طافت عيناه تبحث عن كشك لبيع الصحف وعلب الدخان..
فتذكر أنه مرّ بواحد منها في بداية طريقه، في هذا الشارع الذي يسير فيه..
بعد أن استولى اليهود على يافا، واستتب لهم الأمر فيها قرَّر أن يسافر إليها باحثاً عن بيت خالته، التي بعثت له نص وصية تورثه له بعد أن واراها التراب.
وصل يافا.. بحث عن قبرها في المقبرة فلم يجده. دفنت في عجلة في ظروف الحرب والطرد الى الشتات. ولم يكن لأهلها الوقت ليكتبوا أسماء الموتى على شواهد قبورهم.
ولكنه جلس عند أحد القبور، معتبراً أن كلّ قبور يافا هي قبر واحد، وكلّهم قبر خالته.
جئت أليك يا خاله.. الى قبرك المتَّحد مع قبور أهل يافا حديثي العهد.. عهد الرحيل..
لأحكي لك حكايتي مع البيت الذي أورثني إياه..
وصلت يا خالة يافا، ومشيت في شوارعها متوجهاً الى بيتك المسجون..
دخلتُ الكشك، وخرجت منه بعد أن اشتريت علبتيّ سجاير من النوع الأجنبي الفاخر، وضعتهما في جيوب معطفي العميقة، وبقيت الجريدة العبرية في يديّ.
شعرت بالخوف يهاجمني من كلِّ الجهات، وعندما بدأت أخطو في الشارع، مسكت الجريدة من طرفيها بحيث تكون مفتوحة أمام عينيّ، وصبَّبت ناظريَّ على صفحاتها، محاولاً أن أجعل الناظر إليّ الاستنتاج أنني أقرأ فيها.
بعد خطوات أخرى أبقيـت يداً ممسكة بها. وأفلتُ اليد الأخر، ورفعتها محنيَّة في مستوى صدري، وبدأت أحركها بقوة، كيّ يفهم الناظر باتجاهي أنني متفاعل مع الأخبار التي أقرأها في الجريدة، وأنها في غاية الخطورة.
أثناء سيري، تذكَّرت يا خالتي وصيتك لي في زيارتي الأخيرة لك قبل موتك..
"هنا في يافا لا يفهمون إلا العبراني.. وأنت يا عارف عبرانياتك على قدّك.. يدوبك تحكيلك كلمتين. دير بالك يسلمنك للبوليس!".
كانت أمشي باتجاه البيت.
بيتك يا خالة الذي زرته في مرات لا تحصى.. نمت فيه مع أولادك الثلاثة، الذين تركوا يافا في بداية النكبة، وانتشروا في بلاد الشتات.
عندما جاءت أخبار دخول اليهود ألحارة الأولى من المدينة، حاولوا "جرّك" معهم فأبيتِ..
قلتِ لهم: شو بدهم يعملوا بيَّ اليهود!؟ أكثر حد سيقتلونني.. أموت في بيتي هذا، وأنا لا أرجو من الدنيا أكثر من ذلك.
ولم يبق من أقربائك إلا أنا ابن أختك.. فبعثتِ لي نسخة من وصيتك، تورثيني البيت وهمومه.
استأنفتُ السير باتجاه البيت. عيناي منصبتان في الجريدة وأتمتم وألوّح بيدي..
قف مكانك وارفع يديك الى أعلى ! سمعت صوتاً بالقرب مني.
سقطت يدايَّ على جانبيَّ، وسقطت معها الجريدة..
التفتُ الى الأمام فاصطدت عيناي بشرطي يتجه باتجاهي.
ناولني الجريدة! صاح بيَّ ساخطاً..
انحنيت والتقطت الجريدة من أرضية الشارع وناولتها له. والخوف يقطِّع قلبي.
أنت تعرف العبرية، حتى تقرأ في هذه الجريدة!؟ استمرَّ الشرطي في صراخه.
بقيت صامتاً معقود اللسان.. ومصدوم من معرفة هذا الشرطي للغة العربية.
ولكن يا خالتي، عرفت من طريقة إمساكه للجريدة، أنه "مسكين" مثلي لا يعرف من العبرية إلا اسمها! وأن طريقة إمساكه للجريدة "فضحته" كما "فضحتني" من قبله. "فضحتني" أنا يا خاله لأني لم أستمع لنصيحتك!.
هل معك تصريح لدخول يافا؟ سألني مهدداً..
أنا يا خالتي كما تعرفينني " لمحها وهي طايره". أخرجت من جيب جاكيتي ورقة. تصريح للعمل في بيارات برتقال الخضيرة وناولتها له.
نظر إليها وتمتم كأنه يقرأ فيها وأعادها إليَّ.. وهو يقول بدّي أعرف هذا الكلب الذي أعطاك التصريح!
***
إعطني ظهرك وعليه يديك.. صرخ بيّ كالمجنون.
أخرج القيد من حقيبته وقيَّدني وساقني أمامه..
في الطريق سألني من أين أنا!؟.. وما الذي أتى بيًّ الى هنا في هذه الظروف!؟.
أنا من عارة، جئت لأتسلم وِرثتي عن عمتي اليافوية، التي توفيت قبل شهر. أجبته.
هذا وقته يا مجنون!؟ ألا تعرف أن ظروف الحرب لم تنته بعد. وأن الأخطار تحيط بك من كلِّ الجهات!؟
قدامي! أكثر أماناً لك أن تبيت عندي في السجن يا معتوه. صاح بيَّ وهو يدفعني أمامه..
وأكملنا السير في صمت.. وهو يمسك بيدي من عند الكتف..
***
ألديك أمل أن تحصل على البيت؟ سألني الشرطي قاطعاً حبل الصمت الذي كان يضيق علينا. استنتجت أنه أمضى وقتاً طويلاً من مسافة الطريق، وهو يفكِّر كيف سيطرقه معي.
انه بيت عمتي، ومعي حجَّة ميراث موقعة من قبلها. أجبته بلهجة الواثق من حصوله على حقّه.
وعاد الصمت ليستولي علينا..
لن يترك اليهود لكم شيئاً.. سيستولون على البيت.. عاد الشرطي الى الحديث معي بكلام ينقط خبثاً وطمًعاً ملفعاَ بالتهديد الخفيّ..
هذا بيتي ولن أتنازل عنه. أجبته بتحدّي.
وتابعنا السير باتجاه السجن.
بعد أن مشينا خطوات أخرى عاد الى الأسئلة..
ألا تبيعني البيت!؟ سأل بخبث فيه إغراء لي.
لن أبيعه مقابل كلّ مال الدنيا! أجبته بتحدٍّ أكثر.
إذا وافقت على بيعه لي، وسلمتني حجة بيعه، سأطلق سراحك الآن، فتتخلَّص من السجن، الذي ما من أحد يعرف كيف ستخرج منه، و سأدفع لك ثمناً معقولاً..
تكلم بصوت مبطَّن بالإغراء.
لقد سبق وقلت لك أن هذا البيت ليس للبيع. رددت بحدة أسكتته.
وصلنا سجن يافا وسلمني للسجانين، وقبل أن يخرج اقترب مني، وهمس في أذني مهددا متوعداً: "إياك أن تخبر أحداً بأمر البيت، فأنا لم انته معك."
يا خالتي - رموني في غرفة "هراها" التاريخ،لا فرش ولا غطا، "تزيّنها" الثقوب والطاقات التي تستعملها الفئران مأوى لها.
وفي الليل زارني أحدها، فرحبت به وألقمته لقمة من اللقم التي ألقموني بها، أخذها وطار فرحاً بهًا الى جحره. فألفني وألفته وصار كلّ يمٍ يأتيني فأعطيه نصيبه. وبعد ذلك درَّبته أنه كلما أناديه مستعملاً كلمة "بو" تعال بالعبري، يخرج ويتناول وجبته مني، وإذا قلت له "ليخ" ومعناها عد الى جحرك.
فشعرت أنه كان مسروراً فرحاً، لأنها كانت هذه أولى خطواته في تعلُّم العبرية - لغة العصر الجديد.
يا خالتي - قضيت لياليّ بالتفكير بالحال التي وصلت إليه.
ومما زاد من همومي، أن ينتبهوا للجاكيت ويصادروا معه علبتيّ الدخان..
حتى أتتني الفكرة..
خزقت جيوب الجاكيت من أسفلها فغاصت علبيتي الدخان في أخره، واستقرّتا هناك في مأمن من التفتيشات.
بعد أن تأكّدت أن المكان آمن، أخرجت العلبتين من مخبئهما. وسحبت خيطيّ حذائي، وثقبت كلّ علبة دخان ثقبين من الأطراف، وأدخلتها الى ثقوب كنت قد ثقبتها في العلبتين، وعقدتها من الأطراف كي لا تفلت، فأصبحت كخرج حمار تتدليان من الجانبين.
عندما عاد الفأر كعادته في اليوم التالي، ثبَّتها على ظهره. فصار كلما صحت (بو) يخرج ويقترب مني، فأتناول سيجارة من العلبة، وأعطيه وجبته من الطعام، وعندما أقول له (ليخ)، يعود الى جحره راضياً فرحاً. فنشأت بيننا تعاون وصداقة متينة.
لماذا تضحكين يا خاله.. ألم تطلقي علىّ إبليس في مناسبات كثيرة!؟
ألم توصفيني بالعكليك، الذي لا يمكن الإمساك به والتحايل عليه!؟
بعد يومين قادوني وأدخلوني الى غرفة مظلمة. كان شمعون يجلس على كرسيّ قديم، وأمامه طاولة عاصرت نابليون، وعليها دوسيه فيها أوراق.
ولما جلست على كرسيّ أمامه بادرني قائلاً: أنت لم تأتِ الى يافا سعيّاً وراء بيتك. أنت جئت لأمر ما، أريد أعرفه منك الآن. أكمل قبل أن أنطق..
أنا جئت لأتسلم بيتي وليس لشيء آخر. أجبته متعمِّداً الهدوء في كلامي.
ولكن أين هذا البيت!؟ ما عنوانه!؟ سأل وحيرة مهدِّدة تنطلق من كلامه.
لا أعرف له عنوان. أجبته محافظاً على هدوئي.
فقام من مكانه وصفعني صفعة أطارت الضوء من عينيّ.
رجع الى مكانه والغيظ يسيطر على وجهه، وصرخ بأعلى صوت زلزل المكان:
قلت لي عندما قبضت عليك. أنك ذاهب الى بيتك، والآن تقول إنك لا تعرف له عنوان. كيف هذا!؟ أتريد أن تجنِّني، أم أن تستهبلني!؟ أتظن أن هذه "الدرجات" التي على كتفي أجتْ هيك!؟ أنا سأصنع منك عجيناً وأخبزك، وإن أكلتك لن تشبعني!
أنا لم أكذب عليك.. كنت في هذا البيت قبل عشر سنين. والآن تغيَّرت الدُّنيا هنا في يافا. ٍكنت سألفُّ في شوارعها حتى أجده. أجبته محاولاً تأكيد كلامي.
وإن لم تجده!؟ سأل سؤال اليائس.
سأجده. أجبته بإصرار.
وأن وجدته ستبيعه؟
هذا البيت ليس للبيع! أكملت بعناد.
فقام من مكانه وصرخ صرخة هزّت المكان:
إخرج.. إخرج من هنا! لا أريد أن أراك..
وقبل أن تخرج.. رفع قوة صوته وصاح: أسمع سنستولي على هذا البيت.. سنستولي عليه ولن تنال منه شيئاً.
كان صوته يلاحق خطواتي، وأنا أغادر المكان.
وفي اليوم التالي أخرجوني من السجن..
ولم تشاهدي، يا خالتي، دموع الفأر، وهي تذرف من عينيه حزناً على فراقي!
وبعد شهر عدتُ الى يافا أبحث عن بيتي..
وصلته وكدت أن استمرًّ في سيري. في آخر لحظة لمحت بَعد أن قطعته الداخون. فهو كان البيت الوحيد، الذي كان داخون مرفوع على سطحه..
رجعت خطوات الى الوراء، وصعدت الدرجات التي توصل الى باب مدخله، طرقت الباب وانتظرت كي يُفتح. بعد أن وصلتْ لأذنيّ أصوات تنطلق من داخله.
وإذا "بجيش" من الرجال والأولاد يرتدون ملابس سوداء يخرجون كالطوفان من باب البيت ويلتفون حولي و ينهالون عليَّ ضرباً بأيديهم وبأرجلهم، وبكلّ ما يحتويه البيت من أدوات.. تجمعوا حولي ومسكوا بيَّ ورموني خارجاً الى الشارع.
فوجدت نفسي يا خالتي أتمرّغ على فرشتي في السجن معصوب الرأس، وآلام شداد تنطلق من كلِّ قطعة من جسمي.
وصديقي الفأر يجلس ساهم بالقرب منّي.. والحزن يرتسم عميقاً على وجهه الصغير.
أفهمني أنه لا يجلس بجانبي كيّ يحصل على طعاماً مني.. إنما ليواسيني في مصابي الأليم، ويساهم في تخفيف آلامي.
وفي الصباح لم يحرروني، ألا بعد أن حرروا لي محضر اتهام، بجرم دخول بيت ليس ملكك، والاعتداء على ساكنيه وتخريب ممتلكاتهم.
يا خالتي..
ها أنا جالس بجانب قبرك..
آتي الى يافا.. أزور بيتك، ولكن من بعيد، وبعدها أجلس بجانب القبر الذي اخترته أن يكون قبرك. أحكي لك ما يستجدُّ من أحداث تحدث لي مع البيت.
وأنا أعدك أنني لن أتنازل عنه ما حييت، ولن أفقد الأمل في استرداده.




.png)




.jpeg)


