إن سيرة بني بلوط تروي حكاية مصطفى جابر بلوط، بطل فلسطيني في مفهومه الشعبي، يشبه كثيرا أبطال قصص وحكايات سمعنا شبيها بها في "دواويننا" الفلسطينية من الآباء والأجداد، ومن كبار السن. لذلك فبطولته-التي تشبه أصلا بطولة والده- هي بطولة فردية فيها الكثير من "الشقاوة" الفلسطينية منذ مغامرات الوالد جابر، مرورا بمغامرات الابن مصطفى الذي حمل مواصفات والده في الشجاعة والجرأة، مع تشابه طفيف مع أبطال السير الشعبية. يبذل الروائي جهدا لا بأس به لتحويل "حكاية" مصطفى إلى حكاية شعب كامل، لا قصة فرد بعينه، وبالذات أن مصطفى جابر بلوط، كما ذكرنا، ليس اسما مأخوذا من كتب التاريخ الفلسطيني. فهل نستطيع أن نقول إن بطل الرواية يستمد بعض مواصفاته من بطل رواية روبن هود الإنجليزية؟ وهل تحول بطل الرواية إلى نموذج للمقاتل الفلسطيني في سبيل الحق والذود عن المظلومين في الأرض ضد السلطة الحاكمة؟
سؤال كبير أكبر من حجم روايتنا، لكننا لا نستبعد مطلقا أن يحمل مصطفى بلوط بعض جينات روبن هود المقاتل في سبيل العدالة، لكنه يظل في إطار مجتمع آخر وظروف سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية أخرى. مصطفى بلوط لم يحمل العمق الفكري "الاشتراكي" لروبن هود، ولم يسعَ الروائي، برأينا، إلى ذلك، بل جعله بطلا شعبيا مشاغبا مغامرا ينتقم من "الأفندي" من خلال إقامة علاقة جنسية مع إحدى زوجاته حتى اكتشف الأفندي أمره، فولى هاربا مختفيا عن العيون، وينتقل إلى المدينة ليتحول إلى مقاتل حقيقي ضد المستعمر الغريب، يفشل أحيانا وينجح أحيانا أخرى، ويظل باب الأمل مفتوحا، خاصة أن البطل ورفاقه يتمكنون من كسب ودّ الفلاحات والفلاحين الذين لا يتوانون في تقديم العون للثوار، وإخفائهم عن عيون الجنود المحتلين وأعوانهم من الداخل.
حين نقرأ العنوان سيرة بني بلوط فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو سيرة بني هلال، ومن ثم كتب السير الشعبية الأخرى مثل سيرة عنترة بن شداد، وسيرة الزير سالم وسيرة سيف بن ذي يزن وغيرها. يوحي العنوان بأن الرواية تدور حول سيرة جماعية لمجتمع، لا سيرة فرد. لكن القارئ يتابع الأحداث من خلال سرد الشخصية المركزية للأحداث بضمير المتكلم. ولذلك لا بد من طرح السؤال التقليدي: لماذا هذه التسمية؟ ولماذا لم يسمها سيرة مصطفى بلوط كما هي سيرة عنترة أو سيرة الزير سالم؟
يحمل مصطفى جابر بلوط، بطل الرواية، الكثير من مواصفات أبطال السير الشعبية حيث تبدو عليه ملامح البطولة منذ سن مبكرة، كما هو حال البطل في السير الشعبية الذي يتحوّل مع الزمن، بفضل أفعاله، إلى رمز يتحلى بشيم الشجاعة والمروءة، ومثال يُحتذى به في خدمة الجماعة والتضحية بالذات. فقد تحول عنترة العبسي إلى رمز يحارب من أجل التحرر من الظلم، ومما تعرّض له من غبن منذ سن مبكرة. ولقد ذبح الزير سالم، وهو لا يزال فتى، الأسد ونحر اللبؤة وأخذ من حليبها ليقدمه لزوجة أخيه الجليلة التي أرادت له الهلاك. فيرى الجميع أفعاله حتى بات الكبير يعمل له ألف حساب قبل الصغير.
لقد تحدى مصطفى بلوط الفتيان الأكبر سنا، وقام بأفعال و"بطولات خارقة" فتحدى الجن ولم يخف منه ودخل المقبرة ليلا ووضع حجرا فوق أحد القبور، جعلت الكبير يعمل له ألف حساب قبل الصغير، وكان ذلك بداية مرحلة جديدة في حياته فتحت له أبواب الرزق كي يعمل ويساعد أمه الأرملة في تحمّل أعباء الحياة، رغم أنه ليس ابن عائلة كبيرة تمده ب"العزوة" والدعم كما هو الحال في المجتمع العربي التقليدي.
إن الزير سالم هو أخو كليب الذي شغل الدنيا في أيامه، فكان الفارس الشجاع الذي يهابه الجميع، لكن يد الغدر طالته، فما كان من أخيه سالم إلا أن يحمل وصية أخيه التي كتبها بدمه (لا تصالح) ويعمل على تنفيذها حتى يأخذ بثأره ليهدأ باله ويشفي غليله. أما في سيرة بني بلوط فإن القتلة هم الجنود الإنجليز المحتلون الذين قتلوا جابر، والد مصطفى بلوط، مما حدا به، في مرحلة الشباب، إلى أن ينتقل إلى المدينة وينضم إلى الثوار لمحاربة الإنجليز وطردهم والانتقام منهم.
إن بطل السيرة الشعبية يعمل من أجل الجماعة، ويدافع عن المظلومين، هكذا هو مصطفى بلوط لا يعمل من أجل ذاته أو من أجل أمه فقط، بل من أجل مجتمعه عامة، يحارب في الداخل وفي الخارج فيكسب ودّ المجتمع واحترامه. وكما أن أبطال السير الشعبية يلفتون نظر العذارى، هكذا يحظى مصطفى بلوط بقلب الحبيبة التي تغامر بذاتها وسمعتها وحياتها في سبيل بطلها، وكان قد سبا من قبلُ قلب زوجة الأفندي، وهو لا يزال فتى في مقتبل العمر واحتل فراشه.
إن الفارق الأبرز بين السير الشعبية التي أشرنا إليها وبين سيرة بني بلوط هو في اللغة. فلغة السير الشعبية هي لغة ما بين الفصحى والعامية لها مواصفات خاصة، ليس هنا مجال بحثها، تعتمد على السجع والجناس، لكن لغة سيرة بني بلوط هي لغة الرواية الحديثة، حتى وإن لجأ الكاتب إلى ترديد جملة "وبقي السر مكتوما بيننا" في نهاية كل فصل، كما هو حال التكرار في السير الشعبية، ورغم أن عنوان المخطوطة التي تركها الوالد تعتمد على السجع "سر اللسان المربوط للعبد الفقير مصطفى بلوط". (الرواية، ص31)
بالرغم من أن الأحداث تدور كلها حول شخصية مصطفى بلوط وتتمحور حول شخصيته اللافتة، إلا أنّ الكاتب أراد لهذه الشخصية أن تكون رمزا ونموذجا للإنسان الفلسطيني الذي يقارع من أجل طرد الإنجليزي المحتل ومحاربة كل من يقف معه من "مخاتير" و"أفندية" لا تهمهم سوى المصلحة الذاتية. إني أعتقد جازما أن التسمية الجماعية أكثر نجاحا من التسمية الفردية، وبالتالي فقد أصبح مصطفى بلوط رمزا من رموز بني بلوط الذي يقارع العدو، فتتّسع الرقعة من محاربة فرد إلى محاربة جماعية. والبلوط شجر راسخ وثابت من أشجار بلادنا التي تغور جذورها في الأعماق، فباتت رمز الثبات والصمود، وبالتالي هي إشارة إلى الشعب الذي رسخت جذوره في أرض الآباء والأجداد، قارع جيوشا عدة منذ مئات السنين، حتى ولّوا، وعادوا من حيث أتوا وبقي السنديان وبقي البلوط راسخا في مكانه يعمر مئات السنين.
خلاصة
تستمد رواية سيرة بني بلوط أحداثها وشخصياتها من التاريخ الحديث، اعتمادا على حقبة زمنية هامة جدا على الصعيدين السياسي والاجتماعي، تلك الفترة التي يدخل فيها الانتداب البريطاني إلى فلسطين في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فيتعرض لمواجهة مسلحة من أهل البلاد. يعرضها الكاتب من خلال عمل فنّيّ بعيدا عن التاريخ الجاف، فبدا أهل البلاد أصحابَ حقّ يعملون من خلال وسائلهم المتاحة لرفع الغبن اللاحق بهم. ينقسمون إلى فئتين؛ الفئة الأكبر والشريحة الأوسع تلك التي ترفض الاحتلال، وفئة المنتفعين الذين يجنون أرباحا من خلال ربط علاقة مع المحتل حفاظا على مصالحهم الخاصة.
يطّلع القارئ على سير الأحداث من خلال الشخصية المركزية، شخصية مصطفى جابر بلوط الذي يولد من رحم والد مغامر مشاكس يتحلى بالشجاعة، ومن رحم أم فلاحة قروية تعمل كل ما بوسعها لرعاية ابنها وحيدها الذي اختار طريق المواجهة على الصعيد الخاص والعام، فرفض الانصياع لأوامر المحتل الإنجليزي الذي قتل والده، وتركه يتيما يصارع مع أمه من أجل لقمة عيش شريفة ونظيفة، فتحول إلى رمز المقاتل الذي ينتمي إلى شريحة الفقراء الذين يدافعون عن الحق الضائع.
بناء عليه يمكننا بسهولة إدراج رواية سيرة بني بلوط تحت باب الرواية الواقعية الاشتراكية لأسباب عدة فهي تدعو إلى العمل الجماعي لا الفردي. وأبطالها من عامة الشعب يحاربون من أجل الحرية والمساواة، ويرون في الإقطاعي عدوا داخليا كما المحتل هو عدو خارجي، فضلا عن ذلك فالرواية تحمل رؤية مستقبلية تفاؤلية. وتحث القارئ على التغيير لأجل خلق عالم سليم يتساوى فيه الجميع.
يعمل الروائي على رسم الشخصية المركزية وبنائها في آن معا بشكل تراكمي، بما يتلاءم مع تجارب البطل عبر الأحداث المتتالية من الأبعد فالأقرب، اللهم إلا في الفصل الأول الذي يبدأ القص فيه من الزمن الأقرب لزمن القراءة. يتعرض البطل لتجارب عدة منذ سن مبكرة ثم تتراكم التجارب والأحداث، وتنمو الشخصية بالشكل الذي خطط له الروائي، لتبدو شخصية قوية قادرة على المواجهة وإدراك مفهوم الظلم والظالمين، لينمو الحس الوطني العفوي.
تحمل الرواية بعض ملامح السيرة الشعبية التي ألفناها في أدبنا الشعبي من حيث بروز شجاعة "البطل" القادر على اجتراح المعجزات، الذي يتصدى للظلم والظالمين وينجح في رد الحق لأصحابه ورفع الغبن عن المظلومين. مصطفى جابر بلوط يتمكن منذ نعومة أظفاره من تحقيق ذاته وإثبات "رجولته" في الحارة منذ شبابه المبكر، ويثبت "فحولته" في جيل الشباب المبكر، فيكسب ودّ العذارى والمتزوجات في آن معا، ثم يثبت بطولته وشجاعته من خلال محاربة الإنجليزي المحتل، ومحاربة سلطة ذوي النفوذ الذين يستغلون الفلاحين والفقراء.برأينا كان من الممكن أن يعمل الروائي على توسيع مهمة البطل، وتوسيع رقعة المقاتلين من حوله، وتحويل الرواية إلى سيرة أكثر شمولية، وذلك تجاوبا مع عنوان الرواية.
عمل الروائي على بناء خطابه الروائي من خلال رؤيا تجسد صراعين؛ الأول صراع أصحاب الأرض مع المحتل الغريب، وصراع الفقراء والمظلومين ضد الإقطاعيين، فاختار بطلا من عامة الشعب كان قد تعرض للغبن والظلم منذ نعومة أظفاره ليقوم بدور مركزي، فبدا الروائي منحازا لتلك الشريحة التي يمثلها البطل، فبرز الصراع الطبقي ودور المناضل المقاتل، وبالتالي تلقّف القارئ الأحداث من خلال سارد مشرف كلي مشارك يسرد الأحداث بضمير المتكلم فبدا في عين المتلقي صاحب حق.
يعمل الروائي محمد علي طه على رسم صورة وطن، ورسم صورة شعب في مرحلة زمنية معينة من خلال لغة سردية قادرة على توصيف المكان والزمان والشخصيات فبدت هذه العناصر متلاحمة مترابطة ومنسجمة معا. فاللغة هي أداة الرواية التي يبني الروائي بواسطتها عالمه الخيالي. فرأيناها قادرة على التشخيص السليم للطبيعة القروية والمدنية بكل مركباتهما، وقادرة على تصوير الشخصيات المتعددة وبيئاتها المتنافرة. وإني لأرى أن الوصف في الرواية هو العنصر الأقوى والأبرز فيها، وهي ميزة القص الأنجح عند الكاتب محمد علي طه في مجمل ما يكتب. لغته غنية منسابة سلسة حية قابلة للتغيّر والتبدل وفق المكان والزمان،وبما يتلاءم أيضا مع فكر الشخصيات على اختلاف انتماءاتها.
رأينا الكاتب يعنى عناية كبيرة بتأثيث الفضاء الروائي بما يتلاءم مع زمن الأحداث وخصوصياته، فبدا "الديكور" في شكله القروي يحمل مواصفات مجتمع يعيش في حقبة زمنية يصارع فيها الناس من أجل لقمة العيش اعتمادا على مصدر الرزق الأهم، فرأينا القرية والحقل والأزقة والبيوت، وأهل القرية والمقاتلين الذين يعملون من أجل الذود عن أرضهم وكرامتهم.
رواية سيرة بني بلوط رواية ذات صوت واحد، هو صوت الراوي المشرف الكلي الذي يتحرك بفعل توجيهات الروائي. فمن شأن الرواية البوليفونية أن تترك للشخصيات مجالا واسعا للتحرك، عبر خلق حالة من الصراع بين شخصيات متعددة وأصوات متعددة. يقتصر الصراع في روايتنا على خلق حالة من التناقض بين المحتل الإنجليزي وبين أهل البلاد، وبين الفقير والغني. فيطّلع القارئ على ألم المستضعَف في الحالتين من خلال صوت الراوي المشرف الكلي.لقد حاول الروائي أن يقيم نقاشا بين بعض الشخصيات المقربة من الراوي/الشخصية المركزية وأن تعبّر كل منها، في الكثير من المواقع، عن صوتها الخاص بها، ولكن هذه الأصوات لم تتخلص نهائيا من "سيطرة" الراوي الرئيسي.أما الصراع الحقيقي بين صوتين متناقضين وموقفين متضادين فهو الصراع القائم بين فئتين من الناس؛ الفئة الأولى التي تحمل وجهة نظر الراوي وصوته، وتلك التي تحمل رأيا وموقفا مغايرين مثل المختار والأفندي وأتباع السلطة الجائرة. فالرواية تقوم أصلا على الصراع بين الاحتلال الإنجليزي ممثلا بجنوده وأتباعه، وبين عامة الشعب من فلاحين وقرويين وعمال وثوار. وعلى هذا الصراع، بالأساس، تقوم الرواية وأحداثها، وتتمايز الفئتان وتختلفان وتتصارعان صراعا وجوديا منذ بداية الرواية وحتى الصفحة الأخيرة. وبما أن الراوي يحمل نفس وجهة نظر الروائي وصوته فإن القارئ بالتالي ينحاز لهذا الصوت ولهذه الأيديولوجيا.
يحرّك الراوي الرئيسي الأحداث غير مفصول كليا عن الروائي، رغم انتقال السرد من الراوي الرئيسي وتسليمه لرواة آخرين، بحيث لا يمكننا الحديث عن تعدد الرواة. يتضح للقارئ المتأني أن الأيديولوجية المركزية والديناميكية في الرواية هي أيديولوجيا الروائي. لكن ما أعطى الرواية تلك الحيوية هو اللجوء إلى المونولوج والحوارات والأحلام والمناجاة التي تخلق المفارقات الزمنية وتتيح للسارد أن يتحرك بين الأزمنة والأمكنة المختلفة، فضلا عن الوصف وتأثيث الفضاء بكل مركباته بلغة غنية. هذه التقنيات كان من شأنها أن تفسح المجال أمام أكثر من صوت وأن تفتح باب تعدد الأصوات. لكن الروائي يصرّ على إيصال موقفه دون مواربة فأطل برأسه من خلال مصطفى بلوط ورفاقه الذين يحملون وجهة نظر واحدة، فبرز الصراع بين فئتين متصارعتين؛ إيجابية يدعمها الروائي والراوي وسلبية ممثلة بالمختار والأفندي والمحتل.
وبما أنّ الحلّ الذي يحلم به الإنسان الفلسطيني يبدو صعب المنال على أرض الواقع، يأتي الخطاب الروائي الفلسطيني، كما ينعكس في سيرة بني بلوط، كي يسدّ هذا النقص، ويفتح بابا للأمل وشبّاكا للحلم.




.png)




.jpeg)


