روائحُ الدير

روائحُ المكانِ تهبّى أنوفِنا فنشتَمُّ روائحَ العراقةِ والأصالةِ ممزوجة بروائحِ العَطّارةِ المميزةِ لهذا المكانِ، على مدارِ الزمنِ.

تَقَعُ قريةَ ديرِ الأسدِ في شماليِّ البلادِ، قريبةٌ من جنوبِ لبنانَ، تتكئ بيوتُها على سفحِ "جبلِ المغرِ" في الجليلِ الأعلَى، تبعدُ ما يقاربُ 22 كيلومترًا منْ عكا شرقًا، شماليّ طريقِ المواصلاتِ الذي يربِطُ عكا بمدينةِ صفد. قبل 500 عامٍ، لم تكنْ قريةُ ديرِ الأسدِ موجودةً على الْخَرِيطَةِ الجغرافيةِ في منْطقَةِ الجليلِ الأعْلَى، كانتْ "بيتْ عناة" الكنعانيةُ مَكانَها وَحُرِّفَتْ فيما بعدُ إلى كلمةِ "بعنة".

ويقالُ إنَّ القريةَ كانتْ تُسمّى أيضًا بـ "دير الخضر" نسبةً إلى "السيّدِ الخَضِر" (يُعْرَفُ في الأوساطِ المسيحيّةْ بـ "مار الياس" وفي اليهوديّةِ النبيُّ "الياهو" الذي كان قد بُنِيَ له مقامٌ على "جبلِ المغر" الذي تقعُ عليْهِ القريةُ).

ويقالُ إنَّ القريةَ كانتْ تُدعى "دير البعنة" وذلكَ نسبةً إلى قريةِ البعنةِ المجاورةِ التي تحوي طائفةً مسيحيّةً. تَضاريسُ الْقَرْيَةِ جَبَلِيَّةٌ صعبةٌ، وفيها حارةُ السِّباطِ، وهي أقدمُ أحياءِ القريةِ. وفيها أهمُّ آثارِ القريةِ، وهو الخانُ الذي بُنِيَ في الِعَصْرِ الْعُثْمانيِّ واستخدمَ لاستراحةِ القوافلِ والمسافرينَ، وتعتبُر القريةُ كنزًا أثرِيًّا، فيها بقايا جدرانٍ ومِعصرةٌ وكنيسةُ وحارة السباطِ.

كانتْ تُعرفَ القريةُ في القِدَمِ بدَيْرِ الرهبانِ أو دَيْرِ الْبِعْنَةِ، وكان ذلكَ قبلَ مجيءِ أحدِ أحفادِ محمد الْقادِر الْجِيلاني شيخِ الطريقةِ القادريَّةِ، وهو إمامٌ صوفيٌّ وفقيهٌ، والمعروفُ حاليًّا بالشيخِ محمد الأسدِ، وهو من أحفادِ الشيخِ القُطْبِ صالحِ ابنِ الشيخِ مُحْيي الدينِ عبدِ القادرِ الجيلاني. أَصْلُهُ من قريةِ "الحمّارا" الواقعةِ بالشامِ، وقد خرجَ منها إلى دمشقَ لطلبِ العلمِ، ومن ثمّ انتَقَلَ إلى صفدَ ومنها إلى دَيْرِ الْبِعْنَةِ في عهدِ السلطانِ سليمان القانونيّ.

تأسّست ديرُ الأسدِ، بِقُدومِ هذا الشيخِ إلى أراضي قريةِ البعنة، وَهِيَ اِلأراضي التي تعرفُ باسمِ "بابِ الوطاقِ" و"الجزماتِ" و"خلةَ خازنْ" وغيرِها وهي للبعنةِ.

سيفُ السلطانِ

كلّفَ السلطانُ التركيُّ سليمان القانونِيّ - صاحبُ القوانينِ والتشريعاتِ آنَذاكَ الشيخَ محمد الأسد، أنْ يأتيَ ويسكنَ في مِنْطقةِ ديرِ البعنةِ، وقد كلّفه بهذه المهمةِ لِأَنَّ شارعَ عكّا – صفد عسكريٌّ فتحه الأتراكُ لخدمةِ مصالحهم ولِتَتَحَرُّكِ مَرْكباتِهم بين عكّا وصفد، وعندما فتحوا الشارعَ كانتِ الإمبراطوريةُ العثمانيةُ واسعةً جدًّا، ونِبَت هنا وهناكَ ثوراتٌ وعراكٌ ضدّ الحكمِ التركيَ. وبما أن اَّلشارعَ هو خطٌ عسكريٌّ مُهِمٌّ للأتراكِ تتحرك به عساكِرُهم، فقدْ تَحَوَّلَ هذا الشارعُ إلى هدف للمتمردينَ الّذِينَ يأتونَ ويهاجمونَ العسكرَ التركيَّ الذي يتحرَّكُ بينَ عكّا وصفدَ، في النهار، ويختبؤونَ في اللَّيل في دَيْرٍ قربَ البعنةِ، وبه رهبانٌ لطفاءُ يَعْطِفونَ على المساكينِ، وكانَ المتمردون يَدَّعُونَ أنّهم فقراءُ، فكانَ الرهبانُ يطعمونَهم ويؤوونهم في اللَّيلِ.

 أدركَ السلطانُ ما يَجري في الْمِنطقةِ بمعونة عيونِهِ ومُساعديهِ، فَطلب منَ الشيخِ الأسدِ أن يأتيَ ويقيم في هذه المنطقَةِ. اقتطعَ السلطانُ التركيُّ الشَّيْخَ محمدَ الأسدَ قطعةَ أرضٍ كبيرة ليقيمَ عليها محمد الأسد، اسمُها أرضُ الوقفِ وفيها محاجرُ، ووضعَ تحتَ تصرّفِه أرضَ دَيْرِ البعنةِ. حُدودُها من مِنْطقةِ الجلسةِ - وهيَ خطُّ الماءِ للشتاءِ- حتّى وادي العريضِ الحمايدةِ إلَى بيتِ دارِ حربٍ، وهي حدودُ الدَّيْرِ، وأرضٍ أُخْرى في منطقة كرمئيل حاليًّا.

كان َمنَ المعروفِ في ذلكَ الزمانِ أنَّ كلَّ واحدٍ يختارُهُ السلطانَ سليمانُ القانونيّ، وَيُكَلِّفُهُ بِمهمَّةٍ يَصْبِحُ من جماعتِهِ ومنَ الضاربينَ بسيفهِ.

تلازُم بينَ المكانِ والزمانِ

هناكَ تلازُمٌ بينَ المكانِ والزمانِ، وأنَّهُ لا زمانَ بلا مكانٍ، فالزمانُ هوُ قريةُ المكانِ، وعلى مستوى الإبداعِ كلُّ زمانٍ يتحرَّكُ فيه شخصٌ ما في مكان ما. إذًا فالمكانُ شرطٌ إبداعيٌّ. القصّةُ المتداوَلَةُ للشيخ محمد الأسد والتي تعدُّ جزءًا من الفولكلورِ المحلّيِّ، بدأتْ بخروجِ شيخٍ اسمُهُ محمد القادرِيّ أبُو عبدِاللهِ ابن اميرِهم، من دمشقَ العاصمةِ السوريةِ حاليًا، مُتّجهًا إلى الغربِ الجنوبيِّ في ِفلسطينَ، وعندَ وصولِهِ عَيْنَ الأسدِ (قرية درزيّة تقعُ في شماليِّ البلادِ أَيْ شرقيِ الشاغورِ)، وقد حانَ وقتُ الصلاةِ آنذاكَ، أخذَ يتوضأُ منْ ماء تلكَ العينِ، وَفَجْأَةً خرجَ له أسدٌ وافترسَ حمارَهُ. بعدَ أنِ انْتهى الشيخُ من صلاتِهِ، توجَّهَ إلى الأسدِ وسارَ به وكأنَّه نَسِيَ غريزةَ الِافْتراسِ. كانَ الشيخُ قويًا جسمانيًّا، وَرِعًا وفَقيهًا وتَقِيًّا، ويفهمُ طبائعَ الحيواناتِ، وقد علمَ انَّ الأسدَ إذا أكلَ وشَبِعَ يُصبحُ وديعًا مثلَ النَّعْجَةِ، لا يَكِشُّ ولا يَنِشٌّ فطوّعَه.

يُقالُ انَّ الشيخَ اقتربَ منَ الأسدِ وَرَبَّتَ على جسدِهِ وحملَ عدته عليْهِ من زادٍ وأَزوادٍ وتعجبَ الناسُ عندَما رأَوْهُ يقودُ الأسدَ، مستشعرًا بِاِلِانْشراحِ، وشَعَّتْ عيناه بِنورِ الْحُبورِ وَبَسَطَ أمامَه طريقَ السعادةِ وَالسَّلامِ.

ولمّا بلغَ صفد ذُهِلَ أهلُها منْ هذا المشهدِ، واستحالتْ وَجوهُهُم، بِلَمحِ البَصَرِ منَ الدَّعَةِ إلى الامتقاعِ والاحتدامِ. وحينَها كانَ الخليفةُ العثمانيّ سليم الأَوَّل قد وصلَ معَ جيشِهِ حدود فِلَسطين، عندَ مدينةِ صفدَ، وقد شَهِدَ هذه الحادثةَ، ممّا جعلَ السلطانَ يُلَقِّبُهُ بالشيخِ الأسدِ. وقدْ أقرَّ له بِإمارةِ الطريقةِ الجيلانِيَّةِ أوِ الْكِيلانِيَةِ بفلسطين. وأمرَ أيضًا بِوَقْفِ جَبَلِ كَنْعانَ "الكائنِ بِصفد" على زاويةِ الصَّدْرِ أوَن تكونَ وَقْفِيَّةً له ولذرِّيَّتِهِ مِنَ الذُّكُورِ دونَ الإناثِ وأنْ تُوَرَّثَ لِلْأرَشَدِ ومِنْ ثَمَّ لِلْأرْشَدِ إلَى أن يرثَ اللهُ الأرضَ وَمَنْ عَلَيْها. وكان تاريخُ حادثةِ الصكِّ العثمانيِّ لجبلِ كنعانَ المسجلةِ لزاويةِ محمد القادريِّ الأسديّ (وقد سُّمِّيَتْ لاحقًا بزاويةِ الأسدِيَّةِ أوْ أبي ذيابٍ الأسديِّ" حَسْبَ سجلاتِ المجلسِ الأعلى الإسلاميِّ بالقدسِ) عام 1516 م تحتَ اسمِ محمد أَبِيِ عبدِ اللَّهِ الأسدِ والمشهورِ بِنَسَبِهِ ابنِ "اميرِهم الجدِّ الثالثِ للشَّيخِ أَسَد".

ينتمي الشيخُ محمد الأسَدُ في نسبِهِ الشريفِ إلى الشيخِ الشهيرِ عبدِ القادرِ الجيلانيِّ (ت 1166 م)، وكانَ إمامًا زاهدًا يعدُّ من كبارِ الصوفيينَ في العالَمَيْنِ العربيِّ والإسلاميِّ. وهوَ مؤسِسُ الطريقةِ القادريَّةِ عاشَ في بغدادَ وله مؤلَّفاتٌ منها "الفتحُ الربّانيُّ" و"فتوح الغيبِ".

بعدَ وفاةِ السلطانِ سليم الأوَّلِ أمرَ السلطانُ سليمانُ القانونيّ الشيخَ بالرَّحيلِ لِدَيْرِ الْبِعْنَةِ وهو دَيرُ الأسَدِ الْيَوْمَ "بلدةٌ صغيرةٌ" فَأَخْرَجَ منها أهلها أَصْحابَ الديانةِ المسيحيةِ والأصولِ الْفِرَنْجِيَّةِ، ومُمَلّكًا الشيخَ الديارَ كلَّها ولِعَشيرَتِهِ واتباعِهِ، وتُوُفِّيَ ودُفِنَ فيها، وسُمّيتْ بدَيْرِ الأسدِ نسبةً للشيخِ محمد الأسد.

 وَمِنَ الرِّواياتِ أيضًا ان السلطانَ سليمانَ القانونيّ قدْ صكَّ للشيخِ الأسدِ وَقْفِيّاتٍ بِقريتيْ فراده وشعب في قضاءِ عكّا. كانَ الشيخُ الأسدُ له نفوذٌ وسَطوةٌ، وَحَضَرَ قبل 500 سنةٍ وإلى جانِبِهِ 200 شخصٍ من بينهم أولادُهُ الخمسةُ، وخدمٌ وَمُرافِقُونَ، وَحامِلُو الأعلامِ والعِدّة من عائلةِ حربٍ، الذين رافقوا حضورَ الشيخِ محمدٍ الأسدِ، وقدْ سكنوا في الْمِنطقةِ حَسْبَ تعليماتِ السلطانِ.

العدَّةُ والاعلامُ

وهي عبارةٌ عن قُماشٌ منَ حريرٍ زُيِّنَتْ باسمِ النبيِّ والخلفاءِ الراشدينَ والشهادتينِ وآياتٍ قُرآنيةٍ. و"الْعُدَّةُ" عبارة عنْ آلاتٍ موسيقيةٍ إيقاعَيَّةٍ: دُفوفٌ، طُبولٌ، صُنوجٌ، يرافقُها رفعُ أعلامِ الأسدِ. وهذه الأعلامُ (الراياتُ) هي من الحريرِ أخضر اللَّوْنِ.

 وفي بابِ هذا الذِّكْرِ والتسابيحِ والرقصِ والغناءِ الدينيِّ الصوفيِّ، كثيرًا كان يَحْدُثُ الانفعالُ لدى بَعْض الْمُشاركين فَتَأْخُذّهُم "الحال" على النغماتِ والايقاعِ المتكرِّرِ لِلْعِباراتِ: الله حي، الله حي و "شي لله يا جيلاني" يُقْصِدُ به الشيخ محمد الأسد، وهو - كما أسلفنا - من سلالةِ الشيخِ عبدِ القادرِ الجيلانيِّ صاحبِ الطريقةِ الصوفيّةِ القادريّةِ التي لها مقاماتٌ كثيرةٌ في أماكنَ مختلفةٍ في العالَمَيْنِ العربيِّ والاسلاميِّ، وأشهرُها الْمَقامُ الذي في بغدادَ. والمقصودُ بكلمةِ "حال" أنّها تعبِّرُ عن حالةِ انفعالٍ وجْدانِيٍّ شديدٍ. وهي معروفةٌ في الطرقِ الصوفيةِ القادريَّةِ، ولقد رأيتُ بِعَيْنَيّ، وأنا طفلةٌ صغيرةٌ في المرحلةِ الابتدائيّةِ، بعضَ رجالِ القريةِ، وهم في قمةِ نَشْوَتِهم الروحيّةِ في حالةِ انفعالٍ وجدانيٍّ شديدٍ، ووصلوا إلى درجةِ فِقدان الوعيِ، والدخول في غَيبوبَةٍ. وهذه الحالةُ من الانفعالِ الْوجدانيِّ الشديدِ معروفةٌ في الطرقِ الصوفيّةِ.

ولا زالتِ الْعُدَّةُ هذه تُسْتَعْمَلُ حتّى يومِنا هذا، وخاصَّةً في الجنائز، وعلى ايقاعِها يُهَلَّلُ في موكبِ الجنازةِ في دَعَةٍ وسكونٍ "لا إلَهَ الا اللَّهُ محمدٌ رسولُ اللَّهِ"، وتَتَخلُّلها موجة عارمةُ منَ الحزنِ والاشفاقِ. وهي من الناحيةِ الغنائيّةِ تُؤَدَّى على مَقامِ "الْبياتِ" الموسيقيِّ المعروف.

ومن العاداتِ المتّبعةِ في القريةِ زيارةُ العريسِ يومَ زفافِهِ مقامَ الشيخِ محمد الأسد طلبًا لِلتَّبَرُّكِ والتوفيقِ. والفتاةُ التي تتزوجُ خارجَ القريةِ تُعَرّجُ على الْمقامِ يومَ تأتي "الفاردة" لأخْذِها إلَى بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ، فتودّعُ جدَّها الأسدَ لِيُعْطِيَها رضاه وَبَرَكَتَهُ والتوفيقَ لها ولنسلِها في غُرْبَتِها.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب