التناقض الذي يُفشِل تقليص فوضى السلاح في إسرائيل

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

كيفما توجّه الفضول والبحث في تقارير المؤسسات الرسمية الإسرائيلية، يُعثر على تناول للعنف المسلّح المتفشي المتصاعد وخصوصًا في المجتمع العربي. والى جانبه، أو ما بين سطوره، إقرارٌ بالفشل الرسمي في المعالجة والمواجهة. سواء أكان الداءُ كامنًا في النيّة أم في الأداء.

لقد نشر مكتب الإحصاء المركزي قبل أسبوعين تقريراً عن وضع جودة حياة السكان. وهو يستند إلى معطيات ومقاييس مختلفة لتشخيص ما يسمى "المناعة القومية" في مجالات مختلفة، ابتداء من جودة العمل، والأمن الشخصي، والتعليم، ووصولا إلى البيئة وثقافة وقت الفراغ. وتشير المعطيات في باب الأمن الشخصي إلى أرقام واضحة حول تفشي العنف الدموي بين العرب أكثر منه بين اليهود بدرجات صارخة. إذ بلغت حالات القتل عام 2016 بين العرب ما يفوق الحالات المشابهة بين اليهود بـ 5,6 أضعافِ!

بالتوازي، يتناول معهد الأبحاث التابع للكنيست في تقرير جديد، الأفكار الرائجة في عدد من دول العالم لجمع السلاح، المرخص منه وغير المرخّص. ويصفُ خططًا للقيام بذلك مقابل تلقي مُعيدي الأسلحة مردودا، ماليا وإعفاء من الإدانة والعقوبة لمن كان سلاحهم غير قانوني. درَس معهد الأبحاث هذه المسألة ولخّص فيه عددا من التجارب مقارناً إياها مع المعمول به والممكن عمله بهذا الصدد في إسرائيل. ويتوصل في النهاية إلى استنتاج ينطوي على مفارقة واضحة، وبصيغة رسمية.

لقد سبق الكشف عن مبادرة رسمية لجمع أسلحة غير مرخصة من المواطنين، وذلك مقابل العفو عن المخالفين وإعفائهم من الإجراء القانوني وما يترتب عليه من عقوبات. وأثبتت الأرقام ان المشروع لاقى فشلا ذريعاً، إذ لم يسفر سوى عن إعادة عدد ضئيل جدًا من السلاح. واعترفت الشرطة ووزارة الأمن الداخلي بأن الحملة لم تسفر سوى عن تسليم 14 قطعة سلاح فقط.

الدراسة التي ألّفها معهد الأبحاث التابع للكنيست تذكر أن طريقة الحثّ على إعادة السلاح مقابل اغراء مالي، تأتي ضمن الجهود والسياسات الهادفة إلى تقليص الظواهر السلبية المرتبطة باستخدام الأسلحة، مثل حالات الانتحار، حوادث الرصاص والأفعال الجنائية. وتعرض تجارب عدد من الدول، منوّهة إلى أنه يجري فيها استخدام أساليب وسياسات إضافية لمكافحة انتشار السلاح. كذلك تميّز الدراسة ما بين جمع "أسلحة قانونية" والتي يحاجج كثيرون أنه يجب تقليصها هي أيضاً، وبين جمع الأسلحة "غير القانونية"، مفسّرةً بانها تلك الأسلحة "التي تم شراؤها دون ترخيص، أو المسروقة، أو المهرَّبة أو المرتجلة المصنوعة يدوياً".

لاحظت الدراسة أن هناك دولا تضع في مركز توجهها، ليس القبض على حاملي السلاح غير المرخص وإدانتهم، بل تقليص عدد الأسلحة التي بأيدي الجمهور. وهنا يتم التعهد لكل من يسلّم سلاحه بدفعة مالية، وفي حال سلّم سلاحاً غير قانوني يحظى أيضاً بحصانة من الإدانة الجنائية وذلك لفترة زمنية محددة.

في العام 1996 في أعقاب اعتداء دموي جماعي قررت السلطات الأسترالية اعتماد سياسة موحدة بشأن حيازة السلاح. تم منع حيازة عدد من أنواع الأسلحة وتعديلات على الأنظمة المعمول بها بشأن تخزين السلاح في بيت حامله والتمرينات على استعماله بشكل آمن. وتم في هذه الخطة جمع 640 ألف قطعة سلاح كانت قانونية في السابق وتم إخراجها خارج القانون في التشريعات الجديدة. كذلك تم جمع 60 ألف قطعة سلاح غير قانونية. هنا لم تدفع الدولة مقابل الأسلحة غير القانونية لكنها أعطت أصحاب تلك الأسلحة حصانة من الإدانة.

إثر ارتكاب حادث دموي بالرصاص في بريطانيا، في العام 1997، تم إخراج عدد من أنواع المسدسات خارج القانون البريطاني، وأعلِن عن حملة لجمع الأسلحة مقابل مكافأة مالية. في الشهور العشرة الأولى التي طُبقت فيها الخطة، تم تسليم الشرطة 162 ألف قطعة سلاح ونحو 700 طن من الذخيرة.

الأرجنتين طبقت في 2007-2008 خطة لإعادة أسلحة وذخيرة. واشتملت على تقديم مبلغ مالي لكل من يعيد سلاحا قانونيا أو غير قانوني، مع إعفاء حمَلة السلاح غير القانوني من الإدانة إذا ما أعادوا أسلحتهم في الفترة الزمنية التي تعلنها السلطات للحملة. خلال سنة ونصف السنة تم جمع نحو 100 ألف قطعة سلاح.

معهد أبحاث الكنيست تساءل عمّا يمكن تطبيقه في إسرائيل وعمّا إذا كان مثل هذا النهج يلائم الوضع القائم في إسرائيل، ويوفر حلولا للمشاكل القائمة. لكنه يقرّ أن المشكلة المركزية التي تواجهها إسرائيل هي السلاح غير القانوني الذي من غير الواضح ما إذا كان المردود المادي مقابل إعادته، كفيلا بإقناع المخالفين بتسليمه للسلطات.

المعهد يؤكد أنه من الصعب تقدير عدد قطع السلاح غير القانوني، الجنائي منه والأمني، المنتشرة في إسرائيل. ويذكّر بتقرير مراقب الدولة الذي أكد أن عدد الأسلحة المتراكمة في المجتمع العربيوصلت إلى "كمٍّ خطير"، وقسم من هذا السلاح مصدره السرقة من قواعد الجيش الإسرائيلي، حيث تنتقل الأسلحة المسروقة إلى الجهات الجنائية.

الدراسة تُختتم بلهجة نقدية مبطنة من خلال التأكيد على أن جميع الدول التي طبقت برامج إعادة أسلحة مقابل دفع مردود مادي وإعطاء حصانة من الإدانة الجنائية، قد دمجت ذلك مع تشديد واضح جداً لمقاييس ومعايير منح رخص السلاح، "أما في إسرائيل بالمقابل"، كما يشدد معهد الأبحاث "فإن آخر تحديثات معايير استحقاق تقديم رخصة لحمل السلاح، والتي نشرتها وزارة الأمن الداخلي في آب 2018 قد سهلت شروط تلقي رخصة حمل سلاح".

للتذكير: وزير الأمن الداخلي استغل أوضاعًا أمنية، كما يصفونها، لفتح السدّ وإغراق البلاد بالسلاح. هنا تظهر العلاقة المباشرة ما بين انتشار السلاح، الذي يصل كثير منه لاحقًا من دائرة الترخيص الى مربعات الإجرام والعنف الجنائي، وبين إفرازات الاحتلال.

إن البلاغ واضح: من غير المعقول الخروج بحملات لحثّ مواطنين على تسليم سلاحهم للشرطة، بينما تقوم الوزارة المسؤولة عن الشرطة بتحديد تسهيلات هائلة تجعل حمل السلاح أشبه بحمل مظلّة، صيفاً وشتاءً!

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية