الأطفال، ببساطة، خارج مركز اهتمام الحكومة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

نقلت وسائل الإعلام وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي تسجيلا مصورًا جديدا شوهدت فيه مديرة حضانة تعامل أطفالا بقسوة مما أثار الغضب عموما، ولدى أهالي أطفال من كافة المناطق، بسبب ما أكدوا أنه نقص خطير في الرقابة الرسمية الحكومية على كل قطاع الحضانات المخصصة للجيل المبكر، من جيل صفر حتى ثلاث سنوات. ويؤكد فحصٌ بسيط يُعرض فيما يلي أن الأهالي محقون تمامًا.

احتجاجات الأهالي جاءت تحت شعار مأخوذ من "تراث" انتفاضات الشعوب العربية: "الشعب يريد إنهاء العنف". طالبوا بإصلاحات في قوانين الرقابة على العناية بالأطفال، بما يشمل تحديد أحكام وعقوبات مشددة ضد عاملي الحضانات المسيئين وتشريع قوانين أنجع للرقابة على الحضانات. في الوضع السائد الحالي تقوم الحكومة بتنظيم حضانات الأطفال في سن الثالثة فما فوق،  قبل دخول الأطفال المدارس التمهيدية العامة. أما جيل الطفولة المبكرة فليس عمليًا بمسؤولية أحد، وإنما متروك للقطاع الخاص، للسوق الحرة، دون رقيب فعلي ولا حسيب.

 

الوزارات تشاجرت..

سبق أن تعرضت الحكومة لانتقادات في حزيران 2018 بسبب تأخيرها سن قانون رقابة مقترح، إذ "تشاجرت الوزارات حول تمويل المشروع" وفقًا لموقع عبري. ثم تمت المصادقة على القانون في شهر كانون الأول الماضي، ولكنه ينص فقط على نصب كاميرات مراقبة في جميع الحصانات بشرط عدم معارضة 70% من الأهالي. الحكومة اختارت "حلًا رخيصُا"، وامتنعت عمليًا عن توفير جهاز حماية وأمان لأضعف شرائح المجتمع: الأطفال والرضّع، وذلك فقط لأسباب متعلقة بالميزانيات. لكنها لا تتردّد في تخصيص الملايين المتراكمة بالمئات لبؤرة استيطانية هنا وشارع التفافي هناك، ومنح إعفاءات ضريبية بالمليارات لكبار أثرياء إسرائيل.

كان كلّ ما فعله نتنياهو بعد احتجاجات الأهالي، هو الإعلان عن "وضع الحضانات تحت رقابة وزارة التعليم"، أي القيام بما يفترض أنه المفهوم ضمنًا الأكثر أولية. لكن سرعان ما تبيّن أن الأمر ليس سوى خدعة، كذبة جديدة، ومجرّد تصريح لا يحمل أيّة خطوات فعليّة. هذا لأن الرقابة الحقيقية تستدعي تشريع قانون وتحديد أنظمة، وهو ما لا يمكن فعله دستوريًا الآن بسبب تعطّل الكنيست بعد قرار نتنياهو الذهاب الى انتخابات مبكرة. نتنياهو يخدع ويكذب مرة أخرى؟ أهذا مفاجئ؟

 

الكنيست التي تحكمها أغلبية برلمانية من التحالف الحكومي اعترفت في بيان رسمي أنه "فتحت في السنوات الأخيرة مئات الملفات في الشرطة بسبب ممارسة العنف من قبل عاملين تجاه قاصرين في رياض الأطفال والحضانات النهارية، وفي 90% من الحالات أغلقت الملفات بسبب عدم وجود الأدلة الكافية"..

 

 

وقد برز التخبّط أكثر مع إعلان رئيس قسم الحضانات النهارية في وزارة العمل والرفاه الاجتماعي انه ابتداء من مطلع شهر أيلول المقبل ستشرف الوزارة على جميع حضانات الطفولة المبكرة التي تضم سبعة أطفال على الأقل. فكيف سيجري الأمر بالضبط: تكليف وزارة التعليم بالرقابة، وقيام وزارة العمل بالأمر نفسه، وفي الحالتين بدون تشريع ولا أنظمة ولا تخصيص ميزانية للقيام بتلك الرقابة؟!

 

الحلّ الأرخص!

موقع الكنيست على الإنترنت كان نقل في حزيران 2018 أن الهيئة العامة للكنيست صادقت بالقراءة التمهيدية على تركيب كاميرات في كل مؤسسة علاجية للقاصرين أو العاجزين. ويقضي الاقتراح بتركيب كاميرات في كل مؤسسة علاجية لقاصرين أو عاجزين ومن بينها حضانات أطفال ومدارس، على أن يتم تشغيل هذه الكاميرات طيلة ساعات دوام المؤسسة.

هذا القانون يدلّ على أن الكنيست وبالتالي الحكومة تدرك تمامًا وجود مشكلة. تعرف منذ سنوات. لكن تم الاكتفاء بـ"حل تكنولوجي" وليس تأليف جهاز رقابة ومتابعة، لأن هذا يحتاج ميزانيات أكبر.

مع أن الكنيست التي تحكمها أغلبية برلمانية من التحالف الحكومي اعترفت في بيان رسمي أنه "فتحت في السنوات الأخيرة مئات الملفات في الشرطة بسبب ممارسة العنف من قبل عاملين تجاه قاصرين في رياض الأطفال والحضانات النهارية، وفي 90% من الحالات أغلقت الملفات بسبب عدم وجود الأدلة الكافية. تم فتح ملفات تحقيق ضد عدد من المشتبهين وقد أغلقت في كل مرة من جديد وفي معظم الأحيان بسبب صعوبة وجود أدلة كافية".

أوصت لجنة تراختنبرغ التي أقيمت بعد الاحتجاجات الكبيرة في صيف عام 2011، بشأن السياسة المطلوبة للطفولة المبكرة، بتخصيص مبلغ 3,5 مليار شيكل على فترة تمتد لخمس سنوات، لهدف إحداث تغييرات على شتى الأمور المتعلقة بحضانات الأطفال لمن هم حتى جيل ثلاث سنوات. وهذا بالإضافة الى تخصيص مليار شيكل أخرى ضمن الميزانية الرسمية القائمة. والى جانب ميزانية بملياري شيكل لتمويل تسهيلات ضريبية لأهالي هؤلاء الأطفال.

 

لجنتان.. دون جدوى

ولكن مما يتضح، فإنه لم يجر تطبيق التوصيات كما جاءت. مثلا، وفقا لجريدة هآرتس في تشرين الثاني 2015، يتبيّن أنه منذ ذلك الحين كان يفترض أن تؤلّف لجنة حكومية جديدة تدرس نقل المسؤولية عن الحضانات النهارية من وزارة الاقتصاد الى وزارة التعليم، وهو ما لم يتم حتى اليوم.

"معهد بروكديل للبحوث الاجتماعية" نشر عام 2015 الحين تقريرا شاملا عن وضع الخدمات التي تقدم للأطفال في سن الرضاعة. وهو يؤكد الاعتراف بان الإهمال الحكومي مستمر منذ سنوات عديدة. في إسرائيل هناك نحو نصف مليون رضيع وطفل صغير حتى سن الثالثة، ولكن "لا توجد في البلاد نظرة شاملة حول جملة احتياجات هذه الفئة السكانية"، يشير التقرير.

كتبت الصحيفة حينذاك: لقد أوصت اللجنتان الاخيرتان اللتان عنيتا بالأمر، لجنة تريختنبرغ في 2011 ولجنة ألالوف في حزيران 2014، بنقل المسؤولية عن الحضانات النهارية من وزارة الاقتصاد الى وزارة التعليم. ثمة منطق في خلق تواصل للمسؤولية التربوية – العلاجية للاطفال، من سن الولادة وحتى سن 18. ومع ذلك، لا ينبغي الاكتفاء بالنقل الإداري للمجال من هذه الوزارة الى تلك. فالمسؤولية الحكومية ينبغي ان تجد تعبيرها في بناء واسع النطاق لحضانات جديدة، إضافة القوى البشرية، رفع الأجور والرقابة الأوثق بكثير على الأطر المختلفة ومستواها. ان لخطوات كهذه معان مالية واضحة، ولكن بدونها لا تكون لتصريحات الحكومة عن "قلب الهرم رأسا على عقب" الا قيمة محدودة للغاية.

 

الوزارة فشلت

يقول مكتب مراقب الدولة في إسرائيل إنه قام في الفترة ما بين الأشهر آذار- آب 2014 بفحص جوانب مركزيّة في الرعاية التربويّة لوزارة التعليم في مرحلة الطفولة المبكّرة. وجاء بين خلاصاته: لقد فشلت وزارة التعليم في تطبيق معظم الإصلاحات والمناهج التي بادرت اليها، إلى جانب الحكومة، في السنوات الأخيرة، والتي هدفت إلى إضفاء مضمون في تغيير مكانة التعليم في مرحلة الطفولة المبكّرة ووضعه في رأس سلم الأولويات الوزاريّة والوطنيّة وضمان المساواة في التعليم منذ هذا الجيل. يجب على الوزارة تحديد العوائق التي تقف أمام تطبيق هذه البرامج، تحديثها وإحداث التغيير المطلوب في نظرة الدولة تجاه تعليم الأطفال في مرحلة الطفولة المبكّرة.

إن استمرار النقاشات والحوادث والاعتداءات والاحتجاجات حتى اليوم، تؤكد أن حكومات نتنياهو لم تحترم الكثير من التعهدات والقرارات، ولم تضع الأطفال حتى جيل ثلاث سنوات لا في مركز الاهتمام ولا في حيّزات آمنة، لا ماديًا ولا رمزيًا.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية